أبحاث ودراسات

أمريكا لا يمكن أن تدعم  كردستان المستقلة أو تايوان

أمريكا لا يمكن أن تدعم  كردستان المستقلة أو تايوان

 

إن استفتاء كردستان العراق الذي استكمل لتوه فيما يتعلق بالاستقلال عن العراق قد أثار ردود فعل سلبية في الشرق الأوسط وخارجه. ولا شك أن معظم الأكراد يؤيدون تحويل منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال العراق إلى دولة مستقلة معترف بها دوليا. وكان التصويت ب “نعم” فى الاستفتاء بنسبة 92 فى المائة.

بيد ان حكومة بغداد ترى ان هذه الخطوة تشكل تهديدا لسلامة اراضى العراق. كما أن الدول المجاورة، وخاصة تركيا وسوريا وإيران، التي لديها أقليات كردية كبيرة، تنظر بالمثل إلى الاستفتاء وما يرمز إليه باعتباره تهديدا. وتزداد التوترات، وقد تكون أزمة عسكرية تختمر. وقد هددت بغداد وانقرة بالفعل بالانتقام الاقتصادى المشترك وربما حتى الاجراءات العسكرية ردا على التصويت المؤيد للاستقلال.

وعلى الجانب الآخر من العالم، تتشابه حالة مماثلة فيما يتعلق بتايوان. وعلى الرغم من أن الأزمة ليست وشيكة مثل المواجهة الكردية، فإن التوترات المتزايدة بين تايبيه وبكين تصل إلى مستويات مقلقة. يذكر ان النقد اللاذع الذى يوجهه المسؤولون الصينيون الى حكومة تساى انغوان التايوانية، والذى يشمل هجمات شخصية للغاية على تساي، قد ارتفع بشكل كبير على مدى الثمانية عشر شهرا الماضية.

وتوضح كلتا الحالتين توترا لا يمكن التوفيق فيه بين المفاهيم المجردة للعدالة والحقائق الجغرافية السياسية. ويمكن القول بأن كلا من الأكراد والتايوانيين يشكلون امما وثقافات متميزة تستحق ان يكون لديها دولها المستقلة. وقد وعد الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى الأكراد بأنهم سيؤسسون وطن كردستاني منفصل. بيد أن الوفاء بهذا الالتزام كان سيؤدي إلى عداء كبير للسكان الأتراك والعرب الأقوى والأكثر عددا. وبالتالي، فقد تخلت القوى الاستعمارية الأوروبية عن وعدها، وخرجت الأكراد من خلفاء الإمبراطورية العثمانية المنكوبة (تركيا) وبلاد فارس (إيران) والكيانات المنشأة حديثا في سوريا والعراق.

حاول الأكراد الذين لا يهدأون عكس هذا القرار طوال العقود اللاحقة. واستغلوا فرصة لاتخاذ الخطوة الأولى عندما قادت الولايات المتحدة الهجوم للإطاحة بنظام صدام حسين. وكان الاكراد قد انشؤوا دولة مستقلة في كل انحاء العراق باستثناء اسمها، ووضعوا علما منفصلا وعملة وجيشا، وابعدوا بغداد عن السيطرة الفعلية على السياسات الاقتصادية للمنطقة.

وبالمثل استغل المقاتلون الأكراد في سوريا المجاورة تفكك ذلك البلد للسيطرة على رقعة واسعة من الأراضي في الشمال. وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي لم يعترف رسميا به، فإن هناك الآن منطقة يسيطر عليها الأكراد على غرار الحالة في شمال العراق. ومن المحتمل أن يكون الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن يحاول الناشطون ربط المنطقتين.

وكانت تايوان أكثر نجاحا في السيطرة على شؤونها. وقد تحرك السكان إلى ما هو أبعد من الوضع الذي كان قائما عندما فر النظام الصيني القومى لشيانغ كاي شيك من البر الرئيسى فى عام 1949 وانتقل إلى تايوان. ومع مرور العقود، عزز جيل جديد من الزعماء التايوانيين (المولودون بصوره متزايدة من السكان الأصليين) استقلال الجزيرة بحكم الواقع. واليوم، تعد تايوان قوة اقتصادية من الدرجة الأولى وديمقراطية نابضة بالحياة. تعرف الأغلبية الصلبة من السكان على أنها تايوانية، وليست صينية. هناك القليل جدا من المشاعر لإعادة التوحيد السياسي مع البر الرئيسى، خاصة عندما تقوم الديكتاتورية الشيوعية بحكم ذلك الإقليم. والواقع ان الحزب التقدمى الديمقراطى، الذى يسيطر الان على الرئاسة والمجلس التشريعى فى تايبيه، ملتزم منذ فترة طويلة بهدف تحقيق استقلال تايوان الرسمى.

ومن حيث الإنصاف والعدالة، يستحق كل من تايوان والأكراد أن يكون لهم بلدان مستقلة. لديهم لغات مميزة، وثقافات وتاريخ. وفى حالة تايوان، كان يحكمها البر الرئيسى  اربع سنوات فقط خلال ال 122 عاما الماضية. من عام 1895 إلى عام 1945، كانت مستعمرة يابانية، ومنذ عام 1949 وحتى الوقت الحاضر، كانت الجزيرة لديها حكومة منفصلة عن النظام الشيوعي في بكين ومعادية لها. إن التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تايوان كانت مختلفة جدا عن التنمية في البر الرئيسي.

