أعلام وتراث

أثر بيئة النجف الأشرف في بناء شخصية الشيخ الوائلي

سِر التكوين وتواصل البناء الحضاري للبيئة النجفية وعظمة هذه المدينة، إستمدته من وجود أعظم شخصية إسلامية بعد الرسول الكريم (ص)، ألا وهو أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع)، ولهذا كان البناء النفسي والفكري والإصلاحي، لا يقف عند حدٍّ معين، مهما تقدّم في الفكر وبلورة الحضارة وأسهم فيها، فتراه في نطقه، واجماً أمام عظمة بلاغة إمام الكلمة، ويرى ما يأتي به العالم والمفكر من فكر متصاغراً أمام تجدد محتوى هذه البلاغة المستقاة من القرآن الكريم والفكر النبوي الشريف، فترى العالم والمفكر يتوق للإستزادة وتقديم أرقى مستوى من العلم والفكر والأدب، وهو ينظر إلى سمو كلام أمير المؤمنين (ع)، فبواصل للأرفع علواً فيما يقدمه..

 

من هذه الأجواء والبيئة الكريمة المتواصلة بالعطاء والمحاورة على المستوى العالمي التوّاقة لوحة الإسلام والكلمة الإسلامية، والمنبثقة من قوله (ع): (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، ولد الدكتور الشيخ الوائلي في النجف الأشرف سنة 1928 م وتبلورت شخصيته المعطاءة في هذه البيئة، وإنطلق بخطاه من كلية الفقه المجددة للفكر الإسلامي الحضاري بحليتها المعاصرة، ليضع آثاره الفكرية والأدبية المميز على مستوى عالمي إلى جانب آثار علماء النجف الأشرف.

 

ومن أجواء ومعطيات البيئة، كانت محاور البحث لتشمل جوانب منها وما لها من أثر بالغ بطابعها العلمي والأدبي، وإنعكاسها على المجتمع ونفسيته المجمعية النفسية والسلوكية، وما تلعبه العوامل المستقلة والتابعة، ومنه ما إستمدت خصوصية شخصية العلامة الوائلي (رحمه الله) في البناء وتعدد مناحي أثره الخطابي الإصلاحي والفكري والأدبي وبمنهج وحدة الروح والكلمة الإسلامية.

 

وخلص في ختام البحث ومن خلال ما ورد في مباحثه إلى الإستنتاجات.

 

والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.

 

 

النجف والبيئة النجفية

 

قبل الخوض في محاور محتوى البحث، وما يتطلبه من تغطية موضوعية للعنوان، وبما يسع البحث، لا بدّ من التطرق إلى جوانب لها صلة بالموضوع، فقد ورد في كتاب (لسان العرب)؛ نجف:

 

النَّجفة: أرض مُستديرة مشْرِفة، والجمع نَجَفٌ ونِجافٌ. والجوهري:النجّفُ والنجّفَةُ، بالتحريك، مكان لا يعلوه الماء مُستطيل مُنقاد. ابن سيده: النجّفُ والنِّجافُ شيء يكون في بطن الوادي شبيه بِنجاف الغَبيط جداً، وليس بجدّ عريض، له طول مُنقاد من بين مُعْوَجّ ومستقيم لا يعلوهُ الماء وقد يكون في بطن الأرض، وقبل: النِّجاف شِعاب الحّرّة التي يُسكب فيها، يقال: أصابنا مطر أسال النِّجاف، والنجفة: شبه التلِّ.

 

ونجَفة ُ الكثيب: إبْطه وهو آخره الذي تُصفِّقه الرياح فتنجُفه فيصير كأنه جَرْف مَنْجوف؛ وقال أبو حنفية: يكون في أسافلها سُهولة تنقاد في الأرض الوادي شبه جِدار ليس بعريض، ويقال لإبْط الكثيب: نجفة الكثيب. إبن الأعرابي: النجفةُ المُسناةُ، والنجف التل. قال الأزهري: والنجفة التي بظهر الكوفة، وهي كالمُسناة تمنع ماء السيل أن يعلو منازل الكوفة ومقابرها. والنجف: قشور الصليان.

 

ثانياً: طبيعة بيئة النجف الأشرف

 

البيئة Environment المتمثلة بالوسط وما يحمله من عموميات الظروف والقوى المؤثرة في الناس كأفراد وجماعات ومجتمع، بما فيه المنبهات.. وعوامل البيئة Environmental Factors المتمثلة بكل الظروف والعوامل التي تؤثر على الكائن الحي من الخارج..

