فكر ديني

الامام المهدي: الأمل والغاية (2)

أنّ هذه الرؤية البسيطة لحركة الانسان في التاريخ تجعل من قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه ووجود هذه الدولة ووجود هذه الوراثة المطلقة تجعلها أمراً منسجماً مع مختلف الظواهر الموجودة في هذا الكون.

وأيضاً يمكن أن ننطلق في فهم هذه القضية  قضية الإمام المهدي وقيام دولة الحق المطلق ، من أبعاد متعدّدة، هي في عمق النظريّة الإسلامية والفهم الإسلامي لهذه الحياة.

ولا بد من الإشارة في هذا الجانب إلى عدّة نقاط رئيسة ومهمّة، تشكّل بمجموعها هذه الرؤية وهذا الفهم لقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه:

النقطة الأولى: (العدل):  وهي ترتبط بالعنوان الرئيسي لقضية وحركة الإمام المهدي عجل الله فرجه،  فالنقطة المركزية والعنوان الرئيسي لقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه هي قضية العدل.

ولذلك فان الهدف من ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه هو العدل ولذا ورد في الحديث انه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهذه هي المهمّة الرئيسة التي يقوم بها الإمام المهدي عجل الله فرجه.

فدولة العدل, التي يقيمها الامام لا تكمن خصوصيتها في تطبيق العدالة,أي عدالة؟! ان نوعا من العدالة قد تجسدت قبل وبعد الامام, لكنها عدالة محدودة سواء من ناحية الكيف او الكم أي ان وجدت انما وجدت في بقعة محدودة, وليس على مستوى كافة الأرض، هذا من ناحية الكم اما من ناحية الكيف أي القدرة على اكتشاف ارقى الأنظمة وتطبيقها تبقى محدودة بحدود الكائن, لان الانسان لا يستطيع ان يتخطى رغباته الشخصية في التطلعات والممارسة ما لم تكن هذه الذوات ذواتا فريدة استطاعت ان تتخطى رغباتها المحدودة وذلك من خلال التطلع الى افق وعالم اخر كانت قد ارتبطت به مسبقا, يعينها على تجاوز كل ماهو آني ومحدود, لذا ظلت البشرية تعيش حالات الخوف وانعدام الاطمئنان، ما ولد لديها حربين عالميتين في اوج تطور ورقي البشرية المادي والمعرفي ,لذا هي تحتاج الى شخصية من نوع اخر شخصية قد تم صنعها من قبل الله سبحانه وتعالى وتحت نظره ورعايته لكي تستصيع ان تأخذ  البشرية الى بر الأمان, شخصية لها من الخبرة والغوص والدراية في قضايا الوجود والانسان, شخصية قادرة ان تتجاوز رغباتها وبالتالي يجعلها قادرة على تجاوز هذا الكم الهائل من التناقضات والصراعات التي وصلت اليها البشرية.حينها تكون قادرة على تجسيد العدل في صيغته النهائية, وان تصل بالبشرية نحو النهايات الأخيرة, بسلام واطمئنان, وذلك من خلال إزالة كل مظاهر الخوف والقلق من الحياة الإنسانية.

وهذا هو الوعد الإلهي الذي وعد الله سبحانه وتعالى به نبيّه في القرآن الكريم على أنّه يتم في الأمّة الخاتمة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ثم قال: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ).

فاذا قضية الامام  ليست اي استخلاف في الأرض, انه الاستخلاف في ارقى كماله واسمى صوره، الصورة التي يحصل بسببها التمكين المطلق لهذا الدين,وذلك بان يتجسد تاما  دون ان يعتريه أي نقص وتشويه،  حينها تستطيع البشرية ان تحقق الوظائف والغايات التي خلقت لاجلها, وبذلك تحقق مشروع الاستخلاف الإلهي، وتكون المصداق الأبرز لهذا المشروع الرباني في ارضه.

النقطة الثانية: (الانتظار):

وهي التي يتميّز بها شيعة أهل البيت سلام الله عليهم، ويتميز بها أتباعهم كذلك، وهذا التميز هو الذي أعطاهم فرصة أن يكونوا هم الممهدون لدولة الحق، وهو الهدف الذي وضع أمام مسيرة البشرية وحركتها ، وهو أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، هذا الهدف أصبح عنواناً وشعاراً أمام كل اتباع مسيرة أهل البيت سلام الله عليهم.

