أعلام وتراث

البابليون – الأشوريون

يطلق هذا الإسم على الأمم السامية التي نزحت من شبه الجزيرة العربية وإستقرت في وادي دجلة والفرات شمالاً وجنوباً، وهؤلاء البابليون – الآشوريون يكونون شعبة مستقلة متميزة عن باقي الشعب السامية الأخرى التي تعرف كالآتي: الكنعانيون في بلاد سوريا وفلسطين، والأراميون في الأراضي المحصورة بين الأشوريين – البابليين شرقاً والكنعانيين غرباً، واليمنيون في الجزء الجنوبي من شبه جزيرة العرب، والحبشيون في بلاد الحبشة، والعرب في بلاد الحجاز.

وليس لنا هنا أن نعرض بالتفصيل للخلاف الناشئ بين العلماء خاصاً بالموطن الأول لهذه الشعوب السامية، ولكننا نكتفي بالإشارة إلى الرأي الذي إستقر عليه أكثر العلماء فقد رجح أكثرهم أن يكون الموطن الأول لهذه الشعوب هو شبه الجزيرة العربية، ولأسباب طبيعية وإجتماعية إضطر الساميون أن يهجروا هذا الموطن الأول، ويستقروا في مواطن أخرى، ونحن لو تصورنا الحياة في شبه الجزيرة العربية وما تختص به من قسوة، وفقر، وجفاف، وخشونة، ولو تصورنا كذلك ما يبدو كظاهرة طبيعية عند الشعوب السامية من كثرة النسل لأمكننا أن نفهم في سهولة تعليل تلك الهجرات الكثيرة المتوالية التي كونت ولا تزال إلى حد ما تكون جزءاً من حياة الأمم السامية ولنفس هذه الأسباب قد وجدت عند العرب في الجاهلية تلك العادة التي نهى الإسلام عنها وأشار إليها القرآن في غير موضع، وهي قتل الأولاد خشية الإملاق، وأظننا جميعاً نذكر تلك القصة التي يرويها مؤرخوا العرب من أن أسد بن هاشم بن عبد مناف كان له وهو في حداثة سنه صديق من بني مخزوم يحبه ويلعب معه، فجاءه هذا الصديق في يوم من الأيام وشكا له مجاعة أصابت أسرته وخشي أن يكون مآل أسرته الهلاك كما كانت عادة قريش إذ ذاك حين تصيب واحداً منهم مخمصه فيخرج هو وأسرته ويضرب على الكل خباء يبقون فيه حتى يموتوا جميعاً، ولما سمع أسد هذه الشكاية من صديقه دخل باكياً على أمه وقص عليها ما سمعه فأرسلت إلى أسرة صديق ولدها بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياماً، ثم لم تجد الأسرة المخزومية ما تسد به رمقها بعد أن نفذ الدقيق والشحم فجاء صديق أسد مرة أخرى شاكياً مستعطفاً متوسلاً، فقام هاشم في قريش خطيباً ودعاهم جميعاً إلى الإشتراك في أعمال التجارة وتقسيم الربح على كل الأفراد حتى يمكن معالجة هذه العادة العربية الجاهلية، فكان هذا من هاشم بمثابة العلاج الموقوت، ولكن الإسلام قد حسم الأمر فيها فإقتلعها من النفوس إقتلاعاً وحرمها تحريماً قاطعاً.

إن أول هجرة عرفها التاريخ لهذه القبائل السامية، التي كونت فيها بعد شعبة البابلين – الأشوريين، كانت حوالي القرن السادس والثلاثين قبل الميلاد، نزحت هذه القبائل من قلب شبه الجزيرة العربية نحو الشمال، وإستمرت في سيرها شمالاً متتبعة آثار المرعى والكلأ، وباحثة عن مكان يصلح للإقامة الدائمة، وفي شمال شبه الجزيرة العربية إتجهت نحو الشرق حتى وصلت حدود مملكة السومريين التي تقدم الكلام عليها، ولعلها أقامت في ضواحي هذه المملكة القوية مدة طويلة من الزمن لا تستطيع أن تهاجمها ولا تتعمق في بلادها وحينما كثر عددها، وإزداد نفوذها، وأحست من نفسها القوة بدأت تشن غاراتها على السومريين والأكاديين وتنتزع السلطان من يدهم شيئاً فشيئاً حتى قضت على سلطانهم السياسي نهائياً حوالي القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد.

