أبحاث ودراسات

إيران والتحدي الكردي (وجهة نظر اسرائيلية)

الملخص:: تشكل التطلعات الوطنية للاقليه الكردية في العراق تحديات كبيره لجميع البلدان الاربعه التي تضم عددا كبيرا من السكان الأكراد. وليس من المفاجات ان القرار باجراء استفتاء حول الاستقلال الكردي اثار ردود فعل غاضبه بين قاده العراق وإيران وتركيا وسوريا. بيد ان معارضه طهران القوية لا تنبع فقط من الخوف من ان يؤدي مرور الاستفتاء إلى تاجيج النزعات الانفصالية بين الأكراد الإيرانيين. ولدي الإيرانيين مخاوف أخرى جيوسياسية وجيوستراتيجية يمكن ان تتاثر إذا ما أصبحت كردستان مستقله.

ويشكل الاستفتاء الكردي حول الاستقلال معضلات متعددة للسياسة الداخلية والخارجية للنظام الإيراني. القضية الأكثر وضوحا هي أن نجاح الأكراد العراقيين في تحقيق هويتهم الوطنية يمكن أن يحفز الاتجاهات الانفصالية بين نظرائهم الإيرانيين. وعلى الرغم من أن هذا القلق له درجة من الصحة، فإن الأكراد الإيرانيين يتمتعون بخصائص فريدة من نوعها – واحدة منها هي مجموعة من التطلعات الوطنية أقل وضوحا بكثير من تطلعات نظرائهم في أماكن أخرى.

هذه النقطة تثير التساؤل عما إذا كانت المعارضة في طهران تنبع في الواقع من الخوف من النزعة الانفصالية بين الأكراد الإيرانيين.او ان اعتبارات النظام قد تتضمن جوانب أخرى دفعت إلى حد كبير إلى الهوامش.

وكانت العلاقة بين الأقلية الكردية في إيران والحكومة المركزية قد شهدت صعودا وهبوطا طوال الفترات الملكية وما بعد الثورة. إن انتفاضة الأقلية الكردية بقيادة قاضي محمد، التي أدت إلى إنشاء “جمهورية مهاباد” (يناير 1946) تحت رعاية الاتحاد السوفيتي، لا تزال محفورة في الوعي التاريخي للجمهورية الإسلامية. كانت الانتفاضة الكردية سلسلة من ردود الفعل بعد انتفاضة الحركة الوطنية لأذربيجان بقيادة جعفر بيشيفاري، التي بدأت قبل شهرين. واستمرت الاشتباكات في الستينات، مما قوض الهوية الوطنية الإيرانية ومعنوياتها.

ولم ينتهي تطلع الأقلية الكردية الإيرانية إلى الحكم الذاتي بإنشاء الجمهورية الإسلامية في شباط / فبراير 1979. ولكن الأمل سرعان ما انحسر بسبب الشقوق الداخلية وسياسة النظام التي لا هوادة فيها. في الفترة من 1989 إلى 1996، تركت سلسلة من اغتيالات قادة الحركة الكردية الإيرانية فراغ القيادة الذي لا يزال حتى يومنا هذا.

وعلاوة على ذلك، فإن الأقلية الإيرانية الكردية – التي تقدر، بدون بيانات رسمية، بحوالي 7.5 مليون شخص – تتميز بعدم وجود وحدة هيكلية ناجمة عن عوامل دينية. وهناك أيضا اختلافات حزبية وإيديولوجية وقبلية. وعلى عكس البلدان الأخرى التي تكون فيها الأقلية الكردية في الغالب سنية، فإن نسبة كبيرة من الأكراد في إيران، وخاصة أولئك الذين يعيشون في مقاطعة كرمانشاه، هم من الشيعة ويحصلون على معاملة تفضيلية من المؤسسات الحكومية. وصوت هؤلاء السكان ضد إجراء الاستفتاء، على عكس الأكراد المنتمين إلى الفرع السني، الذين صوتوا لصالح. وعلاوة على ذلك، فإن سياسة “الانقسام والقهر”، بالاقتران مع السيطرة الصارمة للنظام الإيراني والقمع القاسي للسكان الأكراد، أثرت على تماسك هذه الأقلية.

إن معارضة طهران للاتجاهات القومية للأكراد العراقيين تنبع من دوافع أخرى أيضا، جيوسياسية وجيوستراتيجية. وتخشى ايران من ان يضعف الحكم الذاتى الكردى فى شمال شرقى العراق نفوذها فى تلك الدولة المنقسمة.

إن اختراق إيران للمجالات السياسية والدبلوماسية والأمنية في العراق والتأثير على صناع القرار فيها معروف جيدا. وتستخدم طهران نفوذا قويا  في العراق، مثل الميليشيات الشيعية النشطة في إطار الحشد الشعبي (قوات الحشد الشعبي). وعلى الرغم من أن هذه الميليشيات تعمل وفقا لقرار أصدره البرلمان العراقي في نوفمبر / تشرين الثاني 2014، والذي كان اخضعها للمؤسسة الأمنية السياسية في البلاد، فإن الولاء الأول لبعضها هو للحرس الثوري وصانعي السياسة في جمهورية إيران الإسلامية.

وتخضع هذه الميليشيات لتوجيهات إيرانية وتمويل وتدريب وأحيانا قيادة، وهي تهدف إلى تعزيز مصالح طهران. وقد أعطى القتال المتواصل في العراق وسوريا وانهيار الحكم الحكومي هناك فرصة لإيران لتحقيق تطلعاتها الإقليمية، بما في ذلك تعزيز “محور المقاومة” – وهو أساس تكتيكي وفكري لتوسيع نفوذ طهران عبر الشرق الأوسط.

