أعلام وتراث

أثر الأشوريين في الحضارة العراقية

ذكرنا فيما مضى أن البابليين والأشوريين يكونون شعباً واحداً من حيث الأصل، وحضارة واحدة من حيث المبدأ، وإتجاهاً واحداً من حيث السياسة وأهدافها.

وذلك حق إلى حد بعيد، إذ أنهم ينتمون إلى الأصل السامي، وانهم نزحوا من موطن واحد، ثم أنهم كذلك إستقوا حضارتهم عن مصدر واحد ذلك المصدر هو حضارة السومريين والأكايين، فحضارة البابليين والأشوريين لا تعدو أن تكون إمتداداً لحضارة السومريين التي نشأت في جزء كبير من وادي دجلة والفرات، مع ملاحظة التقدم العظيم الذي نالته على أيدي البابليين والأشوريين، ونستطيع بوجه عام أن نقول أن الأشوريين ساروا في علومهم ومعارفهم على النهج الذي وضعه البابليون من ناحية السياسة، والمعتقدات، والعلوم، والآداب، والقوانين، وترجمة الكتب، ونسخها، والمحافظة عليها منظمة مرتبة في دار خاصة.

ولكننا مع ذلك نستطيع أن نلمس أثراً خاصاً للأشوريين أضافوه من عندهم وبجهودهم إلى تلك الحضارة، ذلك هو تفكيرهم في أنواع النباتات المختلفة، وفي أنساب الآلهة العديدة، وذلك يعتبر جديداً على الحضارة البابلية.

النباتات

أما النباتات فكان تفكيرهم في شأنها وليد رغبة أكيدة لإستخدامها في الطب كوسيلة لعلاج المرضى، ولقد دعاهم ذلك إلى معرفتها كلها، وعمل قوائم بأسمائها ثم إجراء تجارب على كثير منها حتى يمكن الوصول إلى مدى الإنتفاع بها، ولقد كان ذلك بداية طيبة للتاريخ الطبيعي الذي إستغله اليونانيون والرومانيون فيما بعد إلى حد كبير، فإتخذوه موضوعاً لأبحاثهم، وميداناً لتجاربهم، ومخلفاتهم، وسنرى بعد ذلك كيف إستطاعوا أن يجعلوا منه علماً مستقلاً منظماً، وكيف إستطاعوا أن يوسعوا دائرة معارفهم في ذلك العلم فلم يقف عند حدود نباتات بيئة بعينها وإنما إمتدت آفاقه حتى شمل كثيراً من نباتات البيئات الأجنبية كشمال أفريقيا ومصر وآسيا ولعل أهم مثل يضرب لذلك هو ذلك المؤلف الضخم الذي كتبه بلين القديم pline lancien وسماه التاريخ الطبيعي histoiri a naturalis، فهو دائرة معارف لكل النباتات المعروفة قديماً.

أنساب الآلهة

أما أنساب الآلهة والتفكير في ترتيبها ووضع تاريخ لها فقد دعاهم إلى ذلك كثرتها إلى درجة يتعذر على الإنسان إدراكها وعلى الذاكرة إحصاؤها وهم وإن كانوا قد ورثوا عن البابليين عدداً كبيراً من الآلهة إلا أنهم قد أضافوا إليه كثيراً من آلهتهم الخاصة، ولكي ندرك السبب في هذه الكثرة من الآلهة يجب أن نعرف فكرة القدماء عن معنى الألوهية، فقد كانوا يتصورون ألهاً أعظم هو سيد الآلهة جميعاً، ثم إن هذا الإله يوزع السطان على آلهة أخرى أقل درجة منه، ثم أن هؤلاء يدخل تحت إشرافهم أنواع أخرى من الآلهة، وهكذا دواليك حتى يتكون من مجموع الآلهة عالم آخر أقرب شبهاً إلى العالم الدنيوي المحسوس، ثم إن الأمر في شأن الآلهة لم يقف عند هذا الحد، بل كل مدينة كانت تتخذ لها جمعاً من الآلهة يشبه في نظامه وترتيب مهامه ما يجري في المدن الأخرى، ولذا فقد كانت الآلهة عند القدماء تعد بالآلاف، ولقد أحصى عددهم رسمياً في القرن التاسع قبل الميلاد فبلغوا في الدولة البابلية حوالي 65,000.

وجد الأشوريون إذن ألا وسيلة لمعرفة هذه الآلهة وتمييزها إلا بتاريخها ودراسة أنسابها، وكأن الآلهة عندهم كانوا يتناسلون كما يتناسل البشر ويكونون مجتمعاً له نظامه، ونفوذه، وسياسته كما كان في المجتمع الإنساني وهذه الفكرة في جوهرها عن العقيدة، والآلهة بما في ذلك الصلة بين هذه الآلهة وأفراد المجتمع الإنساني قد إنتقلت إلى اليونانيين، وعنهم إلى اللاتنيين.

