العراق

الاستفتاء في كردستان: مقامرة محفوفة بالمخاطر في منطقة متقلبة.

أدلى ما يقرب من 93٪ من الناخبين المؤهلين في كردستان بأصواتهم لصالح الاستقلال. وعلى الرغم من أن الاستفتاء غير ملزم من الناحية القانونية، فإنه يمثل مرحلة جديدة وخطيرة في العلاقة بين أربيل وبغداد، مما قد يعرضها لخطر الحرب الأهلية.

 

ضرورة اقتصادية واستراتيجية

كانت البراغماتية، بدلا من الأيديولوجية، هي التي دفعت الرئيس بارزاني إلى الدعوة إلى استفتاء استقلال كردستان. بالنسبة لبرزاني، كان ذلك ضرورة اقتصادية واستراتيجية، وفرصة قد لا تأتي مرة أخرى، كما سبق أن اوضحنا  .

والأسباب الاقتصادية واضحة: إن كردستان تمر بأزمة اقتصادية كبيرة بسبب صراعها مع بغداد. نص دستور 2005 على أن الحكومة المركزية العراقية ستعيد أجزاء من عائداتها النفطية الكردية إلى حكومة إقليم كردستان. غير أن بغداد أوقفت تلك المدفوعات – التي تمثل حوالي 17٪ من الميزانية الوطنية – بعد قرار أربيل تصدير نفطها مباشرة إلى الأسواق الدولية. ونتج عن ذلك انخفاض في مرتبات المسؤولين الأكراد بنسبة 40٪، بما في ذلك رواتب القوات المسلحة الكردستانية، البيشمركة. ويمكن النظر الى الاستفتاء على انه محاولة من جانب بارزانى لتعزيزموقفه فى المفاوضات المستقبلية مع بغداد بافتراض ان الحكومة المركزية ستكون مستعدة لتقديم تنازلات فى مقابل تجنب الانفصال.

من منظور استراتيجي، في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، سمح رفض الدول الغربية بنشر قوات على الأرض للبشمركة أن تصبح قوة عسكرية كبيرة مفيدة جدا للتحالف. وقد عززت هذه القوات الكردية وسمحت لها بالسيطرة على إقليم كبير في حين بقيت على مقربة من الولايات المتحدة. يعرف بارزاني أنه مع سقوط وشيك لداعش، ومع رحيل الجيش الأمريكي من المنطقة، فإن إعادة التوازن بين النفوذ والسلطة لن تعود لصالحه. ويمكن حساب الاستفتاء لضمان الحماية الدبلوماسية الأمريكية لكردستان إذا كان الصراع مع بغداد يميل نحو التصعيد العسكري، حيث أن دور البيشمركة لا يزال بالغ الأهمية في الائتلاف، والقتال ضد داعش لم يتوقف تماما.

 

معضلة في منطقة متقلبة

وعلى الرغم من ان بارزاني اعتبر ان الاستفتاء سيؤدي الى مكاسب اقتصادية واستراتيجية، الا انه ليس هناك اي دليل حتى الان على ان هذا سيؤتي ثماره. وقال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بعد أن أعلن ان الاستفتاء غير شرعي، أن أي محادثات ستعتمد على إلغاء تصويت الاستقلال، وهو أمر مستحيل سياسيا على برزاني. وطالب العبادي بأن تعود حدود كردستان والمطارات الدولية إلى سيطرة الحكومة العراقية بنهاية الأسبوع. وفي الوقت نفسه، طلب البرلمان من رئيس الوزراء أن يأمرالقوات بالتوجه إلى المناطق المتنازع عليها.

إذا اندلعت الأعمال العدائية، فإن الموقع الأكثر احتمالا سيكون كركوك. إن جعل كركوك تحت السيطرة الكاملة أمر حيوي للحكومة المركزية العراقية. ولا يزال العراق دولة مقسمة وفاشلة ويحتاج بشدة الى السيطرة على المنطقة الغنية بالموارد لمحاولة توطيد وحدة البلاد. ومن ناحية أخرى، فإن كردستان تحتاج أيضا إلى كركوك، حيث أنها لا تستطيع تحقيق استقلال حقيقي دون الموارد الاقتصادية للقيام بذلك. هذا الوضع معضلة يمكن أن تضيء شرارة في المنطقة التي هي بالفعل برميل بارود.

كردستان هي منطقة غير ساحلية محاطة بالدول التي تعارض بشدة دولة كردية مستقلة. وقد أغلقت إيران حدودها البرية وحظرت الرحلات الجوية من وإلى كردستان. وتعتزم تركيا، الشريك الاقتصادى الاقليمى الرئيسى لكردستان، اغلاق خط انابيب كركوك – جيهان، الذى يعد خط انابيب النفط الدولى الوحيد فى كردستان.

تركيا تكسب حوالي 7 مليارات دولار سنويا من التجارة مع كردستان، ولكن تركيا لن تتردد في تعريض هذا التدفق المالي للخطر بدلا من المخاطرة بالمطالبات يالاستقلال المعاد تنشيطها من قبل الأقلية الكردية في تركيا. يمكن أن تصبح كردستان مستقلة دعما دبلوماسيا للتمرد الكردي في تركيا (حزب العمال الكردستاني) وقاعدة لعملياته العسكرية. وقد أمر الرئيس أردوغان بالفعل بنشر قوات على الحدود مع كردستان.

 

على حافة الحرب الأهلية؟

ومن المتوقع حدوث ارتفاع في الخطابات العدائية والتدابير الرمزية في أعقاب الاستفتاء مباشرة، حيث تسعى جميع الأطراف إلى الحصول على أقوى موقف. إن انتهاء المواجهة الى المفاوضات أو الصراع العسكري المباشر يعتمد على مدى سرعة إقناع أربيل وبغداد بالتوجه إلى الطاولة، على الأرجح من خلال ضغط من الولايات المتحدة. وكلما طال أمد حالة عدم اليقين، كلما زاد احتمال نشوب الصراع.

 

 

أنس عبدون

جلوبال ريسك إنسايتس

28 سبتمبر 2017

 

 

السابق
صاحب السمو مسعود آل برزان رئيس اقليم كردستان
التالي
ماذا بعد التصويت على الاستقلال الكردي؟

اترك تعليقاً