وهكذا، بالنسبة لإيران، فإن إنشاء مساحة مستقلة من الأراضي التي لا تخضع لسلطتها ومن المرجح أن تعطل خططها التنفيذية والاستراتيجية أمر غير وارد. وليس من المستغرب أن قادة الميليشيات في العراق أعربوا عن تهديداتهم للقيادة الكردية لثنيها عن المضي قدما في خطتها. ونقلت وكالة أنباء فارس عن هادي العامري، زعيم منظمة بدر (التي أنشأها الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية)، قولها إن رفض القيادة الكردية إلغاء الاستفتاء سيؤدي إلى إراقة الدماء وحتى الحرب الأهلية في العراق. وقال قيس خزعلي، قائد ميليشيات عصائب أهل الحق، التي تعمل تحت مظلة إيرانية، أن الخطوة الكردية هي مؤامرة إسرائيلية – مثال على شيطنة إيران التي تعمل على إنكار شرعية الاستفتاء.

عامل مهم آخر هو الممر الأرضي التي تريد إيران أن تخلقه من أراضيها عبر العراق وشمال سوريا إلى حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان عدم اليقين بشأن المعضلة الكردية، والأثر المحتمل لهذه المعضلة على الأقلية الكردية في سوريا، من بين الأسباب التي دفعت هذا الطريق إلى الجنوب نحو الميدان ودير الزور. وتركز طهران جهودها، باستخدام الميليشيات التي توجهها، من أجل السيطرة على الممرات الحدودية بين العراق وسوريا، وتهديد الولايات المتحدة وقوات التحالف العاملة في الصحراء السورية.

وقد أدى التطلع إلى تقرير المصير الوطني للأقلية الكردية في العراق إلى تعزيز التعاون الإيراني التركي رغم نزاعاته العميقة حول الحرب الأهلية السورية، وخاصة شرعية الرئيس الأسد. وقد أدت القضية الكردية تدريجيا إلى التنسيق الثنائي القائم على التقارب بين المصالح التي تتفق مع الأساس المفاهيمي للواقعية السياسية. وتبنى الدولتان تكتيكات مماثلة، بما فى ذلك الجهود الرامية الى الاقناع بتخلى عن التطلعات الوطنية الى جانب التهديدات بفرض قيود اقتصادية  ووقف وسائل الاعلام.

وفي مثال على التكتيك الأول، عقد قاسم سليماني، قائد قوة القدس للحرس الثوري، اجتماعا مع جلال الطالباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، حاول فيه إقناعه بازاحة الاستفتاء. وتجدر الإشارة إلى أن الأراضي الكردية في العراق، مع افتقارها للمخرج إلى البحر، محاطة تماما من البلدان الأربعة المحيطة بها، ويعتمد اقتصادها إلى حد كبير على التجارة مع كل من إيران وتركيا.

وتتخذ طهران الآن تعبيرا عكسيا عن مسار النظام الملكي في الستينيات والسبعينيات، حيث ساعدت إيران الأكراد على الخروج نتيجة الرغبة في إضعاف النظام العراقي. ولكن حتى الآن، كان الموقف الأساسي هو نفسه: الحكم الذاتي الكردي يتنافى مع مصالح إيران. ومع ذلك، فإن مساعدة مختلف الأطراف تمكن إيران من “ضبط اللهب” في العراق وفقا لاحتياجاتها وتوقعاتها.

وتسعى طهران الى الحصول على اسبقية فى اعادة تأهيل العراق وسوريا التى دمرتها المعارك. وهي مستعدة لاستثمار مبالغ كبيرة في إصلاح الهياكل الأساسية للكهرباء والاتصالات وفي مشاريع هندسية واسعة النطاق. وتسعى إيران إلى تعزيز الاعتماد على النظام، ولكنها تسعى أيضا إلى الحصول على ميزة استخباراتية كبيرة من خلال استعادة البنية التحتية. إن دفع إيران للهيمنة الإقليمية يقودها إلى تشكيل “هلال شيعي”، والذي من شأنه أن يخرج من طهران باتجاه لبنان وسوريا والعراق واليمن.

إن اللامركزية الحالية في العراق تعني أن طهران يمكن أن تصبح صانع السياسة الفعال مقابل المساعدة الاقتصادية الوفيرة. أمل النظام هو أن هذا سيديم نموذج “السيطرة غير المباشرة” (الوكيل) الذي يريد تنفيذه في جميع أنحاء الشرق الأوسط. إن تطلعات الأقلية الكردية في تقرير المصير لا تتفق مع السياسة الإقليمية لإيران، وليس فقط بسبب الخوف من سلسلة من ردود الفعل. إن معارضة طهران تنبع من الاعتبارات الداخلية والخارجية، ومن المرجح أن يكون لسياساتها تأثير كبير على لغز الشرق الأوسط الحساس.

 

 

الدكتور دورون إيتزشاكوف

مركز بيغن السادات للأبحاث الإستراتيجية

30 سبتمبر، 2017

 

 

الدكتور دورون إيتزشاكوف باحث مشارك في مركز بيغن السادات للأبحاث الاستراتيجية، ومركز التحالف للدراسات الإيرانية (أسيس)، ومركز دايان في جامعة تل أبيب.

السابق
بعد استفتاء الاستقلال الكردي
التالي
محكمة استرالية تفضح فساد وزير عراقي!

اترك تعليقاً