وأول جزء إستولت عليه القبائل السامية من هؤلاء السكان الأصليين هو بلاد أكاد، ثم بعد ذلك زحفت إلى الجنوب وضمت كذلك منطقة سومر وبذا أصبحت بلاد سومر وأكاد تكون مملكة سامية واحدة، إتخذ الساميون عاصمتهم الأولى في منطقة أكاد، ثم إنتقلت العاصمة إلى سومر، وأخيراً عادت إلى الشمال حيث إستقرت في مدينة بابيلونيا، ومن هنا جاءت تسمية الساميين المقيمين في هذه البيئة بإسم البابليين.

لم تقف هجرة الأمم السامية النازحة من شبه الجزيرة العربية عند هذه القبائل التي إستقرت في بلاد الأكاديين والسومريين، ولكنها إستمرت تتلاحق مع الزمن، إذ أن العوامل الطبيعية والإجتماعية التي دفعت القبائل السامية الأخرى إلى ترك موطنها الأول، إستمرت كما

هي في حرب مستمرة مع سكان الجزيرة العربية تقسو عليهم فيندفعوا أمامها تاركين بواديهم القاحلة، وباحثين عن موطن جديد تتوفر فيه شروط الحياة وتكثر فيه موارد الرزق، وأهم هجرة لتلك القبائل الأخرى حديث في حوالي القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، إذ سارت في نفس الإتجاه الذي سلكته القبائل الأولى.

تجاوزت هذه القبائل في سيرها شمالاً موطن الساميين الذين وفدوا قبلها وإتجهت إلى الجزء الشمالي من بلاد العراق حيث الحوض الأعلى لنهر دجلة، وهناك تغلبوا على السكان الأصليين، وأقاموا لهم مملكة عاصمتها مدينة أشور – Assur، ثم نقلوا هذه العاصمة فيما بعد إلى مدينة نينوى – Neniue وهنا نجد وادي دجلة والفرات من الشمال إلى أقصى الجنوب خاضعاً لسلطان الساميين ومكوناً مملكة سامية مترامية الأطراف.

بدأ النزاع السياسي في وادي دجلة والفرات يأخذ صورة جديدة، فبدل أن كان النزاع قائماً بين الساميين من ناحية وسكان البلاد الأصليين من ناحية أخرى، أصبح نزاعاً بين الساميين أنفسهم من أهل الشمال وأهل الجنوب، فطوراً يتغلب أهل الجنوب وتسمى المملكة كلها مملكة بابل، وطوراً ينغلب أهل الشمال وتسمى المملكة السامية كلها مملكة أشور، وهكذا إستمر هذا النزاع قروناً عديدة من الزمن.

ليس يعنينا هنا أن ندخل في تفصيل هذا الصراع السياسي بين بابل وأشور فتلك هي مهمة المؤرخ السياسي، ولكن الذي يهمنا قبل كل شيء هو بيان ما كانت عليه الأمم السامية في هاتين المملكتين من حضارة ورقي علمي وأدبي.

ورث الساميون في أرض الجزيرة العراقية حضارة قديمة ومدنية واسعة راقية، وهناك ظاهرة إجتماعية ينبغي ألا تغيب عنا بالنسبة للشعوب السامية: ذلك أن الإنسان السامي من طبعه أن يقبل الجديد ولكنه مع ذلك لا بد وأن يتفهمه، ويهضمه، ثم يشكله بعد ك بأسلوبه الخاص، ولا يتنازل هو عن شخصيته أبداً، وهذا عين ما حدث في بيئة العراق أو في غيرها من البيئات الأخرى التي إحتلها الساميون، فقد رأيناهم قديماً في وادي دجلة والفرات وفي بيئة الشام، ثم في بلاد الحبشة، ولكنهم ظلوا مع ذلك ساميين في كثير من أخلاقهم وعاداتهم، ومتشابهين في كثير من خواطرهم وأفكارهم وبقيت لغاتهم كذلك متقاربة، بالرغم من الخلافات الظاهرة العديدة، في كثير من مفرداتها وصيغها، وتراكيبها، ورسومها الكتابية.