والحالة الكردية أقل وضوحا، ولكن لا يزال هناك أساس موثوق به لوطن مستقل. الأكراد لديهم لغة وثقافة متميزة تماما عن العرب أو الفرس، ولديهم تاريخ من سوء المعاملة من قبل كل منهما. ومما لا شك فيه أن الحكم الوحشي لصدام كان الأسوأ، وبلغ ذروته في هجوم الغاز السام الذي أدى إلى مقتل آلاف المدنيين الأكراد. لكن سلوك الحكومة التركية على مدى عقود كان قاسيا، وسلوك إيران، وخاصة خلال عهد الشاه، كان أفضل قليلا.

ومع ذلك، فإن العالم ليس منصفا وعادلا، وقائع جيوسياسية قوية تقف ضد أي من سكان البلدين لتحقيق اهدافها. والواقع أن تحقيق الاستقلال سيؤدي إلى اضطرابات إقليمية كبرى واحتمال وقوع حروب كارثية. حتى دولة كردية محدودة جغرافيا ستعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، مما يفكك العراق وسوريا، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها. ومن المقرر ان يشمل هذا البلد الاكبر  جنوب شرق تركيا، حيث يعيش نحو 50 في المئة من الاكراد هناك. ومن شأن هذا التطور أن يقتطع من تركيا، مما يقلل كثيرا من جدوى وتأثير شريك أميركي كبير في حلف الناتو. ومن غير المحتمل أن تقبل البلدان القائمة اي نسخة من وطن كردستاني دون قتال.

وقد تكون العواقب المترتبة على الدفع نحو تايوان المستقلة أسوأ من ذلك. ولا هوادة في معارضه القادة الصينيين لهذه النتيجة . وهناك دلائل تشير الى ان صبرهم مع استمرار عدم رغبة تايوان فى التفاوض على اتفاق لاعادة التوحيد بدأ ينقذ. إن التايوانيين أنفسهم يرون أدلة على أن بكين تضع مهلة ضمنية لعام 2020 أو 2021 لحل الوضع السياسي للجزيرة لإرضاء الصين أو استخدام القوة للقيام بذلك سيكون خيارا قابلا للتطبيق.  ومن شان اندلاع الحرب في مضيق تايوان ان يكون ماساويا لأمن شرق اسيا والاقتصاد العالمي علي حد سواء.

إن الطموحات السياسية الكردية والتايوانية تضع الولايات المتحدة في موقف محرج وخطيرا. وتعتبر واشنطن أن المقاتلين الاكراد في العراق وسوريا قادرون و حلفاء موثوق بهم ضد داعش، وقدمت كل من إدارتي أوباما وترامب مساعدة مادية لتلك القوات. لكن طبيعة المعضلات للسياسة الأمريكية واضحة، حيث أن الجيش التركي هاجم مرارا تلك الوحدات الكردية نفسها. ويتعرض المسؤولون الامريكيون لضغوطات شديدة. وعلى الرغم من الإعجاب المحلي الكبير (خاصة بين المحافظين الجدد) بالمجهود الحربي الكردستاني، ويالجدول السياسي الكردي العام، فهناك حليفان أمريكيان رئيسيان، العراق وتركيا، يتبنون الموقف المعاكس. تحاول إدارة ترامب بشدة أن تربع الدائرة في دعم الأعمال الكردية المناهضة لتنظيم داعش، لكنها تعارض استفتاء الاستقلال وجدول أعمال كردستان المستقلة. وقد يثبت أنه موقف لا يرضي أحدا.

إن محنة واشنطن فيما يتعلق بتايوان يمكن أن تكون أسوأ. وبموجب قانون العلاقات التايوانية لعام 1979، فان الولايات المتحدة مضطرة الى اعتبار اى محاولة صينية لاكراه الجزيرة تهديدا خطيرا لسلام شرق اسيا. كما ان واشنطن ملتزمة بمواصلة بيع اسلحة لتايوان “ذات طبيعة دفاعية”. وتعرب بكين عن اعتراضها الشديد  على الاثنين باعتبارهما تدخلا غير مقبول فى الشئون الداخلية للصين.ومن المقرر ان مرحلة المواجهه العسكريه بين الولايات المتحدة والصين  اتية فى وقت ما. ومن الصعب أن نرى كيف أن المأزق القائم بين إصرار تايوان على الحفاظ على استقلالية الأمر الواقع على الأقل، وإصرار الصين على التزام التايوانيين بإعادة التوحيد يمكن أن يتحقق بشكل جيد.

ويتعين على قادة الولايات المتحدة وضع مصالح أميركا في المقام الأول فيما يتعلق بكلتا الحالتين. يمكن للمرء أن يتعاطف بشكل شرعي مع أهداف كل من الأكراد والتايوانيين. ولكن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تتعرض لخطر الانخراط في الصراعات المسلحة لدعم تلك الأهداف. وبدلا من ذلك، نحتاج إلى استراتيجية سريعة للحد من تعرضنا للمخاطر.

 

تيد غالين كاربنتر

3أكتوبر  ٢٠١٧

ناشيونال انترست

 

 

تيد غالين كاربنتر، وهو زميل بارز في دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو ومحرر مساهم في ناشيونال انترست، هو مؤلف عشرة كتب، ومحرر مساهم في عشرة كتب، ومؤلف أكثر من 650 مقالة حول الأمور الدولية .

السابق
بالفيديو:كردي وسخ يمزق شهادة الجنسية العراقية ويرميها في النفايات
التالي
الاستفتاء الكردي: الآثار السياسية على استقرار العراق

اترك تعليقاً