 

فتكاملية وملائمة البيئة الداخلية والخارجية بمختلف أبعادها السياسية والإجتماعية والإقتصادية والنفسية والتربوية والتعليمية والثقافية.. إلخ، تحقق إنسيابية ونمو وتطور حضاري بمنحى إستراتيجي، ورغم بساطة الإمكانيات في البيئة النجفية، لكن التطلعات طموة فيها، فترى مهما وصلت وتقدم فيها الفكر، تتطلع إلى الأحسن في بناء الفرد، لذا يتطلب أن يكون الصبر أداة فاعلة من أجل مجاراة هذه البيئة ومجالسها المنعقدة على مدار السنة دون ملل ودون تراجع..

 

وهو ما ينطبق على المجتمع والبيئة النجفية حتى منتصف السبعينيات التي راحت برامج الحكومة آنذاك تتجه نحو محاولة تغييرها كلياً وبمختلف الإتجاهات للسيطرة عليها، ورغم عدم إكتمال ونجاح هذه الخطة التدميرية للفكر والثقافة النجفية المتميزة وما كانت عصيّة على الحكومات والمد التدميري الخارجي، لكن الحكومة آنذاك تمكنت من تقييد وتغيير بعض الشيء في المحتوى البيئي، وربما تغيير الكثير في مواطن معينة..

 

وفي خضم هذه الأجواء من الإحتلال البريطاني وما أعقبه من تأسيس الدولة الملكية، وما قامت من ثورات تكللت في بناء جمهورية العراق وقيام الحكومات الجمهورية المتعاقبة بالثورة تارة وبالإنقلاب أخرى، عاصرها شيخنا الجليل الوائلي (ره)، وأخذ بحنكته وحكمته تفعيل الكلمة بإتجاه التوعية الموسوعية الفكرية المعتدلة لبناء وتماسك المجتمع، بالتزامن مع خطاب نبذ التفرقة، وبناء روح حب وحدة الكلمة ووحدة الإسلام بكل الطوائف والمذاهب..

 

وبهذا ترى الشيخ الدكتور الوائلي إستحضر ميدانياً كلمة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع): (إما أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)، أي إن الناس إما مسلمين، أو يكونون خلق الله سبحانه وتعالى من البشر، وهي النظرة الإنسانية الإسلامية العظيمة، وأعظم ما يكون عليه هو منح حقوق الإنسان في الإسلام ميدانياً، ولا يقتصر على تنظيره على الورق، أي أن هناك فقه حقوق الإسنان الذي لا بدّ من التعامل به أثناء مسيرة الحياة، وجانب منه يوجهه الحلال والحرام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يصل إلى الكلمة الطيبة التي يعدُّها رسول الله (ص) صدقة، لكون جانب منها يدفع بالذي هو أحسن ويسهم في تماسك الإنسان ذاته، وتماسكه مع المجتمع، ولا يكون ذلك

 

إلا بطبيعة إحقاق التعامل بحقوق الإنسان، وهو ما أسهم بغرسه العلامة الشيخ الوائلي، والدليل حينما يتحاور البعض يستشهد الدليل من محاضرة الشيخ الوائلي..

 

وصورة ميدانية لعمق ما كانت عليه البيئة النجفية من ظاهرة إنتشار الأدب واللغة فيها، حينما سأل العلامة المرحوم طه الراوي عن المستثنى بالا، لأحد المتقدمين للتعيين معلماً، وحينها لم يجب على سؤاله، قال له الراوي: والله لو وجهت هذا السؤال لبقال من بقالي النجف لأجاب عليه!!

 

ترى ما سر صلاحية بيئة النجف الأشرف لمثل هكذا معيار وصورة من صور الإدراك الأدبي واللغوي وتكامل الشخصية؟.

 

وهنا يمكن كل من عاصر الحقبة الزمنية المنصرمة من الإجابة ببساطة على هذا السؤال، وذلك بتعليل الظاهرة بموسوعية بيئة النجف الأشرف، ولكونها مدرسة مفتوحة لا تتوقف ولا تُغلق أبوابها على مدار الساعة، حتى يصل بك الأمر أن تحصل هدية أدبية وفكرية وأبيات شعرية بل وحتى مسائل فقهية مع كل شيء تتبضعه من السوق، وبصدر رحب ونفس تواقة للمرح، أو حتى تسمع وتعيش المحاورة بين أصحاب الدكاكين في أروقة السوق، وهي ظاهرة إنحسرت بعد منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، بسبب الضغوطات الأمنية وقيودها المقيتة، وهو ما عاصره الباحث..