و(المنتظرون) صفة رئيسية يجب أن يتصف بها أتباع أهل البيت سلام الله عليهم، وهذا واجب من الواجبات الشرعية التي نغفل عنها أحياناً، بمعنى أنّ بعض الناس يعرف أنه مثلا من واجباته الصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الواجبات التي فرضها الله سبحانه وتعالى، لكن يغفل عن باله أن يكون هناك واجب آخر هو من أفضل الواجبات، وهذا الواجب هو أن يكون في حالة الانتظار لتحقق هذا الهدف الكبير المتمثّل بالإمام المهدي عجل الله فرجه.

معنى وقيمة الانتظار:

ان الانسان لديه الكثير من الطموحات والاحلام, والتي يحول الواقع المرير دون تحقيقها، وهي نوعان نوع يرتبط به مباشرة ونوع يرتبط بقضايا الإنسانية بشكل عام، وهذا المقياس خاضع لطبيعة هذه الذوات ومدى حجم تميزها وفرادتها وتحمل مسؤولياتها, والانتظار والامل بسيادة العدل يوما ما يشكل دافعا هائلا وباعثا قويا نحو التمسك به والسعي دوما الى تحقيقه , الامل الذي يغمر هذه الشخصية وهي تشعر ان الظلم لا محالة زائل وان الحق هو المنتصر في نهاية الامر, انه يعطيها زخما ودفعا قويا, لانها تتحسس مدى حجم العناية والرعاية التي تساندها في مسيرتها وحركتها نحو إقامة العدل والحق. وتساعدها في تهيئة الشخصيات والنماذج الكاملة, القادرة على محو الباطل , وهناك لفتة غريبة عجيبة من القران الكريم الى هذا المعنى , حيث يعتبر ان الباطل مهما سيطر وعلا فان مصيره الزوال بحيث لا يبقى منه اثر ولا ذكر على الاطلاق,وهذا يحث ويدفع المؤمنون الى بذل الجهود, حينما يشعرون انهم منتصرون لا محال, والى ذلك أشار القران الكريم:( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

اذا كانت حركة الامام تمثل نهاية الشوط البشري , وتتويجا لكدحه نحو الله سبحانه وتعالى, فما هي الإنجازات والفتوحات التي ستتحقق على يديه, وفي ظل سلطانه.

انّ ما يتحقق على يد الإمام عليه السلام من فتوحات في علوم القرآن وما يتصل به من علوم آل محمد عليهم السلام سيمهد الطريق لإحداث ثورة علمية في طرق البحث والاكتشاف وهذا يكون على مستويين :

مستوى العلوم الطبيعية, ومستوى العلوم الانسانية والفكرية, حيث سيساعد هذا الفتح من قبله في الكشف وبشكل كبيرعن خفايا العلوم الطبيعية والإنسانية, وبالتالي تحقيق نقلات نوعية على طريق البناء والتقدم بحيث يمكن للبشرية بلوغ النعم الباطنة التي لم تستطع كل الأقوام السابقة بلوغها والمشار إليها في قوله تعالى: (ألَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً).

إنّ عجز الأقوام السابقة عن بلوغ النعم الباطنة ما هو إلاّ نتيجة طبيعية لما يعلمون, فهم (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنياْ وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).

فالمؤهّلون إذن لبلوغ النعم الباطنة هم فقط سالكوا الطريق إلى الله العارفون بحقه، المستحقون للظفر بأسراره من معارف وعلوم لتطويعها في بناء أرضه، والظاهر أنّ هذا لا يكون إلاّ في ظل الحضارة المهدوية بعد أنْ يقوم الإمام عليه السلام بالكشف عن هذه الأسرار.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: (إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس الأنام فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم). ليتحقق مصداق قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ). وتتحقق جنة الله في الأرض التي طالما حلمت بها البشرية (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا). وبذلك تكون البشرية قد حققت غاياتها القصوى, هو السير نحو الله سبحانه وتعالى، من أجل التماس قيم الحق والكمال, والى ذلك أشار القرآن الكريم ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ).

 

(الشيخ محمد ضيا)

السابق
لا، لا يمكننا اسقاط  صواريخ كوريا الشمالية
التالي
 مقبرة الغرباء: شاهد تاريخي على زمن النفي والإغتراب لأدباء وعلماء العراق

اترك تعليقاً