ورأيناهم كذلك حديثاً في بيئات نائية مختلفة كأواسط أفريقيا، وشمالها وبلاد الأندلس، وأمريكا الجنوبية، وجزر المحيط الهندي، ولكن عوامل الشبه العديدة لا تزال تجمهم وتربط فيما بينهم، أصطبغت إذن حضارة السومريين بالعقلية السامية، وإتسعت دائرتها وتعددت مظاهرها حتى إستطاعت أن تنافس أرقى الحضارات في العالم القديم، إذ أن الحضارة البابلية كادت تكون على قدم المساواة مع الحضارة المصرية القديمة، مع ما نعرفه لهذه الحضارة من عظمه، وعمق، وإتساع. ولم يعد هناك مجال للشك في أن المصريين والبابليين قد تعاصروا، وإتصلوا، وتبادلوا كثيراً من الأفكار، والعلوم والمعارف، غير أننا ينبغي ألا نبالغ في أثر تلك الصلات وألا نذهب مذهب القائلين بأن قسماً كبيراً من الحضارة البابلية مأخوذ عن المصريين، إذ أن الواقع أن الفروق متباعدة جداً بين الحضارتين والأسس التي بنيت عليها كل من الحضارتين متغايرة تماماً، وها هي ذي بقايا الحضارتين من ناحية المباني ونظمها، والعقيدة ومراسمها، والأدب ومعالمه تشهد بوجود تلك الفروق، وهذه الخلافات، لقد كانت هذه الصلة بين شعبين متحضرين منظمين لكل منهما مجتمعه، وسياسته، ومعارفه، وأهدافه ولم تكن بين شعبين أحدهما منظم متحضر والآخر همجي بدائي، وعلى هذا فمن السهل أن نتصور مبلغ ما يكون من أثر حضارة أحد الشعبين على حضارة الشعب الآخر.

ولو تصورنا الحالة التي كانت عليها دولة الآشوريين – البابليين من نظم سياسية، وعقائد دينية، وقوانين إجتماعية لإستطعنا أن نفهم الدرجة التي كانت عليها حضارة الساميين في هذه البيئة، وسنرى عما قريب كيف كانت هذه الحضارة أساساً لكثير من الحضارات الأخرى، شرقية وغربية، وذلك بفضل تلك الأبحاث العديدة التي قامت على أساس المكتشفات الحديثة لما بقي من آثار البابليين خاصاً بالعلوم والأدب والعقيدة والقانون.

فقد إندثر كثير من معالم هذه الحضارة، ولم يبق لنا من آثارها إلا القليل، ولكن هذا القليل يستطيع مع ذلك أن يرسم لنا صورة كفيلة بتبينها وترسم معالمها حتى النواحي التي لم تكتشف، بعد آثارها.

ولنحاول الآن، قبل كلامنا عن مظاهر الحضارة البابلية، أن نبين بإختصار ماذا وجد البابليون في بيئة السومريين من نظم ومعارف حتى إستطاعوا على أساسه أن يقيموا تلك الحضارة الواسعة، والدولة الإدارية المنظمة:

