أبحاث ودراسات

الأزمة الإيرانية – السعودية بعد هجمات “أرامكو” واحتمالات التصعيد

تعرّضت منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية، يوم السبت 14 أيلول/ سبتمبر 2019، لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة، أدت إلى تعطيل نصف إنتاج النفط السعودي. وعلى الرغم من تبنّي الحوثيين هذه الهجمات، فإن واشنطن والرياض اتهمتا إيران بالوقوف وراءها، بسبب بُعد الموقع عن اليمن، وتعقيد التنفيذ، وأن مصدرها كان من شمال غرب المملكة العربية السعودية. وتواجه المملكة والولايات المتحدة الأميركية معضلةً في كيفية الرد على هذا التصعيد. وتراوح الاحتمالات بين الاكتفاء بتشديد العقوبات على إيران، وزيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وصولًا إلى القيام برد عسكري محدود، سواء في مناطق نفوذ إيران في سورية أو العراق، أو حتى داخل إيران نفسها، مع أن هذا الاحتمال الأخير يبدو ضعيفًا بحسب المعطيات.
محدّدات السلوك الأميركي في الأزمة مع إيران
تتحكّم مجموعة من الاعتبارات في سياسة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إزاء التصعيد الإيراني المتدرّج، أهمها موقف الرئيس الرافض للتورط في أي حرب جديدة لا تتصل مباشرة بالمصالح الأميركية، وذلك استنادًا إلى “استراتيجية الأمن القومي الأميركي” التي تعتمدها إدارته، ومنطلقها شعار حملته الانتخابية “أميركا أولًا”. وكان ترامب قد تعهد، خلال حملته الانتخابية عام 2016، بسحب القوات الأميركية من العديد من مناطق الصراع في العالم، وتحديدًا من الشرق الأوسط، لكنّه لم يحقق نجاحًا يذكر في هذا الصدد. بل إنه وجد نفسه مضطرًا إلى إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان، مثلًا، عام 2017، وكذلك نشر قوات إضافية في منطقة الخليج العربي، في شهري أيار/ مايو وتموز/ يوليو 2019، في محاولة لردع إيران عن تنفيذ هجماتٍ تهدد حرية الملاحة في المنطقة. ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، يجد ترامب نفسه أمام وعد انتخابي لم يتمكّن من إنفاذه، وخصوصًا أنه كان يتهم سلفَيه، جورج بوش الابن وباراك أوباما، بتوريط الولايات المتحدة في صراعات دولية مكلفة، ليس لواشنطن مصالح مباشرة فيها.
ولكن ترامب لا يريد، في المقابل، أن يبدو بمظهر الرئيس الضعيف أمام إيران، خصوصا أنه لم
“يرفض ترامب التورط في أي حرب جديدة لا تتصل مباشرة بالمصالح الأميركية”يتردّد في اتهام رؤساء أميركيين سابقين بأنهم “فقدوا إيمانهم بالعظمة الأميركية”. وكثيرًا ما نعت أوباما باتباع سياسات ضعيفة ومتردّدة في العالم؛ ما جعل خصوم أميركا يتجرؤون عليها. ويجد ترامب نفسه محرجًا أمام صقور الجمهوريين، وحلفائه في إسرائيل والسعودية؛ ذلك أنه أطلق تهديدات كبيرة ضد إيران، لكنه يستجدي الآن حوارًا معها في ظل العقوبات التي أعاد فرضها بعد أن انسحب أحاديًا من الاتفاق النووي في عام 2018؛ الأمر الذي تفهمه إيران بأنه تسليم بإلغاء الاتفاق وخضوعٌ للعقوبات. وقد أضعف هذا السلوك كثيرًا الصورة التي حاول ترامب أن يرسخها لنفسه، بصفته “صانع صفقات كبرى” من موقع قوة. كما زادت إيران من تحدّيها ترامب، وبدلًا من أن ترضخ للعقوبات وتعود إلى طاولة المفاوضات، أخذت في التصعيد تدريجيًا لرفع التكلفة عليه، وإجباره على التراجع عن سياساته إزاءها. أمام هذا المأزق، ليس في وسع ترامب التراجع عن سياسة العقوبات التي فرضها، وفي الوقت نفسه، لم يعد أمامه من أدوات ضغط إلا العمل العسكري، وهو ما يحاول تجنّبه خشية الانزلاق نحو حرب شاملة في سنة انتخابية.
الاعتبارات السعودية
