اخترنا لكم

أين العراق من مؤشر الإرهاب العالمي ؟

إن ما حدث في يوم الخميس الدامي الموافق ال21 من شهر كانون الثاني 2021 في ساحة الطيران من قتل وجرح المئات من المواطنين العراقيين (32 شهيداً و110 جريحاً وفقاً لأخر إحصائية ليوم السبت ال23 من كانون الثاني) البسطاء الفقراء الكرام (باعة البالات) من قبل تنظيم دولة “الخرافة الداعشية” الإرهابية مآساة إنسانية كبرى بكل المقاييس تستدعي القيام بجملة مسؤوليات مهمة .

إبتداءً الترحم على أرواح الشهداء والدعاء للجرحى بالشفاء العاجل وإعلان الحداد العام نهجاً رسمياً يثبت قانوناً . علماً بإن السيد رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي قد وعد برد مزلزل وقاس لكل الزمر التكفيرية والإرهاب الداعشي مسؤولية ولاشك جوهرية وطنية ستنفذ منهجياً بصفة عاجلة على المديات الستراتيجية “القصيرة – المتوسطة والطويلة ” .
من هنا أهمية البدء بمراجعة جدية لمكانة العراق الراهنة والمتوقعة ومنها مقياس غاية في الأهمية يعرف بمؤشر الارهاب العالمي The Global Terrorism Index. إذ لابد أن ينتهي مسلسل سقوط أبناء شعبنا العراقي ضحايا الارهاب داعشي (وغيره من كل أنواع الإرهاب) خاصة وأن تأثيراته وتداعياته تتعدى حدود العراق الوطنية إلى المحيطين الإقليمي والدولي مسببة الآلام التي لاتوصف من الخسائر الفادحة بشرياً – مادياً ومعنوياً
إن التشخيص الواضح والشامل لوضع العراق من الحرب المستمرة ضد داعش أمر مطلوب خاصة وإن مهمة التحرير المقدسة الجليلة انتهت بتحرير العراق لما يتجاوز الثلث من أراضيه ما يعتبر إنجازاً حقيقياً يحسب له ألف حساب إن إحسنت إدارة الملف الأمني وبالتالي ستعطي العراق فرصة مهمة جداً للبناء عليه لرفع مكانته النسبية في مؤشر الإرهاب العالمي خلال السنوات مابعد -2021- وإن ليس حقاً بالقدر المأمول حيث أن المحاربة لفلول وخلايا التنظيم مازالت قائمة في معارك الشرف والاستشهاد والتضحية الغالية بالنفس والنفيس. إن مؤشر الإرهاب العالمي للعام 2020 مازال يضع العراق في موقع متدنٍ من هذا المقياس برغم جهود محاربة الارهاب الداعشي إذ يحتل المرتبة الثانية من أكثر عشر دول مازالت تعد الأكثر تأثراً بألارهاب العالمي. جدير بالذكر إلى أن العراق احتل المرتبة الأولى عالمياً للدول التي عانت من الإرهاب منذ 2004 إلى 2017.
نتفق مع تصريح رئيس الجمهورية العراقية فخامة السيد برهم صالح بقوله على تويتر: ” إن الانفجاريين الارهابيين ضد المواطنين الآمنين ، وفي هذا التوقيت ، يؤكدان سعي الجماعات الظلامية لإستهداف الاستحقاقات الوطنية الكبيرة وتطلعات شعبنا في مستقبل يسوده السلام”. مضيفاً لاحقاً من أن الارهاب الممتزج بإثارة النعرات الطائفية وغيرها لامكان له في العراق ويجب محاربته. من هنا ، تتصاعد أهمية حماية بلدنا وشعبنا بصورة إستثنائية بعيداً من كل مصادر الأخطار والتهديدات الأمنية الداخلية والخارجية.