ورث البابليون من السومريين والأكاديين دولة واسعة على جانب عظيم من النظام السياسي والإجتماعي، وعلى درجة كبيرة في الرقي بدولتهم الخاصة إلى مكانة تجعلها في صف أرقى الأمم القديمة، ولا في التنوع والإكثار من مظاهر حضارتهم حتى تغدو سيدة الحضارات، في كل البيئات الواقعة في غرب آسيا، وأساساً هاماً للحضارات الغربية كاليونانية واللاتينية، وجد البابليون أمامهم تربة خصبة في سهول ممتدة واسعة، وسائل الري فيها ممهده، وأنواع النبات والثمار فيما عديدة مختلفة، وجدوا أمامهم نظاماً هندسياً متبعاً في البناء فطبقوه بسهولة على مبانيهم وأقاموا على أساسه قصورهم ومعابدهم وحصونهم وقلاعهم، وجدوا نظاماً من الكتابة موضوعاً ومدروساً ومتقناً فإستغلوه مباشرة في تدوين أفكارهم ومعارفهم وعلومهم وقوانينهم، وجدوا نظاماً من النحت والنقش والزخرفة فإستعملوه في إقامة تماثيلهم، وتصوير آلهتهم وتزيين قصورهم وهياكلهم، وجدوا طرق المواصلات مرسومة بين القرى والمدن فإستطاعوا بواسطتها أن يوسعوا تجارتهم وينموا ثروتهم ويبسطوا سلطانهم ويحكموا إدارتهم، على كل البيئة العراقية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وجدوا عقيدة منظمة إلى حد ما، لها مبادئها ومراسمها، وأهدافها فوضعوا على أسسها ديانتهم وتمكنوا بعد ذلك من أن ينفذوا إلى الناحية الفلسفية من تلك المبادئ الدينية، وجدوا مبادئ الطب والفلك والرياضة فذهبوا في دراسة هذه المبادئ وتوسعوا في تحليلها وتنظيمها وتطبيقها حتى أصبحت علوماً متينة الأساس واضحة المعالم، محددة الأهداف، وجدوا آثاراً أدبية تقوم على الخرافات والأساطير وتتنازل الشعر والغناء في حالتها الأولى، فنسجوا على منوالها وأقاموا على أساسها القصص التاريخي، والشعر القصصي، والأدب الديني وهكذا في وقت من الزمن قصير إستطاع البابليون أن يكونوا لأنفسهم حضارة متعددة الآفاق، مترامية الأطراف، محكمة الصنع لا تكاد تدانيها في وقتها حضارة أخرى فيما إكتشف، إذا إستثنينا من ذلك حضارة قدماء المصريين، ولولا هذه الأسس الممهدة لما إستطاع البابليون أن يصلوا إلى هذه الدرجة العظيمة من الحضارة في خلال نحو أربعة قرون فقط، إذ أن مبدأ قيام الدولة البابلية كان في حوالي القرن الخامس والعشرين وتاريخ وصولنا إلى أوج العظمة العلمية والسياسية والإجتماعية، والقانونية كان في في أيام حكم حمورابي، أي حوالي القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، وذلك قليل جداً في تاريخ تكوين الحضارات.

من هذا العرض السريع تعدد مظاهر الحضارة البابلية، وليس من السهل أن تتنازل كل مظهر من تلك المظاهر بالتفصيل، ولكننا نخص من ذلك مظهرين إثنين لأنهما عنوان رقي عقلي وإجتماعي لا يكاد يقل عن رقي الأمم المتحضرة الحديثة، ثم نجمل الكلام على بعض المظاهر الأخرى.

قد إهتدى المنقبون حديثاص إلى كشف أثرين عظيمين من آثار تلك الحضارة، وكلاهما يدل على نشاط علمي، ورقي فكري لا يكادان يقلان عن نشاط ورقي أي أمة من الأمم القديمة الراقية.

أما الأثر الأول فيدل على ما كان لدى الساميين في هذه البيئة من حركة علمية واسعة، وحرص، ودأب متواصلين في سبيل الحصول على الكتب في مختلف المعارف الإنسانية، هذا الأثر هو ما كشف من بقايا مكتبة قديمة أنشأها أحد ملوكهم في مدينة كانت تقع في المنطقة السومرية، وبذل لها من الجهد ووجه لها من عنايته ما جعلها تضارع أكبر المكتبات في العالم الحديث من حيث الأسس والمبادئ والمناهج وإن كانت تقل عن هذه المكتبات من حيث ما صنف لها وجمع فيها من كتب.