 

لذا كانت تلك الحقبة الزمنية قبل السبعينيات تنجب بشكل كمي ونوعي من النوابغ والقمم الشعرية والأدبية والعلمية والفكرية والدينية والسياسية.. إلخ، بلا حدود وبلا خوف، ويصقلهم المجتمع بالصبر على مبدأ ما تتصف به البيئة النجفية من أنها؛ لا يعجبها العجب في كل شيء، والهدف من ذلك ليس التحجيم وإنما الرُقيّ العلمي والثقافي والأدبي، وبهذا يكون حتى بقالها على هذه الظاهرة التي يصفها الدكتور الراوي، وهو لا يشعر به الذي يعيش في هذه البيئة إلا حينما يمر ببيئة أخرى، وبهذا منه ينمو ويتطور الإصلاح والصلاح والتحديث في كل شيء..

 

ولذا ترى القادم إليها يرتهب من ثقل النجف الأشرف؛ الفكري والعلمي والديني والأدبي والشعري، ويقولها الكثير بصراحة، وعاصر ورأى الباحث شخصياً في الستينيات وما بعدها، ولا يقف عند هذا الحد بل تعداه إلى الشركات الأجنبية الكبيرة والصغيرة، تسأل أول ما تسأل تجار النجف عن سبب نجاح أو فشل منتوجاتها، والموفد من الشركات يذكر صراحة بأن تجار العراق أشاروا عليهم بهذا الأمر في إستشارة التاجر النجفي في حينها، لمواصلة نجاحهم في السوق العراقية، وهي ظاهرة قديمة يتناقل أخبارها على هذا الشكل..

 

والبيئة النجفية على الرغم من تعقيداتها في إختيار الأصلح لإثبات جدارته، فإنها مثمرة بنضوج وتنوع ثمارها للنتاج الفكري والعلمي والديني والأدبي والشعري الإنساني والأخلاقي..

 

ولا ينسى أي متطلع، الجذور التاريخية والإرث الحضاري والثقافي لهذه الأرض المباركة التي تضم مراقد الأنبياء ووصي رسول الله محمد (ص)، وأبو الأئمة الأطهار (ع) أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وهو قبلة البلاغة العربية بعد رسول الله (ص)، فضلاً عن وجود مراقد الصحابة الكرام (رضوان الله تعالى عنهم)، وتاليهم الشيخ الطوسي (قدس سره) وما أعقبه حتى الآن..

 

وما المقدمة التي وضعها العلامة السيد محمد كلانتر، إلا دراسة تاريخية مختصرة ومركزة لجوانب مهمة من هذا الإرث والمكانة.

 

وترى الشيخ الوائلي يقول في قصيدته (إلى النجف الأشرف بلدي الحبيبة):

 

بلدي جداول عذبة رقراقة جاد الفرات بها، فأي عطاء!؟

 

روّى السُّهول العاريات ولفّها من خصبه وخضيله بغطاء

 

فإذا البقاع اليابسات عرائسٌ مجلوّة بملاءةٍ خضراء

 

وإذا الروابي الجُردُ روضٌ يزدهي بجنائن وسنابل شقراء

 

وإذا الشجيرات الخضيلة ألسنٌ يشكُرنَ ما للماء من آلاء

 

ثالثاً: بيئة النجف والمجالس العلمية والأدبية

 

فضلاً عن ما تقدم ذكره، تتصف البيئة النجفية بالأجواء المفعمة بالعلم والعلماء، وحينما تسير بين دفتي شوارعها وأزقتها، تستنشق عبق العلماء وكلماتهم الراشدة، ومنها ما ينبثق من مجالس العلم ومجالسة العلماء، ترى في القرن المنصرم وبالخصوص قبل نهاية السبعينيات، تعج المجالس بمنوع من العلوم، ومتبحرة العلوم من الأساتذة والطلبة، فتسمع ما يرفد الشخص وينتهل من كل علم، ولحضوره يتطلب أن يطّلِع على كل علم، لما ينتظره من المشاركة الضمنية كمحاور، أو المحورية كمحاضر، أو المستمع كمتعلم.