إذ لايمكن إعمال التغييرات والاصلاحات السياسية – الدستورية دون توفر مناخ آمن حقيقي ليس فقط لإجراء الانتخابات البرلمانية المعول عليها في إحداث تغييرات تمثيلية أصيلة ولكن ووفقاً لمؤشرات التنمية الإنسانية المستدامة لكون العراق بأمس الحاجة لمحيط آمن ومستقر يمكن صناع القرار من بناء مؤسسات تنموية – ديمقراطية حقيقية تحترم نقطة التوازن والتكامل بين حريات الإنسان الاساسية والواجبات أو المسؤوليات المتطلبة من قمة هرم مسؤولي الدولة إلى كافة مواطني الدولة. إن التغييرات المتطلبة العاجلة في الأجهزة الامنية الرسمية للدولة من أعلى المستويات الوظيفية تعد أمراً مرحباً به طالما رافقتها أيضاً جهود حثيثة لتعزيز الأمن الوطني وإجراءات المحاسبة بعيداً عن الصراعات السياسية الحزبية وإثارة النعرات الطائفية والعرقية وغيرها معززة في كل ذلك التوجهات الإنسانية في حماية ورعاية الشعب العراقي بكل أطيافه الجميلة دون النظر لأي تمايز أو تمييز ديني – مذهبي – عرقي – قبلي أو جهوي سياسي . صحيح إن بلدنا على الأقل في الجانب الأمني بدأ يتنفس الصعداء إذ ومنذ قرابة السنتين أو الثلاث الماضية إذ ووفقاً لمؤشر الارهاب العالمي بدأت أعداد الشهداء قتلى التفجيرات الإرهابية بالتقلص إلى حدود تسترعي الانتباه حيث انخفض الرقم من 1.054 في عام 2018 إلى 564 شخص في عام 2019 ، أي بنسبة 47 % . بالتوازي مع هذا السياق إنخفضت الهجمات الارهابية الانتحارية إلى النصف أي من 1.131 في عام 2018 إلى 495 شخصاً في عام 2019. هذا الانخفاض في أعداد الشهداء سرى حتى على أعداد العمليات القتالية ضد الارهاب التي بلغت ذروتها في عام 2014 حيث وصلت نسبة الانخفاض إلى قرابة 95 % في العام الماضي. أما أعداد الشهداء الكلية ضحايا الإرهاب منذ عام 2001 إلى 2019 فقد وصلت إلى قرابة 66.689.
من منظور مكمل تعد داعش الجماعة الارهابية الأكثر حضوراً في العراق في عام 2019 حيث بلغت النسبة المقدرة من أعداد القتلى أو الشهداء نتيجة لارهاب داعش مايقارب ال66 في المائة . علماً بإنه وبالنظر للجهود الأمنية المكثّفة لحماية العراق من خطر داعش تم تقليل أعداد القتلى الشهداء حيث وصلت إلى 374 شخصاً بإنخفاض يصل إلى 53 % عن العام 2018. هذا وإتساقاً مع إنخفاض أعداد القتلى من المدنيين العراقيين وصلت نسبة الانخفاض إلى 69 % في عام 2019 مقارنة بعام 2018. ترتيباً على ذلك كله ، يمكن القول إذن بإن سقوط أكثر من مائة شهيد وجريح نتيجة للهجوم الانتحاري المزدوج على المدنيين العراقيين في ساحة الطيران تعد ولاشك مسألة جد خطيرة تقتضي حسماً عسكرياً – أمنياً مزلزلاً سريعاً في حملة شاملة تنطلق ضد إرهاب داعش من كل شبكات المواقع المدنية بدءاً من المحافظات إلى أصغر الوحدات الإدارية طالما حددت بدقة منظومة الاستخبارات العسكرية – الأمنية أن لداعش حضوراً فيها ، وبالتالي من المفترض أن تتداعي كل الأجهزة الأمنية ضمن غرفة عمليات موحدة للرصد وللمراقبة وللكشف الالكترونية حيث توفر معلومات دقيقة موثوق بها عن جميع هؤلاء المجرمين الارهابيين ومواقع مضافاتهم والتسهيلات التي يحصلون عليها في كل أرجاء العراق (ريف – مدينة – بادية)بغية تقديمهم جميع الإرهاربين للعدالة للاقتصاص منهم وفقاً للقوانين الجنائية المرعية (وطنياً أو دولياً) كي يكونوا عبرة لمن أعتبر. لعل من المناسب الإشارة أيضاً إلى أن الدول التي ينتابها حالة الصراع أو النزاع تعد المحرك الأساس للعلميات الارهابية كما أشار مؤشر الارهاب العالمي حيث إن النسبة المتحققة لأعداد القتلى في مناطق النزاع conflict zonesتعد عالية جداً تصل إلى أكثر من 96 % في عام 2019. ضمن هذا المنظور تعتبر الدول العشر الأكثر معاناة من العمليات الإرهابية هي ذاتها التي إنغمست على الأقل في نزاع مسلح واحد أو أكثر. من المناسب الإشارة إلى أن مؤشر الارهاب العالمي للعام 2020 أكد أن الخسائر البشرية التي تعدت