والآن نترك الأستاذ جورجي زيدان يقص علينا ما كتبه في الجزء الأول من كتاب “تاريخ أداب اللغة العربي” تحت عنوان أقدم مكتبة في العالم “عثر النقابون على قرميدة بابلية عليها كتابة مسمارية فيها قائمة بأسماء ملوك بابل منذ أكثر من ستين قرناً، ويدل ذلك على قدم التمدن في ذلك البلد المبارك، وفي جملة أولئك الملوك ملك إسمه “شرجينا” كان محباً للعلم والعلماء، راغباً في العمارة، أنشأ مكتبة في “وركاء” من أعمال العراق سماها مدينة الكتب، وعهد إلى جال من خاصته في جمع الكتب قديمها وحديثها وأن يفسروا بعضها بالترجمة أو التعليق، وإستعان بالعلماء من سائر الأقطار لينقلوا علوم الآخرين إلى لسانهم وتدوين علومهم، وإشتغل آخرون بالشرح والتعليق – كما فعل بطليموس فيلاديلفوس بالإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، وكسرى أنو شروان في جنديسابور في القرن الخامس للميلاد، وكما فعل الرشيد والمأمون في بغداد في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وقد دون شرجينا هذه العلوم بالحرف المسماري نقشاً على الطين وهي القراميد الأشورية المعروفة.

فكانت مكتبة وركاء هذه مملوءة بالكتب اللغوية والفلكية والشرعية والأدبية وغيرها، ثم نسخت بعد إنشائها بخمسة عشر قرناً بأمر من أمير آشوري وحفظت في دار خاصة بها كما تحفظ المكاتب اليوم، وعثر النقابون بالأمس على بقايا هذه المكتبة بين النهرين ونقلوها إلى المتحف البريطاني في لندن فهي هناك إلى هذه الغاية.

من ذلك نرى أن البابليين ومن بعدهم الأشوريين قد ضربوا المثل الأول لغيرهم من الملوك في العناية بجمع الكتب، والإهتمام بالإنتاج العقلي وإنشاء المكتبات، ثم إن ما صنعوه كذلك من ترجمة وشرح وتعليق ليدل على مبلغ الرغبة في التوسع العلمي والإستزادة من المعارف الأجنبية، وما عهدنا وجود مثل تلك الرغبة في دولة لم تكن على درجة كبيرة من النظام والإستقرار والثقافة، والذي صنعته الدولة البابلية في هذا السبيل يترجم عن رغبة الطبقة الإرستقراطية على الأقل، وذوق الخواص في جمع الكتب والعناية بها، إذ أن ذوق الدولة صورة من ذوق الأفراد، وإذن فمن المرجح أنه بجانب هذه المكتبة الملكية كان يوجد عدد غير قليل من المكتبات الخاصة.

أما الأثر الثاني فيدل بلا شك على مبلغ ما كان عند البابليين من ثقافة واسعة وعقلية منظمة، هذا الأثر هو قانون حمورابي، وهو في الواقع صورة ناطقة عن الحياة العقلية في بابل، بل هو أجل أثر تهديه حضارة تلك الأمة السامية إلى حضارات العالم قديمها وحديثها على السواء، وإن الباحث ليدهش حقاً حينما يطالع ما في هذا القانون من النظرة الشاملة في أمور هذا المجتمع ومن الفلسفة العميقة في وضع كثير من أحكامه وتخير صور العقاب الرادعة لكي تستأصل شأفة الفساد من النفوس، وإن تلك الدهشة لتزداد عند الباحث حينما يقارن هذا القانون في وضعه وتقسيمه، وتنسيق أحكامه بما جاء في قانون الأنثي عشر لوحاً عند الرومانيين وبين وضع القانونين نحو من ثمانية عشر قرناً من الزمان، إذ أن الأول وضع في حوالي القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، والثاني وضع حوالي القرن الثالث قبل الميلاد.

وهذا القانون الروماني مع ضيقه، وبساطة مواده، وسذاجته، وركة عبارته قد شاد به سيسرون، خطيب الرومان، وغالي في قيمته، ودقته مغالاة جعلته ينادي بهذه العبارة المأثورة، إن ما تحويه مادة واحدة من مواد هذا القانون من فلسفة تساوي فلسفة الدنيا بأجمعها!!

