أبحاث ودراسات

استقرار العراق واعادة اعماره(3): المصالحة لضمان عدم عودة داعش

في حال فشل المقصد والجهود المبكرة الرامية إلى تحقيق الاستقرار في العراق أو إعادة بنائه، فإن داعش يمكن أن يعيد  احياء نفسه بسهولة كما كان عليه قبل عام 2014 عندما خرج من بقايا فلول القاعدة. وكان العراق نفسه – وتحديدا الموصل – هو المسرح الذي أعلن فيه أبو بكر البغدادي عن محاولته لقيام الخلافة. ولا يزال العراق معرضا للتهديد  من قبل تنظيم داعش تحت الأرض قبل أن يعاود الظهور.

وستحتاج المصالحة في سياق مواجهة داعش  إلى معالجة الانقسامات الطائفية والانقسامات العرقية والانقسامات القبلية وغيرها من أسباب التوترات المجتمعية. على سبيل المثال، قد يكون الشيعة حذرين أو غير واثقين بالسنة، الذين قد يكونوا مرتبطين بصعود داعش وفظائعها. وقد یحمل السکان المحررون علی نطاق أوسع تظلمات ضد القوى الشیعیة غیر المحلیة التي حررت المناطق السنیة، وتحديدا عندما أساءوا استخدام مواقعهم في القيام بذلك، ولا سيما في الحالات التي يتفشى فيها التعصب الطائفي.و قد تکون العلاقات القبلیة متوترة أو قد یکون ھناك خطر الانتقام بين القبائل، في حين أن الأقليات الإثنية، مثل الأيزيديين والمسيحيين المخطوفين، ستحمل المظالم وعدم الثقة تجاه السنة أو العرب بشكل عام.

وهناك جهود للمصالحة جارية. فعلى سبيل المثال، تقوم بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق بتدريب النساء استعدادا لمفاوضات المصالحة الوطنية والاجتماعات التي تركز على المصالحة، بما في ذلك في محافظة النجف. وتشارك وكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة أيضا، مثل المنظمة الدولية للهجرة، في برنامجها المتعلق بالسياسات المجتمعية , واليونسكو الذي يشجع، بالاشتراك مع فرنسا، جهود المصالحة من خلال وسائط الإعلام المجتمعية  .ومن الأمثلة الأخرى على ذلك معهد الولايات المتحدة للسلام، الذي يدعم الحوار المجتمعي الذي يقوده العراق في مناطق مثل الموصل وتلعفر وتكريت والحويجة ونينوى.  وفي أوائل عام 2017، ساعد برنامج الامم المتحدة الانمائي على إنشاء دعم للمصالحة المتكاملة في العراق. وركز هذا المشروع جزئيا على لجان المصالحة التي تقاد محليا، وتقديم الدعم لضحايا العنف (بما في ذلك النساء)، والجهود الرامية إلى زيادة وعي الجمهور بالمشاركة المدنية في العمليات السياسية والتعامل مع الأقليات، بما في ذلك الشباب والنساء . وفي شباط / فبراير الماضي، قام البنك الدولي بتخصيص جزء من تمويله للمصالحة بحجة أن ذلك من شأنه ضمان استدامة عمليات إعادة الإعمار وإطلاق مسار مواز في إطار الجهود الرامية إلى معالجة الجانب الاجتماعي من جهود الإنعاش . كما تم بناء إطار الشراكة القطرية للفترة 2018-2022 على مشاورات كانت أولويتها جزئيا “إعادة بناء العقد الاجتماعي وشرعية الدولة” ومرة أخرى تم ربط اهداف المصالحة بدعم مصرفي أوسع.كما تبذل جهود من قبل الحكومة والمواطن العراقي أيضا لإعادة بناء النسيج الاجتماعي في العراق. غير أن هناك تقارير عن التحديات التي يواجهها إخفاق المسؤولين في التعلم من الدروس السابقة عن المصالحة.

أحد عناصر المصالحة هو العدالة للمجموعات التي واجهت إساءات من قبل داعش أو من خلال   قوات التحريرالعراقية. وقد جرت محاكمات سريعة للمقاتلين المشتبه في أنهم من داعش في العراق حيث سقطت الأراضي على ايدي القوات العراقية. ومع ذلك، هناك قلق دولي من أن المحاكمات قد لا تتفق مع المعايير الدولية والقانون الدولي، وعلى أي حال، فإنها لن تكون كافية للتصدي للفظائع التي ارتكبتها داعش. ومن غير المرجح ان يتم تقديم العدالة للأقليات ، مثل الايزيديين ، مع المحاكمات المحلية لمقاتلي داعش المشتبه فيهم ، ومن المرجح ان يتطلب ذلك إجراءات دوليه.المسالة تتعلق بمن يقرر. وغالبا  ما يطلق علي الذكورالسنة الذين هم في سن العسكرية “المتعاونين” مع “داعش” وقد يواجهون بعد ذلك نفس مصير مقاتلي داعش.  هناك أمثله كثيره جدا على وجود العناصر الطائفية الفاعلة في جهاز الأمن في بغداد الذين لا يميزون بين الذكور في السن العسكرية وبين مقاتلي داعش.

