فكر ديني

الامام المهدي: الأمل والغاية (1)

قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)
أنّ هذا المولد الشريف يمثّل ولادة دولة الحق المطلق والعدل المطلق الذي أراده الله سبحانه وتعالى لمسيرة الإنسان التكامليّة، وهي الدولة الذي سعى الانبياء على مدار تاريخ دعوتهم المباركة الى اقامتها, باعتبار انها تمثل تطلعاتهم وطوحاتهم , نصرة للمؤمنين والمستضعفين في الأرض, وتجسيدا لارادة الله سبحانه وتعالى, هذه الإرادة التي اقتضت منذ اللحظة الأولى لوجود الكائن البشري ان ينعم بهذه العدالة, والى ذلك أشار القران الكريم:( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

ان الوعد الإلهي بسيادة العدالة على كل مظاهر الحياة الإنسانية, والاستخلاف المطلق للصالحين من عباد الله, قد اكدته الكثير من الروايات والنصوص القرآنية, والى ذلك أشار القران الكريم: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ).

واسمحوا لي ان اتوقف عند هاتين الكلمتين (عِبادِيَ الصَّالِحُون)َ،فما المقصود من عباد الله وما المقصود من الصالحين؟

ان إضافة كلمة العباد إلى الله معناه ان هؤلاء العباد متصفين بالايمان والتوحيد، أي انهم عباد مؤمنون وموحدون , وليسوا أي عباد!
اما كلمة الصالحين فان لها معنى واسع، انهم العباد المؤهّلون على مستوى عال في كافة الميادين التي ترتبط بالكمال الإنساني, سواء من ناحية التقوى، والعلم والوعي، اومن ناحية القدرة والقوّة، اومن ناحية التدبير والتنظيم والإدراك الإجتماعي.
اذن الاستضعاف في الأرض ليس سببا وحيدا للاستخلاف في الأرض, بل لا بد ان يتحقق معه الايمان أولا, وكسب المؤهلات الكمالية ثانيا, وحين احياء هذين الاصلين, فان الله سيساعد المستضعفين وينصرهم على اعدائهم ويمكن لهم في الأرض, لكي يصلوا الى وراثة الأرض وحكمها كما أشارالى ذلك القرآن الكريم.

هذه الحقيقة وهي سيادة العدالة في نهاية المطاف وبعيدا عن الرؤية القرآنية, حقيقة تنسجم مع فطرة هذا الكون, ومسيرة الوجود وحركته, ومن خلال نظرة عامة لمسيرة الوجود وفهم ما يعتريها من أنظمة تسير وفقها, فان الاعتقاد بسيادة العدالة في نهاية المطاف, لهي قضية تنسجم مع مظاهرهذا الوجود وحركته.

تعالوا نتأمل في هذا الكون: في الإنسان، في النباتات، في الحيوانات، في مختلف معالم هذا الكون، نلاحظ أنّ هناك مسيرة تكاملية في حركة هذه الموجودات.

فالإنسان يكون نطفة ثمّ يتكامل تدريجياً حتى يصبح إنساناً عاقلاً رشيداً قادراً على أداء المهمّات الصعبة، وهذه الشجرة الكبيرة تكون نواةً بسيطة ليس فيها من معالم الحياة شيئا ثمّ بعد ذلك تتكامل حتى تصبح شجرة كبيرة يانعة مثمرة.. وهكذا في الحيوانات وفي كل مظاهر الوجود. اذن الموجودات دائما تسير في عملية تكاملية تمثل الغاية من خلقها, والا كانت الأشياء مخلوقة عبثا.

وما يعنينا ان نتناوله هو الكائن الإنساني بوصفه يمثل المشروع والوكيل الإلهي في عملية الاستخلاف, ان الانسان في لحظة خلقه الأولى, وفي محطاته التاريخية الاولى لم يكن يملك سوى الاستعدادات والقابليات التي تؤهله لكي يكتشف اسرار الاستخلاف, والاستخلاف يتحقق في جانبين , جانب يرتبط بعمارة الأرض, وجانب يرتبط بإنجاز التوحيد.

الجانب الذي يرتبط بعمارة الأرض وظيفته اكتشاف الاسرار الطبيعية التكوينية للاشياء. والجانب الذي يرتبط بإنجاز التوحيد. وظيفته اكتشاف الاسرار الفكرية التي تحتاج الى جهد وتراكم معرفي واسع, فاذا يولد الانسان صفحة بيضاء وليس لديه سوى الاستعداد للمعرفة,ثم يقوم في عملية الكشف والفهم لحقائق الوجود ,والى هذا أشار القرآن الكريم:( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

ان هذه الاكتشافات تخضع لعملية اختبار هائل تحتاج الى زمن طويل من اجل نيلها والوصول الى تطبيقها وممارستها, لقد قطعت البشرية اشواطا هائلة من المشقات والصعوبات حتى استطاعت ان تصل الى ما وصلت اليه,كل ذلك كان بداعي توفير الحياة الاصلح والاكمل التي تضفي على وجوده السعادة والمعنى والاطمئنان, وكان على راس تلك الأولويات في هذا الجانب إيجاد الشروط الاجتماعية الكفيلة في انتاج ارقى صيغة لنظرية عدالة تحافظ على حرية وكرامة الانسان باعتبارها القيمة العليا وباعتبار ان العدل قضية تنشدها المجتمعات البشرية منذ فجرها الباكر,اذن مسيرة الكائن هي مسيرة تطور وتكامل,تلحظ في الدرجة الأولى الجانب الاجتماعي الذي يرتبط بالعدل لما له من تأثير في حماية الكائن وتوفير الامن والأمان له بحيث يصبح قادرا على تلبية طموحاته.

ولذلك يصبح من الطبيعي أن تكون مسيرة الإنسان تكاملية ذات بداية صغيرة محدودة ضعيفة، ثمّ تتدرج هذه المسيرة في مجمل حركتها حتى تصل إلى مرحلة الكمال المطلق المتمثل في دولة الحق التي وعد الله سبحانه وتعالى بها عباده.

 

(الشيخ محمد ضيا)

 

السابق
الولاية نعمة الحريات والحقوق
التالي
مع اقتراب الاستفتاء، ينتظر الأكراد المزيد من المساعدات العسكرية الأمريكية.

اترك تعليقاً