إكتشف هذا القانون منقوشاً على مسلة حجرية عظيمة بالخط المسماري في مدينة السوس وهي أهم مركز في إقليم يقع في الشرق من بابل وكان يسميه اليهود قديماً بلاد عيلام، وهؤلاء العيلاميون يكونون شعباً من الشعوب الهندو – أوروبية، وكان لا يفتأ يشن غاراته المتتابعة على مملكة بابل، وفي إحدى غاراته نقل فيما نقل من أسلاب، هذه المسلة حوالي القرن الحادي عشر قبل الميلاد – بقيت هذه المسلة بما عليها من نقوش في طي الكتمان حتى جاء المنقبون من علماء الآثار وإكتشفوها حديثاً في بقايا مدينة السوس القديمة سنة 1902م، ولا تزال هذه المسلة محفوظة حتى الآن في متحف اللوفر بباريس وقد إعتبر هذا الكشف بحق فاتحة عهد جديد، إذ أنه ألقى ضوءاً عاماً على حضارة البابليين وأوضح إلى حد بعيد كيف كانت تلك الحضارة القديمة مصدراً لكثير من الحضارات التي نشأت فيما بعد ومنذ هذا الكشف قد وجدت في مختلف البلاد الأوروبية دراسات عدة حول الحضارة البابلية، من هذه الدراسات ما هو خاص باللغة، ومنها ما هو خاص بالعلوم، ومنها ما هو خاص بالقانون، وهكذا في فترة وجيزة من الزمن رأينا كتباً قد ألفت، ورسائل قد قدمت، وعلماء قد تخصصوا لدراسة هذه الحضارة العريقة، وتصدوا بينها وبين سائر الحضارات القديمة كالسومرية والمصرية واليونانية.

وقانون حمورابي مكون من مجموعة من المواد تصل إلى 285 مادة: قد قسمت ونظمت بإعتبار الموضوع لا بإعتبار العقوبة، والترتيب الذي دونت به تلك اللوائح يعتبر ترتيباً علمياً دقيقاً فهو لا يكاد يقل عن ترتيب أي قانون في أرقى الدول الحديثة فضلاً عما عرف من قوانين الدول القديمة، فهناك قسم خاص بالأملاك المنقولة، وقسم آخر يختص بالأملاك العقارية، وقسم ثالث يتناول التجارة والصناعة، ورابع يختص بشؤون الأسرة وما يتفرغ عنها كالزوج، والتبني، والإرث، وهناك قسم خامس يختص بالأضرار الجسمية، وأخيراً القسم الذي يدور حول العمل وما يترتب عليه من صلة بين المالك والأجير، وإذا كنا نسمع الآن بأن أعرق الأمم حضارة في العصر الحديث قد بدأ ينادي بمبدأ التأميم في الصناعات وفي المهن الحرة، فإننا نستطيع أن نجد صدى هذا المبدأ يتردد في قانون حمورابي، إذ أن الدولة كانت تفرض على الأطباء معالجة بعض المرضى بأجور لا تكاد تذكر.

من ذلك نرى أن شؤون المجتمع كله لم تغب عن نظر المشرع لهذا القانون فهو من ناحية يدل على عقلية مثقفة منظمة، ومن ناحية أخرى يدل على مجتمع ذي حضارة واسعة، وإدارة قوية، ورعاية شاملة، وسلطان مستتب ونفوذ كامل.

ولو نظرنا إلى هذا القانون نظرة تحليلية لأمكننا أن نلمس فيه تطوراً في العقلية البابلية وفي المجتمع البابلي على السواء، فبينما نجد قسماً كبيراً منه يعتمد على الدين الخالص وتحكيم الآلهة بين المتخاصمين شأن الشعوب البدائية التي لا تستطيع أن تفكر في وضع حدود بيئة منظمة لحسم النزاع في الأسرة أو في المجتمع، إذا بنا نرى قسماً آخر من القانون يعتبر بحق من أرقى التشريعات الإنسانية وأعظمها إستنارة وإستيعاباً، وهذا بلا شك قد جعل قانون حمورابي مزيجاً من إجراءات قضائية محكمة ومن أفظع العقوبات وأشدها وحشية، ولعل من أهم المبادئ في قانون حمورابي هو مبدأ “النفس بالنفس” وقد جاء هذا المبدأ مفصلاً في التوراة، وتناولته كذلك الآية القرآنية الكريمة، وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس… ألخ، ومن أمثلة التحكيم الآلهي هو أن يلقى بالمتهم في الماء أو في النار ويوكل أمره إلى الآلهة فإن كاان بريئاً أعانته الآلهة على النجاة، وإن كان مذنباً تخلت عنه فهلك غرقاً أو حرقاً، ولعل من آثار ذلك ما تشير إليه قصة إبراهيم في القرآن الكريم حينما حطم أصنام قومه فإتهموه بذلك وألقوا به فيها ولكنها كانت عليه برداً وسلاماً.