والتصدي للانقسامات والتوترات والتظلمات والدعوات إلى العدالة ليس أمرا حاسما فحسب لتحصين المناطق التي تم استعادتها ضد عودة التنظيم الإسلامي ، ولكنه سيكون أيضا هاما في الانتخابات البرلمانية. وقد خرج معظم الناخبين العراقيين السنة من ثلاث سنوات من سيطرة داعش ، ويعيش العديد منهم في المناطق التي كانت غير محكومة. وهناك تظلمات سنيه من السنوات الاولي لحرب العراق في أوائل 2000s والتي لا تزال دون معالجة. ويمكن ان يؤدي السماح باضافه هذه المظالم القديمة إلى المظالم الجديدة إلى عودة تنظيم داعش والعوامل التي أدت إلى صعوده منذ عدة سنوات. ويمكن لهذه المصالحة أيضا ان تقدم أو تكسر المرشحين الذين يسعون إلى إقناع الناخبين السنة بالحصول على ميزات ، وهو ما سيصعب الامرعلى الشيعة المتشددين للحصول عليها. ويحتاج السنة إلى مساحة أكبر في الحياة السياسية للبلاد وفي الحياة العراقية عموما. وعلى الجبهة الامنيه ، وخلال الانتخابات البرلمانية ، من المحتمل ان تثار اسئله حول دور القوات الامريكيه في المستقبل.

النفوذ الإيراني في جميع أجهزه الأمن والاستخبارات العراقية

إن مسألة دور إيران في العراق وعلاقته أمر أساسي ليس فقط للمصالحة، بل للانتخابات البرلمانية على نطاق أوسع. وبالنسبة للإدارة الأمريكية، فإن الحد من البصمة الإقليمية لإيران عنصر هام في السياسة. وكان الحشد الشعبي جزءا مهما نسبيا من القوة التي تقاتل داعش في العراق، مع انخفاض دوره في نهاية الحملة. وقد اجتمعت هذه الميليشيا في عام 2014 عندما أصدر آية الله العظمى السيستاني في العراق فتوى تدعو إلى الدفاع عن العراق ضد داعش. وفي حين أن كل وحدات أو قوات الحشد الشعبي موالية لإيران، فان بعضها وحدات شيعية متماثلة مع العراق، إلا أن نفوذ إيران في هيكل القيادة والسيطرة والرتب العليا قيل إنه قوي.

وبالنظر إلى أنه جرى تشكيل الحشد الشعبي لمواجهة تهديد داعش والذي هزم منذ ذلك الحين، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت وحداتهم سيتم تسريحها وحلها. إن نفوذ إيران في الحشد الشعبي، الذي حظي بدعم من الحرس الثوري الإيراني، ودرجة تعزيز إيران لهذا النفوذ، قد يجعل من الصعب حلها إن لم يكن مستبعدا، على الأقل في المدى القريب. وبينما يسعى فيلق القدس في الحرس الثوري الاسلامي إلى توسيع نطاق نفوذه وتعزيزه في العراق، قد يكون الحشد الشعبي واحدا من أكثر الوسائل العملية للقيام بذلك.

وفي المناطق المحررة من  تنظيم داعش، ينبغي أن تعكس القوى التي تسيطر على الأرض التركيبة  العرقية للسكان المحليين – سواء من أجل استقرار المناطق المحررة أو منع ظهور داعش مجددا، للبدء في معالجة المظالم وتجنب التصعيد في المستقبل. ومن شأن أسئلة مثل ما إذا كان نشر قوات الأمن- في الغالب (90 في المائة) من الشيعة –  سيؤدي للحفاظ على المكاسب الأمنية في حين يتم وصف السنة كمتعاونين سيؤدي الى مزيد من الحرمان للسنة، وهذا سيقوض المصالحة والانتعاش، ويحتمل أن يؤدي إلى انحدار أمني. يجب على الحكومة المركزية العراقية أن تمكِّن القوى السنية المحلية من الدفاع عن المناطق ذات الأغلبية السنية المحررة حديثا بدلا من ترك هذه المهمة إلى القوات العراقية التي يهيمن عليها الشيعة أو قوات الحشد الشعبي.

وعلى نطاق أوسع، يمكن القول إن إيران تدمج نفسها بفعالية في نسيج المجال السياسي العراقي. وسيكون النفوذ الإيراني وراء المليشيات أيضا عاملا هاما في الانتخابات المقبلة. ويؤدي وجود الحشد الشعبي في المناطق ذات الأغلبية السنية إلى خلق توترات قبل الانتخابات .ويقال إن بعض الأحزاب العراقية تتبع نهجا أكثر اعتدالا، وتخفف العلاقات مع إيران من خلال إعادة تقييم السياسة الخارجية. والعمل على مشاركة السنة وغيرهم من الأقليات غير الشيعية ومع ذلك، حتى الأطراف التي تعمل على منصة معتدلة يبدو أنها تبحث في ما بعد ما يضمن الحفاظ على علاقات دافئة مع طهران .ولا يزال علينا ان نرى ما إذا كانت هذه الأطراف جادة حول الاعتدال أو ببساطة تسعى للحصول على أكبر قدر ممكن من الدعم الدولي في حين تبقى قريبة من إيران  .

