أعلام وتراث

الأكاديون

في نفس الوقت الذي كان يعيش فهي شعب السومريين في الجزء الجنوبي من أرض الجزيرة، كان يقيم في الجزء الشمالي من هذه الجزيرة، شعب آخر يعرف بالشعب الأكادي نسبة إلى بلاد أكاد Akkad كما كان يسميها السومريون أو أقليم “كلده” كما كان يسميه الساميون.

لم يعرف كذلك أصل هذا الشعب لا من الناحية الجنسية ولا من الناحية التاريخية ولعله تكون من خليط من الأجناس وفدت من الشرق ومن الغرب بنفس الطريقة التي تكون بها شعب السومريين الذين إحتلوا المنطقة الجنوبية من وادي الرافدين، ولكنه لا يقل في معارفه، وفي حضارته عن شعب السومريين في الجنوب، بل أننا نستطيع ان نقول أن الأكاديين والسومريين قد تعاونوا معاً على إظهار حضارة موحدة، ذات مظاهر متعددة، ولقد كانت هذه الحضارة بمثابة الأساس الأول لكل ما عرف في هذه البيئة من حضارات وإليكم ما كتبه الأستاذ ول ديورانت في الجزء الثاني من كتابه “قصة الحضارة”.

ويمكن أن نلخص الحضارة السومرية تلخيصاً موجزاً في هذا التناقض بين خزفها الفج الساذج وحليها التي أوفت على الغاية في الجمال والإتقان، لقد كانت هذه الحضارة مزيجاً مركباً من بدايات خشنة وإتقان بارع في بعض الأحيان، وفي تلك البلاد – على قدر ما وصل إليه علمنا في الوقت الحاضر – نجد أولى ما أسسه الإنسان من دول وإمبارطوريات، وأول نظم الري، وأول إستخدام للذهب والفضة في تقويم السلع، وأول العقود التجارية، وأول نظام للإئتمان، وأول كتب القوانين، وأول إأستخدام للكتابة في نطاق واسع، وأولى قصص الخلق والطوفان، وأولى المدارس والمكتبات، وأول الأدب والشعر، وأولى أصباغ التجميل والحلى، وأول النحت والنقش البارز، وأول القصور والهياكل، وأول إستعمال للمعادن في الترصيع والتزيين، وهنا نجد في البناء أول العقود والأقواس وأولى القباب، وهنا كذلك تظهر لأول مرة في التاريخ المعروف بعض مساوئ الحضارة في نطاق واسع، يظهر الرق والإستبداد وتسلط الكهنة وحروب الإستعمار، لقد كانت الحياة في تلك البلاد متنوعة مهذبة موفورة النعم متعددة، وهنا بدأت الفوارق الطبيعية بين الناس تنتج حياة جديدة من الدعة والنعيم للأقوياء، وحياة من الكدح والعمل المتواصل لسائر الناس، وفي تلك البلاد كانت بداية ما نشأ في تاريخ العالم من إختلافات يخطئها الحصر”. ومن هذه الصفحة المجيدة التي سطرها هذا الكاتب الغربي مستوحياً في ذلك ما إكتشف من آثار تاريخية وعلمية في هذه البيئة نستطيع أن نرسم لأنفسنا صورة واضحة عن حضارة هذين الشعبين ونستطيع كذلك أن نتصور الأثر العميق الذي تركته هذه الحضارة في الشعوب السامية التي وفدت إلى هذه البيئة فيما بعد وأقامت ممالكها على أنقاض دولة الأكاديين والسومريين.

إستمر وادي دجلة والفرات آهلاً بالسومريين جنوباً والأكاديين شمالاً وخاضعاً لنفوذهم حتى حوالي القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، أي أنهم إستمروا يحكمون هذه المنطقة مدة عشرين قرناً تقريباً، ومنذ هذا التاريخ يظهر على مسرح هذه البيئة شعوب سامية دخيلة تنتفع بحضارة السكان الأصليين وتضيف إليها ما يجعلها في صف أرقى الحضارات القديمة عند الشعوب الأخرى.

عن كتاب العراق وما توالى عليه من حضارات (الدكتور حسن عون)

السابق
البيئة العراقية في أول عهودها التاريخية
التالي
البابليون – الأشوريون

اترك تعليقاً