 

وكانت النجف الأشرف المدرسة المشرعة أبوابها في كل صوب وحدب من المدينة، فلا يرتادها الغريب، إلا نهل من مناهلها عذباً ومن أسواقها بسطة وبركة، فكم من غريب أصبح من أهلها ببركة العلم وطلبه، ولا عجب فالله عزّ وجلّ حباها بنعمة البركة العلوية المتمثلة بأمير البلاغة (ع).

 

وللدكتور حسين علي محفوظ مقالة (سر بقاء وخلود العلماء)، ومما ورد فيها: أدركت أنا من الأفاضيل؛ ما فتأووا يذكرونني الأوائل غزارة أدب، ووفور علم، ووجدت كثيراً منهم يثنون على أشياخهم.

 

يقول الدكتور علي جواد الطاهر:

 

(النجف مدينة العلم الديني المنقطع النظير، ثم الأدب والشعر، وهي فيها نادرة من النوادر وأعجوبة من الأعاجيب، يُعنى أهلها بقول الشعر وسماعه والحديث عنه عنايتهم بالمسائل اليومية من أكل وشرب، إنهم أدباء كما يتنفس المرء الهواء.. ولا تسل بعد ذلك – عن الكتب والمكتبات، والأسر العريقة في العلم والأدب والشعر ومجالسها الخاصة والعامة، وما يُتلى من شعر في الأفراح والأحزان، وفي مآتم الحسين بن علي وما يتفاخر به الشعراء ويسمر به الناس.. إن الشعر في النجف حياة، وهو لدى أبنائها ولا أسهل منه أو أيسر، أو أنه فيها كالماء والهواء إستسهالاً وإستعظاماً، جداً وهزلاً، وهو مجد كما هو مرتزق، وعلامة فارقة لا تكاد تضاهيها فيه بلدة أخرى في العالم العربي..

 

ومن خواص النجف التي تذكر بالإكبار، أنها سايرت التطورات الدينية الأدبية في العالم العربي، بصدر رحب وأفق واسع فهي مع محافظتها على أصالة الفكر الإسلامي لم تتزمت فترفض المعاصرة، وإنما أخذت من وسائلها وأسبابها ما رأته الضروري النافع حتى (أن الكتب الحديثة ما تكاد تدخل العراق حتى تتجه رأساً إلى النجف فتتلقفها الأيدي هي وكتابات أكثر حداثة كشعر شوقي وحافظ وإيليا أبي ماضي، وفيهما ما يناقض الفكر النجفي المناقضة كلها، وهو رد فعل يتبناه الذين ضاقوا بالقديم وبلغ بهم الضيق الطرف الأقصى من رد فعل مطبوعات الآستانة، والهلال، والمقتطف، وشبلي شميّل والريحاني.. ومجلات وجرائد مما يعد حراماً وكفراً وإلحاداً).

 

من هذا النبض كانت النجف الأشرف وبركتها وبركة مجالسها التي تضم مختلف الشرائح الإجتماعية والعلمية، ومنها تنفس الشيخ الوائلي ليكون متقدماً بثمارها اليانعة وإبداعاته، ويشرع بآلية وإشعاع مجالسها ومنابرها في البيوتات والمساجد، حتى شرع عالميتها على حقيقة إسلاميتها الإنسانية التي فطرها الله سبحانه وتعالى فطرته، فأشعّ الحياة نعمة، والآخرة ثمرة..

 

رابعاً: المكتبات العامة والخاصة في النجف الأشرف

 

وتكاملاً لا بدّ من التطرق للمكتبات العامة والخاصة في النجف الأشرف، وللتذكرة بأن المؤشر ما يتمثل في حتى حقبة السبعينيات، لكون بعد هذه الحقبة ضاقت ذرعاً بالقيود والملاحقة والتدمير والحرق..

 

والإهتمام بالمكتبات في النجف الأشرف، لما لها من دور بالغ في تدعيم لأجواء العلم والعلماء بشكله الفاعل في بناء وبلورة الفكر، فلا يمكن أن يكون حراكاً علمياً بالدراسة والبحث والتأليف والإبداع دون أن يتحقق توافر البُنى التحتية للعلم وتنامي وتطور الثقافة التخصصية والعامة، ومنها المكتبات وما تجمع بين دفتيها من الكتب المحلية والوطنية والعربية والعالمية، بما فيها المخطوطات والوثائق..

