العرب والعالم

الانتفاضة الإيرانية ونقطة اللاعودة… ما تأثير الحراك على مستقبل النظام؟

كانت أزمة البنزين الإيراني معروفة للحكومة والمحللين الاقتصاديين، فوفقاً لتصريحات رئيس الشركة الوطنية للنفط، فإن الاستهلاك الداخلي للبنزين زاد بما نسبة 38.8% منذ عام 2017، ليصل إلى ما يقرب من مليوني برميل يومياً، ومن المتوقع أن يزيد بما مقداره 400 ألف برميل يومياً بحلول 19 مارس (آذار) 2020.

من الواضح أن النظام يواجه نقصا في البنزين، كما لم تنجح المحاولات لتشغيل مصفاة في محافظة هرمزجان جنوبي البلاد لمواكبة زيادة استهلاك البنزين، حيث تعثر هذا الإنتاج بالكامل على الرغم من جميع المحاولات التي بذلها بيجان زنغنه وزير النفط الإيراني .

أما الخيارات أمام المسؤولين كانت إما زيادة سعر البنزين بنسبة 300٪. أو تقنين العرض حسب الكمية المتاحة، كما كان الخيار الآخر هو شراء البنزين من العراق وهو أرخص قياسا بسعره في إيران، لكن هذا من شأنه أن يكلف الحكومة على الأقل دفع ستة أضعاف سعره لذلك، يكذب روحاني عندما يقول إن الهدف من زيادة سعر البنزين هو من أجل “زيادة حصة الفقراء أو مساعدتهم”، فالسبب هو أزمة اقتصادية عامة، حيث لا تملك الحكومة الإيرانية أموالا لشراء البنزين، على الرغم من أن لديها الكثير من النفط الخام حيث لم تتمكن من تصديره إلى الخارج وفي الوقت نفسه ليس لديها القدرة على التكرير ناهيك عن أن نسبة كبيرة من البنزين الموجود يصرف لأغراض العسكر.

فكان النظام يتوقع غضب الناس ورفضه لذلك القرار، كون زيادة سعر البنزين كان بمثابة الفتيل الذي فجر برميل البارود، ومن المشكلات المتراكمة خلال العقود الأربعة الماضية.

في الواقع أن زيادة سعر البنزين بهذه الطريقة الجنونية سوف ينعكس على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية للناس، كما يترك أثره السلبي على جميع المبادلات التجارية الصغيرة والكبيرة منها، وينعكس حتى على سيارات الأجرة التي هي الوسيلة الوحيدة سواء للكسب أو تنقل الأفراد من ذوي الدخل المحدود، الأمر الذي يعد سببا مهما من أسباب هذه الانتفاضة. حيث وجد المواطنون الذريعة للتعبير عن غضبهم ضد السياسيات الاقتصادية والسياسية التي ينتهجها النظام.

وعلى الرغم من أن هذه الانتفاضة الموجهة ضد النظام شملت أكثر من 300 قتيل وأكثر من 7 آلاف جريح من متظاهرين، لكن النظام لم يتمكن من إخمادها، خصوصا أن ما يجري في العراق ولبنان من مظاهرات أعطت زخما قويا لهذه الانتفاضة، خاصة أن المتظاهرين في هذين البلدين على وشك تحقيق نجاح في معركتهم ضد حكومات فاسدة وعميلة، من هنا لم يكن أمام النظام من وسيلة إلا التصدي للحركة الاحتجاجية بكل ما لديه من أدوات قمع، لذلك عمد إلى قطع الإنترنت وجميع وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها المتظاهرون.

ولعل ما يميز هذه الانتفاضة عن الانتفاضة التي وقعت عام 2009 وعرفت بـ”الحركة الخضراء”، كانت محصورة في العاصمة طهران، وهي تعبير عن الخلافات بين الأصوليين والإصلاحيين في عدم كسب الدعم من الشعوب غير الفارسية بسبب عدم اهتمام الإصلاحيين والمحافظين بمطالبها.
لكن هذه الانتفاضة كانت عامة وشاملة وشاركت فيها الشعوب غير الفارسية من عرب وكرد وبلوش وآذريين وتركمان حيث طالبوا بحقوقهم القومية المشروعة، كما انضم الى الاحتجاجات جميع الشرائح الاجتماعية في إيران وذلك من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية .

أما بالنسبة للشعب العربي الأهوازي، فقد كان السباق في المشاركة في هذه الانتفاضة، فشرارتها أعقبت قتل الشاعر العربي المعروف والمحبوب لدى الأهوازيين حسن حيدري.