ولعلنا لا نتجاوز موضوع درسنا كثيراً حينما نذكر أثر هذا القانون على التشريعات الآخرى قديمها وحديثها، فذاك يدل على قوته وأحكامه، ويشير إلى مبلغ صلاحيته لمختلف الشعوب والبيئات، ولكن ينبغي ألا نبالغ في هذا الأثر، بل ندرسه ونتفهمه في شيء من الحيط والحذر، فنحن لا نذهب إلى القول بأن هذا القانون قد نسخ كله أو بعضه ونقل من بابل إلى البيئات الأخرى كبيئة العرب، أو بيئة الكنعانيين، أو بيئة اليونان، أو بيئة الروم، ولكن مما لا شك فيه أن هذا القانون قد عرف في كثير من هذه البيئات، وسمع الناس عن بعض مواده ومبادئه، وفهمت روحه ومراميه فأصبح بمثابة المصدر الذي يلهم المشرعين ورجال القانون، وفي هذه الدائرة فقط نتناول أثر قانون حمورابي فيما عرف من تشريعات في البيئات الأخرى.

عرف قانون حمورابي في بيئة الحجاز، ثم بيئة اليمن، وقد كان ذلك عن طريقين، أولاً عن طريق الصلات المتبادلة دائماً بين عرب شبه الجزيرة العربية وأخوانهم الساميين في وادي دجلة والفرات، ثانياً عن طريق البابليين أنفسهم الذين نزحوا من بابل حوالي القرن العشرين قبل الميلاد، على أثر سقوط دولة حمورابي، وتعرضها للكثير من عسف المغيرين وتخريبهم لمظاهر الحضارة في طول البلاد وعرضها.

والذي يحدث في مثل هذه الهجرات السياسية أن يكون أغلب المهاجرين من الطبقة المثقفة سواء أكان ذلك من ناحية العلم أم من ناحية الأدب أم من ناحية الدين، ولا تزال الأحداث السياسية التي تنتاب الأمم في هذه العصور ترينا صورة مما كان يحدث في الماضي حينما تغزو أمة مملكة أمة أخرى، فعلماء الألمان الذين تركوا بلادهم أثناء الحروب، ووجدوا في الولايات المتحدة وفي روسيا حماية ومقراً قد إستطاعوا أن ينهضوا بكثير من العبء في حضارة ورقي هاتين البيئتين من الناحية العلمية، والأدبية، بل ومن الناحية الصناعية، والإقتصادية، والسياسية، والعمرانية، ولقد رأينا في أثناء هذه الحرب العالمية الأخيرة كيف كانت الدول تتسابق وتتنافس في البحث عن هؤلاء العلماء وفي الترحيب بهم والعناية بشأنهم حتى يتسنى لهم البحث، والإنتاج، والإبتكار.

وقد عرفنا كذلك قديماً كيف كانت روما تفتح أبوابها للمهاجرين من علماء اليونانيين وأدبائهم وفلاسفتهم، وكيف كان هؤلاء جميعاً النواة الأولى للثقافة اللاتينية والحضارة الرومانية الواسعة العظيمة التي تأسست في روما ثم إستطاعت فيما بعد أن تنشر أوليتها على كل حوض البحر الأبيض المتوسط وفي كل البلاد المعروفة في العالم القديم، من هذا نستطيع أن ندرك في سهولة مكانة أولئك المهاجرين البابليين في المجتمع من الناحية الثقافية، ولا نجد كذلك صعوبة في إدراك ما يمكن أن يكون لهم من أثر في البيئات الجديدة التي يتخذونها موطناً ومقراً.

عن كتاب العراق وما توالى عليه من حضارات (الدكتور حسن عون)

السابق
الأكاديون
التالي
تأجيل الانتخابات خط احمر…حجج واهية غير دستورية

اترك تعليقاً