 

وهو ما نراه زاخر بكل الظروف والعهود التي مرّت حتى منها الخطرة في إقتناء الكتاب أو التجمع لتبادل الآراء والمحاورة وقيام المحاضرات والندوات والمؤتمرات والمهرجانات والمجالس، مما حقق تواصل البيئة النجفية في العلن والسر للحفاظ على مستوى ثقافي وعلمي وديني رفيع، وهو ما أسهم في تذليل صعاب إيصال المعلومة بمختلف أشكالها العلمية والدينية والفكرية.ز

 

ومن أقدم وأهم المكتبات العامة في النجف الأشرف هي مكتبة الروضة الحيدرية، لما فيها من كتب ونفائس كثيرة كان أغلبها بخط مؤلفيها أو عليها خطوطهم، إذ كان المؤلف يرسل نسخته الأصل إلى خزانة الإمام أمير المؤمنين (ع) تبركاً وتيمناً وأماناً.

 

وكلها تدل على ما أسهمت في بناء شخصية الفرد والمجتمع النجفي ومنهم الشيخ أحمد الوائلي (ره)، وما قام به من دور كبير جنباً إلى جنب مع أقرانه..

 

خامساً: البيئة النجفية وعلاقتها مع المحيط الخارجي

 

وتواصلاً فإن الدور الكبير للنجف الأشرف وما تتصف به من مضامين هذه الأجواء والمناخ والبيئة والأرضية الخصبة والمستمرة في التحليل والدراسة والتقييم والتقويم للذات والآخر، رغم كل الصعاب والمعوقات والتحديات..

 

والإنطلاق نحو توحيد الكلمة الإنسانية بإتجاهاتها المتعددة من التحاور والتقريب بين المذاهب والأديان السماوية والملل والنحل، والمحور الأساسي هو الإنسان والإنسانية،وأرض الواقع خير دليل على ذلك، في بناء الفكر الإنساني والعمراني، وحتى وقتنا الحاضر..

 

فترى الساحة العراقية والعربية والعالمية بين دفتي مجالس النجف الأشرف، تتداولها الألسن بالمحاورة والتحليل وإبداء الرأي بالتقييم والتقويم..

 

ويذكر بأنّ هناك عشرات المجالس النجفية، تخوض في الشؤون المحلية والعالمية الخطيرة، وتجمع في الغالب طبقة تجمع بين العلم والأدب والسياسة وتزن الأمور بموازين مختلفة، ومحورها ما يتم نشره من الأخبار السياسية وغير السياسية، وقنوات المعلومات ما تصلها من الصحف بين آونة وأخرى من إسطنبول وبيروت وإيران والقاهرة وبغداد، فتدخل المجالس ليتداول أخبارها حتى قدوم الرزمة الجديدة بالبريد أو بطرق متعددة، بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر..

 

لكون النجف الأشرف هي قبلة العلوم والأدب والشعر والمدارس الدينية والعلماء، وقطب الرحى في إستقطاب طالبي العلم، لذا كان الرأي الصادر منها، هو رأى المرجعية الدينية، وله الأذن الصاغية والحراك الجماعي بتوجيهاته، ويُعد مؤشر وثقل كبير في الساحة العراقية والعربية والإسلامية، فضلاً عن كونه مؤثر ومحط إهتمام الدول الأجنبية المعنية بهذا الأمر، والمتأثرة بأي حراك، كما هو عليه رفض التسلط الإستعماري وهيمنته، المعبر عنه بمسيرات التنديد والإنتفاضات والثورات.

 

وإحتفظت مدينة النجف الأشرف بأصالتها العربية، رغم توافد أجناس بشرية من مختلف بقاع العالم في معاهدها، وبهذا لم تقتصر على قومية محددة من أسهم في بلورة شخصية الشيخ أحمد الوائلي العلمية، بل إشتركت نماذج من الجنسيات الإسلامية العلمية المختلفة..

 

وهكذا كان تفاعلها مفتوحاً لا ينغلق عن ما يدور حولها من العالم برحابته، فيتعدى ذلك إلى رحلات العلماء صوت ما يُتاح لهم من فرص لإستثمارها في تلاقح الأفكار الصالحة ونشر الفكر الإنساني الإسلامي..