تجد السعودية نفسها أمام معضلةٍ لا تقل صعوبة عن المعضلة التي يواجهها ترامب. ففي بداية الأزمة، كانت السعودية تدفع في اتجاه مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، على أمل أن يضع ذلك حدًا لسياسات التمدّد الإيراني في المنطقة. لكن بمرور الوقت، بدأت السعودية تدرك أنها قد تدفع ثمنًا غاليًا في مثل هذه المواجهة، خصوصا مع تآكل الثقة بالموقف الأميركي، واتضاح تردد إدارة ترامب وإحجامها عن التورّط في مواجهة عسكرية شاملة مع إيران. وقد زادت الهجمات التي تعرّضت لها السعودية أخيرا من انكشافها أمام التهديدات التي تواجهها. وعلى الرغم من صفقات التسلح الكبيرة، والإنفاق العسكري السعودي الذي يأتي في المرتبة الثالثة عالميًا بعد الولايات المتحدة والصين فقط، بدت السعودية عاجزة تمامًا أمام الهجمات الجوية التي تعرّضت لها، سواء كانت صادرة من اليمن أو من الشمال.
وتشير تقارير أميركية إلى أن الشكوك السعودية في نيات ترامب التصدّي بقوة للتصعيد الإيراني الذي يستهدفها دفعت الرياض إلى أن تطلب رسميًا من واشنطن عدم إشعال حربٍ إقليمية، تكون المملكة المتضرّر الأول منها، أو ساحة رئيسة لها. وقد جاء الطلب السعودي الذي سرّبت مضمونه إدارة ترامب، عبر نائب وزير الدفاع، الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن أواخر آب/ أغسطس 2019. وعوضًا عن قرع طبول الحرب، طلب ابن سلمان من المسؤولين الأميركيين مواصلة نهج العقوبات على إيران؛ على أساس أن سياسة “الضغوط القصوى” الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة عليها، في آب/ أغسطس 2018، تعتبر سياسةً فعالةً في تقويض استقرار نظام طهران الذي قد يكون معنيًا بحرب محدودة، لتحويل انتباه الشعب الإيراني من الأزمات الداخلية إلى التهديدات الخارجية.
وتبدو المخاوف السعودية من الخذلان الأميركي مبرّرة واقعيًا؛ ذلك أن سلسلة الهجمات على ناقلات نفط في الخليج العربي، في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2019، لم تولّد ردًا عسكريًا أميركيًا. ولم يغيّر إسقاط إيران طائرةً أميركية من دون طيار، في حزيران/ يونيو 2019 – أصرّت الولايات المتحدة على أنها كانت تحلق فوق مضيق هرمز، وليس في الأجواء الإيرانية – في الموقف الأميركي شيئًا. وبعد أن حسمت واشنطن قرارها بتوجيه ضربةٍ عسكريةٍ انتقاميةٍ إلى إيران، تراجع ترامب في اللحظة الأخيرة؛ بزعم أن إيقاع قتلى إيرانيين هو رد غير متناسب مع إسقاط طائرة مسيّرة، واكتفى بدلًا من ذلك بشن هجوم “سبراني”، زعم ترامب أنه ألحق ضررًا كبيرًا ببرنامج إيران الصاروخي. وأخيرًا، جاءت الهجمات التي تعرّضت لها منشآت “أرامكو”، في 14 أيلول/ سبتمبر، لتكشف، على نحو لا لبس فيه، عدم جدّية ترامب في خوض أي مواجهة مع إيران، ما دامت لا تمس مباشرة القوات الأميركية في المنطقة. وبعد أن أكد ترامب أن بلاده “على أهبة الاستعداد” للتصدّي لإيران، بدأ يتراجع من جديد، مطالبًا السعوديين بأخذ زمام المبادرة.
ولا تبدو صورة السعودية في واشنطن أفضل كثيرًا من صورة إيران، ما يزيد من صعوبة الدفاع عنها حال تعرّضها لهجوم، فالرياض تعاني تقلص قاعدة حلفائها في الكونغرس الأميركي على
“يجد ترامب نفسه محرجًا أمام صقور الجمهوريين وحلفائه في إسرائيل والسعودية”خلفية عدد من القضايا، منها الانتهاكات التي ترتكبها في حرب اليمن منذ عام 2015؛ وهو ما دفع الكونغرس إلى التصويت بأغلبية مجلسيه، النواب والشيوخ، في أيار/ مايو 2019، على قرارٍ يمنع الولايات المتحدة من استمرار تقديم الدعم للحلف السعودي – الإماراتي، وقد اضطر ترامب إلى استخدام الفيتو لوقفه. أضف إلى ذلك تداعيات جريمة اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، الذي كان يحمل إقامة أميركية، في قنصلية بلاده في إسطنبول، في تشرين الأول/ أكتوبر 2018. فضلًا عن أن ملف حقوق الإنسان في المملكة لا يزال يثير انتقادات واسعة في واشنطن والعالم.
وتبرّر الرياض عدم نيتها الرد مباشرة على الهجوم الذي تتهم إيران بشنه ضد منشآت “أرامكو” النفطية بضرورة التنسيق مع واشنطن، والحصول على موافقتها؛ ذلك أن لدى الولايات المتحدة مئات الجنود المتمركزين في السعودية، كما أن لديها آلافًا آخرين منتشرين في قواعد وقطع عسكرية في الخليج العربي؛ ما يجعلهم عرضةً لهجمات انتقامية من إيران. وهذا الأمر يجعل قرار الرد على إيران عمليًا بيد الولايات المتحدة، كما يقول السعوديون، على الرغم من أن مسؤولين أميركيين يؤكدون أن واشنطن باعت الرياض أسلحة كثيرة متطورة تمكّنها من الرد على الهجوم الإيراني، لو أرادت ذلك فعلًا.