من خلال حضوري في غرف الدردشة في شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية للحصول على آخر الأخبار حول المظاهرات، استنتجت أن الشعوب الإيرانية مصممة على اغتنام هذه الفرصة لإسقاط النظام، ولكن لابد لي من الإشارة إلى أن قطع شبكة الإنترنت له الأثر السلبي على تبادل الأخبار وتكوين القيادة من الداخل. ومع ذلك، فإن إغلاق الإنترنت هو سيف ذو حدين حيث يؤثر سلبا على النظام نفسه، ويؤدي إلى شل الأعمال والحياة الطبيعية للنظام أيضا.

أعتقد أن هذه الانتفاضة ستتحول إلى عصيان مدني كامل وشامل، لأنها تقترب لنقطة لا رجعة ويوجد احتمال وقوع انقلاب عسكري من جانب الحرس الثوري، وسوف تظهر قيادات إقليمية في المدن والبلدان والمحافظات، وهذا يساعد في صعوبة إخماد الحركة.

قد لا يفهم غير الإيرانيين أن معظم المحافظات والأقاليم يتم عزلها وتنظيمها وفقاً لتصنيفات عرقية أو لغوية أو ثقافية، وهذا سوف يسهل عملية التماسك والارتباط وتنسيق بين الناس في ظل غياب الإنترنت، لا سيما أن معظم المحافظات التي لا تزال مرتبطة ببعض العلاقات الأسرية الموسعة والقوية، مما يساعد على التماسك والاستمرار بهذه الانتفاضة، كما أن هناك تنظيمات إيرانية قوية جداً ظهرت على الساحة الخارجية، وهي تمثل العرب والأتراك والأكراد البلوش والتركمان واللر والقشقائيين والأرمن والأشوريين والأقليات القومية والإثنية الأخرى.

على سبيل المثال لا الحصر، هناك تحالفان قويان في الخارج، وهما مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية والمتكون من أكثر من عشر تنظيمات. وأيضا تحالف مجلس الديموقراطيين الذي يضم أكثر من 10 أحزاب وتنظيمات سياسية أيضا، وهو يمثل العرب والأتراك والأكراد والبلوش والتركمان واللر، أقاما خطوط اتصال بينهما وحافظا عليها وكذلك مع مؤيديهما داخل البلاد.

علاوة على ذلك، ومع استمرار حالة الانتفاضة والعصيان المدني في العراق، تتعزز أواصر التضامن بين الشباب العراقيين والمتظاهرين الإيرانيين الذين يقاتلون العدو نفسه، فقد رأينا في الأيام القليلة الماضية، أن المتظاهرين العراقيين حملوا لافتات تضامنية أدانوا من خلالها قتل وتسميم الشاعر الأهوازي حسن الحيدري على يد النظام في إيران.

كما سوف نرى تضامناً مشابهاً بين السكان الأكراد العراقيين مع الشعب الكردي الإيراني خصوصا بعد أن شهدت مدينة كرمانشاه الكردية قمعا غير مسبوق راح ضحيته العديد من المواطنين.
كما شهدنا إشارات تضامن من تركمان العراق مع الأذربيجانيين وتركمان إيران، وإذا استمر هذا السيناريو على الجانب الآخر من الحدود سوف تتوفر أماكن حرة وآمنة لحماية المحتجين من قمع النظام.

بالإضافة إلى ما ورد يجب ألا ننسى هذا الدعم والتضامن الدولي الذي يشد من عزيمة المتظاهرين والمحتجين، خصوصا أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أعرب عن دعم الولايات المتحدة لهذه الانتفاضة من خلال الدعم اللوجيستي عبر تقديم، وتوفير خدمة الإنترنت للمتظاهرين، فضلاً عن المساعدات الأخرى.

إن هذه الحركة إلى درجة من القوة حتى أنها عكست إثارة إلى أقرب عناصر النظام حصلت تطورات مهمة وجديدة، تمثلت في انشقاق بعض العناصر المقربة من النظام حيث يحاولون المساعدة في فتح السجون وإطلاق سراح السجناء السياسيين أو فتح مخازن السلاح لتسليح المتظاهرين من أجل الدفاع عن أنفسهم، ولقد سمعت في العديد من غرف الدردشة عبر الشبكة العنكبوتية أنه في حالة استمرار عمليات القتل أو زيادتها أكثر مما هو الآن؛ سوف يسعى المنتفضون إلى تسليح أنفسهم ضد القوة الوحشية للنظام. وإذا كان الأمر كذلك، يمكننا أن نقول إن الانتفاضة الحالية وصلت إلى نقطة اللاعودة.

اندبندت العربي

السابق
رئاسة البرلمان توافق على استجواب رئيس ديوان الوقف الشيعي
التالي
من احتجاجات العراق ..بي بي سي تصدر تقريرا عن قنابل “الرؤوس”

اترك تعليقاً