فكر ديني

الإيمان والعبور نحو القداسة

لم يعد خافيا على احد، ان أزمة التطور العلمي وما رافقها من تبدلات وتغيرات على المستوى الاجتماعي/الثقافي، ادت الى ضرب البنى المعرفية بحيث لم يسلم منها احد، وبالتالي انعكست بشكل واضح على البعد القيمي الاخلاقي للانسان، وشهود انهيارات في العادات والتصورات والرؤى الاخلاقية، ولم يعد الانسان المعاصر باستطاعته اللجوء او العودة الى المرجعيات السائدة ولا قادرا على بلورة مرجعيات اخرى متينة، يمكن ان تشكل له ضامنا او اصلا في الرجوع اليها، واستمداد زخما روحيا منها، تعين الانسان في مسيرته وحياته، ويضفي على الحياة معنى وجمالية، هي مقصد اسمى للانسان. لقد باتت هذه المفاهيم شبه مغيبة في عالمنا المعاصر، مع العلم انها في نفس الوقت ضرورة لا يمكن التخلي عنها وتجاوزها.

كل ذلك ادى الى اقصاء الذات في المنظور الحداثوي، والحد من مكانتها الوجودية، ثم الحط من قدر الانسان وسماته المميزة التي تعطيه تفردا على سائر الكائنات، ووصل الامر به الى نعي نفسه، وبالتالي انعكس هذا الامر على قداسة الذات البشرية، او على المرجعيات التي تشكل هذه القداسة وتضفي عليها مشروعية.

لقد دعتنا الحداثة في خضم تقلباتها الى اعادة مشروعية طرح السؤال:

هل قداسة الذات ؟او هل هذا الشعور الذي يعطي الذات مكانة سامية لدى الكائن البشري ناتج عن امور واقعية، وشعور عارم باهميته ؟! ام انها مجرد توهيمات تضفيها الذات على نفسها في عملية تمويه وخداع، من أجل أعلاء الذات وتلبية طموحاتها، وبالتالي فان الذات لا تحتل مكانة سامية؟….

ثم ان كان لها هذه المكانة وهذا الحضور الهائل في الوجود؟! فمن اين تستمد مشروعية هذا الحضور؟ وما هي حدوده؟!

 

لا بد من التسليم بأن الذات البشرية تنطوي على الكثير من الامكانات والطاقات الروحية، وهي طاقات تمتلك الديمومة والاستمرار، لانها نابعة من عمق الوجود الانساني، انها ملازمة للكائن الانساني لا تنفك عنه، تخيم على كافة جوانب حياته، وتقوم بعملية اشباع لوجوده، من خلال اضفاء المعنى على مسيرته، هذه الضرورات الروحية هي التي تدعو الكائن الإنساني إلى التمسك بالمعنى الاسمى من خلال تجاوز ذاته، لانها تنبع من شعوره الذاتي بضرورة تشييد علاقة مع معنى ما! معنى يتجاوز هذه الذات!!، ثمة كائن أقصى هو من اعطى لهذه الذات ذاك الشعور الدافق، ومن ثم الحنين نحو تابيد ذاته بالارتباط به من خلال تجاوز هذه الذات. هذا المعنى يرتبط في بعده الوجودي المميز عن سائر الكائنات، فالإنسان ذات عاقلة ومدركة وفاعلة، وتحوي الكثير من القدرات والإمكانات الروحي المتأصلة في عمقها “فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ ” إن إنطواء الكائن الإنساني على هذه الأبعاد الروحية الهائلة، جعلته يتحسس حجم المهام الملقاة على عاتقه، والوظيفة الروحية التي يجب أن يسعى إلى تحقيقها، فلا تقتصر مهامه على الإكتشافات العلمية، بل ثمة مهمة أرقى تليق بمكانته الإنسانية وهي الكشف عن الأبعاد الروحية، ولا يكون ذلك إلا بتجاوز الذات إنه فعل يحتاج إلى جهد والى تضحية، ثمة علاقة بين المعنى والعطاء، وذلك بحسب حضور وظهور المعنى في هذه الذات؛ فاما ان يؤدي إلى تجاوز الذات بالمطلق، أو تجاوز نسبي لهذه الذات. وهذا ينبع من خلال طبيعة المعنى الذي نسعى اليه ، وحجم العلاقة والتماهي به، أي أن المعنى إذا كان ذات طابع روحي له حضور في الذات يمكن أن يستوعبها بحيث لا يعود لهذه الذات أي حضور، فيتشكل نوع علاقة من الغياب التام لذات لاترى لها حظ (وجودها محدود) امام المطلق، إنه فعل حضور لذات يتناسب مع حجم غيابها، فبقدر ما تفنى الذات فيه تؤكد حضورها الفاعل. واما ان تكون العلاقة مع المعنى محدودة لسبب او لاخر،اما لان المعنى ذات طابع اخلاقي فحسب وبالتالي ليس له مبررات حضوره القوي، او ان العلاقة مع المعنى(بغض النظر عن طبيعة هذا المعنى) ليست بالشكل المطلوب، فيكون تجاوز الذات لصالح المعنى محدودا، وبالتالي لا تتكرس الذات بشكل مطلق في هذا العالم.