لا تترك المسألة الكردية دون حل

تبقى المسألة الكردية حقيقة واضحة لا يمكن تجاهلها، سواء في إعادة الإعمار بعد داعش أو في الانتخابات البرلمانية بشكل عام. وفي أعقاب الاستفتاء الكردي، قطعت بغداد المعونة والمساعدات الإنسانية لحكومة إقليم كردستان. وقد حاصر ذلك أعدادا كبيرة من النازحين داخليا، حيث تستضيف المنطقة الكردية عددا كبيرا من النازحين العراقيين واللاجئين السوريين أيضا، مما يزيد من الضغط على الموارد الكردية. وبرز في مؤتمر المانحين قي الكويت عدم وجود خطط لدى بغداد لاستخدام أموال المانحين في المناطق الكردية.

إن العودة الحالية للسيطرة على الأراضي المتنازع عليها، بما في ذلك كركوك، من البشمركة الكردية إلى الحكومة العراقية لا يحل وضعها الدائم. وهذا ما يجب أن يتم في الحوار، وفيما يتعلق بكركوك، وفقا للإجراءات الدستورية العراقية.

وعلاوة علي ذلك ، فان المسالة الرئيسية هي معالجه الحصة الكردية من الميزانية الاتحادية ، لان الأكراد لديهم دخل مباشر اقل من إيرادات النفط المباشرة. ويمكن ان يؤدي خط أنابيب النفط المخطط من كركوك إلى تركيا إلى زيادة الحد من الدخل لحكومة إقليم كردستان.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن التوجه المستقبلي لحكومة إقليم كردستان سيخضع للمراقبة أيضا، حيث أن خيبه الأمل بسبب الافتقار إلى الدعم الدولي والأمريكي في الاستفتاء على الاستقلال في العام الماضي قد أدى إلى تحول متزايد نحو إيران.

 

ما التالي ؟ الانتخابات البرلمانية العراقية

وتقترب الانتخابات البرلمانية العراقية بسرعة. ولا تزال الحالة متبدلة إلى حد كبير ، حيث لا تزال التكتلات الرئيسية تتغير وتتفكك و/أو يجري إنشاؤها من جديد. ومع تمديد الموعد النهائي للانتهاء من التحالفات (الفترة التي يمكن فيها للأطراف الخروج من الائتلاف أو الدخول فيه) ، لا يزال من غير المؤكد في منتصف شباط/فبراير ما إذا كان بإمكان العبادي ان ينشئ منصة تضمن استمرار منصبه كرئيس للوزراء.

وهناك عدة تحالفات رئيسية. أحدها هو ائتلاف النصر للعبادي، الذي شهد انضمام عدد من الشركاء وخروجهم. فعلى سبيل المثال، دخل حزب الحكمة ثم خرج بعد الاعتراض على نهج التكتل (الذي من شانه ان يكلف الحكمة جزءا من موقفه المستقل). ومن ناحية أخرى، اختار تحالف الفتح هادي العامري عدم الانضمام. ومن بين الائتلافات الاخرى الائتلاف الوطني لنائب الرئيس اياد علاوي الذي سينضم اليه حزب الوطن السني العراقي. وهناك أيضا تحالف هادي العامري الفتح، الذي خرج منه الوطن العراقي مشعان الجبوري، وبصورة منفصلة حزب الاستقامة الوطني الذي يقوده مقتدى الصدر، وهو جزء من تحالف (سائرون) . ويترأس نوري المالكي ائتلاف دولة القانون،وهناك جهود لخلق تحالف كردي.

لما اقتربنا من الانتخابات العراقية، زادت النداءات  الموجهة للولايات المتحدة للخروج من العراق. إن دور الولايات المتحدة الضامن لهذا الاستقرار الهش يبعث على الاطمئنان للمستثمرين، وينبغي أن تكون هذه النداءات مدعاة للقلق.

يذكر ان مؤتمر المانحين لاعادة اعمار العراق فى الكويت اعطى العبادى مركز الصدارة قبل الانتخابات البرلمانية. وكان العبادي، المحاط بوزراء خارجية أكثر من ستين دولة وممثلين عن البنك الدولي وبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق، يمثل الزعيم المسؤول الذي يحتاجه العراق للمضي قدما. لقد شرع مؤتمر المانحين بطرق عديدة في إضفاء الشرعية على تعيين العبادي كرئيس للوزراء لعراق مستقر وموحد بعد داعش، وكما قال: “لدى العراق ما يلزم للوقوف على قدميه”. أما حول ما إذا كان ذلك كافيا بالنسبة له لتجميع ائتلاف حاكم من أيار/مايو فصاعدا امرا لا يزال يتعين رؤيته.

 

 

 

جوناس باريلو-بليسنر، مايكل بريجنت، كاتلين غوغ

معهد هدسون

السابق
هذه الجهات تحاول الهيمنة على أموال العراق
التالي
انهاء تدقيق اسماء موظفي تربية الاقليم وهذا موعد صرف رواتبهم

اترك تعليقاً