 

سادساً: البيئة النجفية ودورها في توحيد الأمة

 

التوحيد مصدر إلهام إبداع الإنسان وتقدمه بكل الإتجاهات الإنسانية، ولذات تحدت البيئة النجفية بكل ما لديها من حزم، كل ما يواجهها كمجتمع ومناخ علمي متفرد على مستوى العالم بشكل عام وعلى مستوى العالم الإسلامي بشكل خاص، لإعتبارات دينية وما تشغل من محورية البناء الفكري القويم، فهي كمدرسة دينية علمية، تدرس كل المذاهب والنحل وحتى تتجه لدراسة الفكر الآخر أياً كان بلا خوف ولا تردد، مع إستكمال كل أدواتها الفكرية والعقائدية المستندة على:

 

– النقلية؛ والمتمثل بكل ما له علاقة بالإسلام وفي مقدمته الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة الكرام (ع) وأقوال الصحابة الأجلاء، وبنظرة دراسية وتحليلية مسندة، كما هو عليه ما تهتم بعلم الحديث وعلم الرجال..

 

– والعقلية؛ ومنه الأفق المنفتح للدراسة والتحليل لكل فكر وبلا حدود ولا محدودية، وبمنهج الدراسة والتحليل الموضوعي، وإستقراء كل ما يشغل الساحة المحلية والمحيط الخارجي العالمي، حتى لو كان الفكر متمثلاً بالعلمانية والشعوبية والإلحاد..

 

ومن خلاله تضع الخصوصية والعمومية في وضع صورة المعضلات والسلبيات والإيجابية لوضع الحلول، ومنه ما كان من تصدي البحث والدراسات للعلماء والباحثين دراسة الفكر الفلسفي والإقتصادي الشيوعي والإشتراكي والفكر الرأسمالي بالمقارنة مع الفكر الإسلامي، وتحديد القوة والضعف والمعضلات والميزات، ووضع أنجح الحلول والعلاجات لها بمنظور إسلامي، كما جاء به السيد محمد باقر الصدر في كتبه فلسفتنا وإقتصادنا والبنك اللاربوي في الإسلام، وما سبقه من دراسات أساتذة الحوزة العلمية الكبار وأساتذة الأكاديميات بمختلف التخصصات الفكرية والعلمية المعاصرة المتجددة، بإتجاه توحيد الإتجاه والفكر الإنساني على وفق مبدأ إسلامي يحث على الناس صنفان: (إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق) لينطلق مع معالجة العوامل المختلفة لتوحيد الذات الفردي والجمعي، كلٌّ على وفق الحاجات وإشباعاتها بخطط تكاملية مع التنفيذ والنتائج..

 

وهو جانب مما يمثل حقيقة سر قوة البيئة النجفية ووحدة إستمرارها وتفاعلها مع العالم الإسلامي والدولي، بلا تعصب وبكل مرونة وفاعلية وإنسيابية، على الرغم من التحديات والمخاطر وتواصل محاربة هذه البيئة التي تشرفت بمرقد تلميذ ووصي رسول الله محمد بن عبد الله (ص) وزوج بنته الإمام علي بن أبي طالب (ع) وضجيعيه نبي الله آدم ونوح (ع) وجاريه نبي الله هود وصالح(ع)..

 

ولا ننسى مدى موضوعية البحث الخارجي في الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف، وأثره على سعت الأفق العلمي وتعاظم الفكر بالمنحى العقلاني الواعي القويم والمتفتح لكل المناحي وكل ما هو جديد ومعاصر، وبذات الوقت يحتاج إليه الموقف الفقهي، لتحديد ما يتطلب العمل على وفق مقتضيات الشرع الإسلامي، لمعرفة المسلم أين يكون إتجاهه وموقفه السليم والقويم والنافع في الحياة على المستوى الفردي والجماعي والإجتماعي وما يحقق من تماسك، وعلى مختلف المديات، وبالشكل المباشر وغير المباشر..

 

ونرى (العلامة المغنية) يقول: لقد كانت وما زالت مؤلفات الشيخ جواد البلاغي والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مرجعاً للباحثين من سائر الطوائف والعقائد الدينية والمذهبية.

 

من هنا إنطلق العلامة الشيخ الوائلي وغيره من الأفذاذ العظام، وإستمدوا رفعتهم من الإسلام الحقيقي والمناداة بوحدة الأمة الإسلامية الإنسانية، كما قال السيد محمد باقر الصدر طاب ثراه الشريف: أنا معك يا أخي السنيِّ، وأنا معك يا أخي الشيعي، طالما أنتم مع الإسلام..

 

(الأستاذ هاشم حسين ناصر المحنك)

الأرشيف

السابق
الولاية نعمة الحريات والحقوق
التالي
الحركة الثقافية في الحلّة:أفق المكان وفضاء المعرفة

اترك تعليقاً