الآلاف عالمياً رافقتها خسائر مادية وصلت تقديراتها المالية – الاقتصادية إلى مايقارب 26.4 بليون دولار في عام 2019 بإنخفاض بحدود 25 % عن عام 2018. علماً بإن حجم هذه الخسائر سيتصاعد كثيراً إذا أضفنا أعباءً مالية غير مباشرة مثل التأثيرات السلبية على قطاع الأعمال الحرة والاستثمار ، تكاليف التأمين والأكثر أهمية إفتقاد الفرص المتاحة للتنمية وأخيراً التكاليف المالية الأساسية لتلبية إحتياجات الوكالات الأمنية المختصة بمحاربة الإرهاب.
أسئلة وتساؤلات في ذهننا وذهن كل متابع لتطورات الشأن الأمني – السياسي ، هل تعلمنا من دروس الأمس أو قبله وهل أخذنا العبرة الكافية لمواجهة كافة التحديات الأمنية وآخرها كيفية مواجهة الإرهاب الداعشي بصورة شاملة واستباقية منعاً لأية عمليات مماثلة تأثيراتها تصل إلى أعماق النفس البشرية بصورة مبكية ودامية كتلك التي ضربت قلب العاصمة العراقية ؟ الجواب لايبدو بالإيجاب هذا برغم من كل الجهود الضخمة في المناطق الرخوة لمحافظات العراق ، إذ يكفي الإشارة لمقال كتبه الباحث الاميركي أنطوني كوردسمان بعنوان – العراق : الأمن وتحديات الانتصار الأخير –Iraq : Security and the challenges of Lasting “Victory” إلى جملة معطيات لمرحلة تفجيرات إرهابية سابقة في ال19 من آب و25 من تشرين الأول 2009 تبين لنا من خلالها أن الفئة السياسية الحاكمة منذ 2003 لم تأخذ بالاعتبار الأحداث الإرهابية على أنها مؤشرات واضحة للتحديات المتوقعة في العراق. علماً بإن تشخيص الأزمة الأمنية بصورة دقيقة مع توفر الاستعدادات اللازمة للمواجهة ستعني الكثير من التغييرات على مختلف الصعد والمجالات الستراتيجية – الأمنية – السياسية- الاقتصادية – المالية – البيئية – الانسانية. كوردسمان أعتبر أن القضية ليست آمنية أو عبارة عن صراع مستمر ضد المتطرفين والمتمردين بل هي صراع للتوفيق السياسي بين المتخاصمين على السلطة الذي ووفقاً لتقدير كوردسمان هي قضية صراع للحكم الفاعل “الرشيد” ، الأمن الاقتصادي ، والتنمية. أكثر من ذلك، هي قضية بلورت شيئاً يقترب من “حكم القانون” هذا ومن منظور مكمل تعتبر أيضاً قضية صراع لإيجاد أسلوب عملي ليس فقط لإنعاش قطاع النفط العراقي الممول في الأمد المنظور الموازنة للدولة العراقية بل لتأكيد قيام الدولة (في تقديري) بمسؤولياتها لتنويع مصادر الدخل مع صياغة نماذج للاستثمار جديدة تخدم وتنعش وضع الفئات الأقل حظاً والطبقة الوسطى أيضاً بصورة يمكن أن تطور البلاد وتسهم في توحيد الصف العراقي . أكثر من ذلك ، خلق شراكة ستراتيجية حقيقية مع دول الاعتدال النسبي في المحيطين الأقليمي والدولي بقصد مراجعة الدروس وتتنبه للمستقبل والامر ينطبق بخاصة على مستقبل العلاقات بين العراق والولايات المتحدة الاميركية وغيرها من دول العالم بصورة تؤسس لتحالفات تبنى على المصالح المتبادلة والمنافع المتبادلة بذات الوقت الذي تخدم علاقات قائمة على محاربة الخطر المشترك للارهاب العالمي – الداعشي من خلال تبادل المعلومات الاستخبارية وتكامل الجهود التقنية – الأمنية والسياسية والإنسانية المستدامة في ظل سياق جيوسياسي عالمي مثمر ووفقاً لمقتضيات القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني معاً.

نقلا عن المدى

السابق
بغداد… تحت الرماد وميض نار
التالي
واشنطن توجه 8 تهم إلى رجل أعمال عراقي عن قضايا فساد بملايين الدولارات

اترك تعليقاً