بناء على هذه الاعتبارات، يبدو أن إعلان وزارة الخزانة الأميركية، في العشرين من أيلول/ سبتمبر 2019، فرض مزيد من العقوبات على طهران، متبوعًا بإعلان وزارة الدفاع تعزيز قواتها ومعدّات الدفاع الجوي والصاروخي لديها في المنطقة ردًا على الهجوم على “أرامكو”، قد يكونان أقصى ما ترغب واشنطن والرياض في فعله في المرحلة الراهنة، على أمل أن تكف إيران عن اتخاذ مزيد من الإجراءات التصعيدية.
خلفيات تردد واشنطن في مواجهة التصعيد الإيراني
هناك عوامل المهمة تدفع الإدارة الأميركية، خصوصا البنتاغون، إلى التعامل بحذر كبير في الأزمة مع إيران، أهمها:
الخشية من أن تؤدي أي ضربة محدودة لإيران إلى إشعال حرب شاملة في المنطقة، تتورّط فيها
“المخاوف السعودية من الخذلان الأميركي مبرّرة واقعيًا”الولايات المتحدة إلى جانب حلفائها. ويُحتمل أن تستعين إيران، في حال توجيه ضربة محدودة إليها، بشبكة وكلائها الممتدة من اليمن إلى العراق وسورية ولبنان؛ وهو ما قد يعرّض القواعد والقطع العسكرية والمصالح الأميركية للخطر. وإذا حدث ذلك، ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى حشد قوة عسكرية كبيرة لهزيمة إيران؛ ما يعني حربًا جديدة في الشرق الأوسط، ودخول سيناريو أسوأ من سيناريو العراق.
تخشى الإدارة الأميركية أيضًا من أنها ربما تخدم التيار المتشدّد في إيران، إذا وجهت إليها ضربة عسكرية. وقد تقضي على أي فرص للتفاوض من جديد على الاتفاق النووي الإيراني.
وفقًا لتقدير مجتمع الاستخبارات الأميركية، فإن النظام الإيراني الذي يعاني تراجعًا في شعبيته، بسبب وطأة العقوبات الاقتصادية، يسعى إلى استدراج الولايات المتحدة إلى هجوم عسكري محدود، لرفع شعبيته داخليًا، وتعزيز موقفه الاستراتيجي خارجيًا، ومن ثمّ فإن إدارة ترامب لا تريد أن تمنحه هذه الورقة.
خاتمة
بغض النظر عن الاعتبارات الظرفية التي تحكم السلوك الأميركي في الرد على التصعيد الإيراني، فإن الأزمة الأخيرة كشفت تغيرًا عميقًا في المقاربة الأميركية لأمن منطقة الخليج وحدود التزامها بها. لم يبدأ هذا التغيير مع إدارة ترامب، بل أسّست له إدارة أوباما؛ فهو مرتبط، من ناحية، بإعادة تعريف الولايات المتحدة مصادر التهديد الاستراتيجي التي تواجهها، وباتت تركز أكثر على الصين وروسيا، وفق استراتيجية الأمن القومي التي كشفت عنها إدارة ترامب عام 2017. ومن ناحية أخرى، باتت الولايات المتحدة اليوم أقل اعتمادًا على نفط الخليج؛ إذ إنها تنتج 12 مليون برميل من النفط يوميًا، ولا تشتري من السعودية سوى 9% فقط من واردات النفط الأميركي من الخارج. ولا يعنى هذا أن منطقة الخليج فقدت أهميتها كلّيًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ فهذه المنطقة تبقى مصدرًا أساسيًا للنفط والغاز في العالم، وتؤثر في استقرار أسعار الطاقة عالميًا، ومن ثمّ في استقرار الاقتصادي العالمي. وليس واردًا أن تسمح الولايات المتحدة لقوى دولية منافسة، مثل روسيا والصين، بالحلول مكانها في منطقة الخليج العربي، لكن هذه المنطقة لم تعد تكتسي الأهمية نفسها التي كانت لها في السابق، عندما كانت واشنطن تستورد جزءًا كبيرًا من نفطها منها. وأخيرًا، فشل رهان حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، خصوصا السعودية والإمارات العربية المتحدة، على الرئيس ترامب، اعتقادًا منهم أنه سوف يغير سياسات أوباما جذريًا. فكل ما تغير بالنسبة إليهم، مع اندفاعهم للتطبيع مع إسرائيل لكسب رضاه، هو مطالبته المتواصلة لهم بدفع الأموال مقابل توفير الحماية، من دون ترجمة حقيقية لذلك على الأرض.

العربي الجديد

السابق
ما هي “فضيحة أوكرانيا” وما مدى خطورتها على ترامب؟
التالي
العراق يتلقى “تهديد امريكي”.. ردا على استهداف محيط سفارتها ..

اترك تعليقاً