وهذا التجاوز للذات البشرية فعل له مبررات وجودية، أي ينبع من واقع موضوعي يدعو الإنسان إلى فعل ذلك وليس وهماً كما ادعت بعض الفلسفات الوضعية، انه شعور دافق يمثل دفعا هائلا لحركة الانسان والتاريخ، يكمن في عمق الانسان؛ ( وَتَحْسَبُ أنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ ،، وفيك إنطَوَى العالمُ الأكبرَ) .

اذن قداسة الذات تستمد من المطلق، وما ادعي من ان منظمة حقوق الانسان استطاعت أن تصوغ اسس هذه القداسة لم تكن بالقدر الكافي في ايجاد مبررات اضفاء القداسة، ان المقدس هو شيء ينبع من دخيلة الكائن، انه شيء جواني يتدفق على هذا العالم الخارجي، فالذات حافلة  بالابعاد الروحية ، وتنطوي على الكثير من الامكانات والاحاسيس والحالات الوجدانية، فقط هي تنتظر من جديد من يفعل ويزخم ويبعث الحياة فيها، ان الامكانات الروحية لدى الانسان عبارة عن ديمومات مستمرة لا يمكن ان تنضب، لقد لازمت الانسان منذ لحظة وجوده على هذه الارض، وراحت تتجلى في اشكال متنوعة وتجارب متعددة، كل ذلك كان يهدف الى اضفاء المعنى  على حياتنا، والشعور بقداسة هذه الذات التي تدعونا اليها خصلة الاحترام الموجودة قي ذواتنا، ومن ثم الوصول الى الكائن الاقصى التي تحلم به البشرية، ان انتظار قدوم الكائن الاسمى روجت له الثقافات والحضارات المتنوعة، ولا زالت البشرية تطوق الى انبثاق هذا الكائن، وتنتظر قدومه، انه الحلم الذي يراود البشرية بكل اطيافها الاجتماعية، وخصوصا اولئك المميزون من النخب الفكرية والفلسفية، لا زالت البشرية ترنو دائما نحو تحقيق هذا الهدف الاسمى، وهو قدوم الانسان الكامل، هذا الانسان الذي له بعد حضاري عالمي لا يقتصر على فئة دون اخرى، انه حلم البشرية وغاية الانسانية، فالانسان المقدس قي كل ابعاده، هو الانسان المرتبط بالمطلق، وحده قادر ان يحيا خارج اطار الرغبات والاهواء والصراعات المقيتة، وان يعطي لهذه الحياة قيمتها القدسية، انه مسعى كل البشرية، خصوصا اولئك الذين لا حول ولا قوة لهم سوى صدقهم واحلامهم ” وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” الاستضعاف الذي يشعر الانسان بحجم الكوارث والمآزق التي تعاني منها البشرية، وتحتاج الى اعادة صياغة على اساس استعادة القداسة للانسان.

(الشيخ محمد ضيا)

السابق
خروج الاكراد: كيف يمكن لاستقلال الاكراد أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط؟
التالي
“يمكننا الوصول في أي ليلة”: أردوغان يحذر الأكراد العراقيين من الغزو

اترك تعليقاً