وإن من يدرس تاريخ الديانة اليونانية والرومانية ليدهش مما يراه من تشابه عظيم بين ديانة هذين الشعبين والديانة البابلية – الأشورية، وسنرى بعد قليل كيف إستأنس اليونانيون بتاريخ أنساب الآلهة عند الأشوريين فكانت لمحدى بواكير حضارتهم ديواناً شعرياً ضخماً يحوي أنساب الآلهة للشاعر اليوناني هيزيود hesiode، وإسم الديوان هو – تيوجوني – theogonie.

وفيما عدا هذين الأثرين الجديدين نجد أن حضارة الأشوريين في شمال وادي دجلة والفرات هي عبارة عن إمتداد لحضارة البابليين في الجنوب من دين، وهندسة، وطب، وفلك، وقانون، ثم إن نشاطهم في جمع الكتب ونسخها، وتأليفها، والحرص عليها، والبحث عنها في مكان وجودها، ثم في إنشاء المكتبات، ووضع نظام لها، وإدارتها، وتيسير سبل المعرفة أمام أفراد الشعب وتنمية الذوق في البحث والإطلاع، وتشجيع العلماء ورجال الفن لا يقل عن نشاط البابليين في كل ذلك، فهي سلسلة متصلة الحلقات ورغبة متنقلة من شعب إلى آخر في المحافظة على التراث القديم والعمل ما أمكن على تهذيبه وتنميته ورقيه.

أشور بانيبال

ولعل أشهر ملوكهم في هذه الناحية هو (أشور بانيبال) الذي كان يستدعي المهندسين والمفتنين من جميع أنحاء مملكته الواسعة ليستعين بهم في بناء المعابد، والحصون، وتخطيط الطرق وإقامة التماثيل، ثم في تحسين المدن وإنشاء القصور وتزيينها بالرسوم والنقوش، وهو في هذه الدولة يشبه إلى حد بعيد حمورابي في الدولة البابلية حينما وجد عنايته الخاصة إلى المحافظة على تراث الحضارة السومرية وبذل الجهد في إعلاء شأن دولته ثقافياً كما أعلاه حربياً وسياسياً.

وتكاد هذه الحركة وذلك النشاط يذكرنا بما كان يصنعه القياصرة في روما إذ أنهم كانوا ينقلون العلماء والأدباء والصناع والمفتنين، مختارين كانوا أم مكرهين، وما كانوا يدخرون في سبيل ذلك وسعاً، حتى لقد بلغ بهم الأمر في فتوحهم أن يعتبروا هذه الفئة المستنيرة في المماليك التي يغزونها بمثابة أسلاب تنقل مع غنائم الحرب، كي ينتفع بها في تأسيس عظمة روما ومجدها العلمي والأدبي والفني، وهكذا غدت روما في آثارها، وفي حضارتها العلمية، والأدبية مدينة إلى حد بعيد الأجانب ما بين يونانيين وفينيقيين، ومصريين، وهكذا تنتقل الحضارة من بيئة إلى أخرى، وتتبادل المعارف من شعب إلى آخر، وهكذا أخيراً يعيد التاريخ نفسه كما يقولون.

والفكرة الأساسية التي نستطيع أن نستخلصها من كل ذلك هو أن الحضارة إذا نبتت وأينعت في بيئة من البيئات ليس من السهل أن يقضى عليها في يوم وليلة كما يقضى على السياسة أو نظام الحكم بل تبقى ممتزجة بدم الشعب، ومكونة جزءاً هاماً من كيانه وحياته وأن تلك الحضارة لا تستقر في محيط مغلق ووقفا على شعب دون آخر بل تنتقل إلى البيئات الأخرى بحكم الجوار، والصلة والإختلاط كما تنتقل عروض التجارة، وهذه الفكرة تمهد أمامنا سبيل الدراسة لتاريخ الحضارات فنفهم الأصيل منها والدخيل، ونميز الظواهر الإجتماعية لكي نرجع كل ظاهرة إلى أصلها، وفي هذا تتحق الغاية التي أشرنا إليها في أول هذا البحث، ويتضح الهدف الذي وقفنا أنفسنا من أجله، ذلك هو درس الحضارة الإسلامية درساً تاريخياً عميقاً، وتحليلها تحليلاً علمياً شاملاً.

وإذا كنا فيما مضى قريباً قد تحدثنا عن أثر الأشوريين الخاص في الحضارة البابلية، ثم أجملنا الكلام عن أثرهم العام في نهضة تلك الحضارة ورقيها فإننا لا نحب أن نترك هذا الفصل دون أن نبين في شيء من التفصيل مبلغ حرصهم العلمي ومحافظتهم على التراث القديم.

 

(العراق وما توالى عليه من حضارات-الدكتور حسن عون)

السابق
العراق ينشر اسماء 60 مطلوبا بينهم لبناني ورغد صدام حسين
التالي
التحالف الكردستاني يوضح ما جرى خلال اجتماعه مع العبادي

اترك تعليقاً