أعلام وتراث

البيئة العراقية في أول عهودها التاريخية

ليس من شك في أن العوامل الطبيعية في البيئة العراقية توحي لأول وهلة لمن ينظر إليها جغرافية عابرة بأنها بيئة صالحة للإقامة الطويلة وللحياة الرغدة، وكذلك كان شأنها منذ أقدم العصور التاريخية فقد وجد فيها الإنسان مأوى يركن إليه من قسوة الطبيعة وجفافها، وأرضاً ممهدة يعتمد عليها في ممارسة تفكيره وعمله وإنتاجه، ووادياً خصباً يجد فيه الكثير من الخيرات ولا يحس في إستغلاله بكبير عناء وهذه البيئة تشبه إلى حد بعيد بيئة وادي النيل والنتيجة الطبيعية للحياة في مثل هذه البيئات هو نشأة الحضارات ونموها على مدى الزمن، وذلك هو ما كشف عنه التاريخ بالنسبة للشعوب التي وجدت منذ القدم وعاشت في وديان الأنهار وخصوصاً عند مصابها، وذلك ما أمكن ملاحظته بالنسبة لوديان الأنهار في بلاد الصين والهند والعراق في آسيا، وبالنسبة لوادي النيل في أفريقيا، ووادي التيبر في أوروبا، ولهذا فقد كان الشبه عظيماً جداً ومن جهات متعددة بين سكان وادي النيل وحضارتهم وسكان وادي الرافدين وحضارتهم، وأول شعب عرفه للتاريخ من شعوب هذه البيئة العراقية هو شعب السومريين، نسبة إلى المنطقة الجنوبية التي كانت تعرف بإسم سومر Sumer بالقرب من المصب القديم لنهر دجلة والفرات إذ أن هذا المصب بدأ يتقدم نحو الجنوب نتيجة لإنحسار ماء البحر وتحول البحيرات الواسعة إلى سهول بالنسبة للطمي الذي ينقله ماء النهرين من الشمال كما يتبين ذلك من الخريطة المرسومة في كتب التاريخ لهذا الأقليم، ولم يكن لفظ السومريين يطلق على سكان هذه المنطقة يوم ظهروا فيها بل إستمرت مدة من الزمن لا يعرف مداها موطناً لقبائل تفد إليها مرة من الشرق وأخرى من الغرب والجنوب، والغريب في شأن هذا الشعب السومري أنه لم يعرف له أصل بالتحديد، ولا من أي جهة وصل إلى هذه البيئة: فهو لم يكن من الشعوب الأرية التي كانت تسكن بجانبه من الشرق ومن الشمال، ولم يكن كذلك من الشعوب السامية التي كانت تسكن بجانبه من الغرب ومن الجنوب، وقد إستمرت آراء علماء الأجناس والتاريخ متضاربة في أصل الشعب السومري، ولعل أوضح الآراء وأقربها إلى المنطق السليم هو أنه مكون من خليط من الجنسين، فبعض القبائل قد وفد من بلاد إيران وبعضها جاء من شبه الجزيرة العربية ومن إمتدادها في الشمال وعلى ممر الزمن قد إندمجت هذه القبائل في بعضها وتم فيما بينها من التآلف والتشابك ما جعل منها شعباً موحداً له نظامه الخاص وحياته الإجتماعية الخاصة، وذلك بحكم طبيعة البيئة وما تقدمه من إغراء في الإقامة ووسائل للحياة، ولنترك الأن جانباً الكلام عن أصل هذا الشعب السومري ولنتحدث عنه منذ عرفه التاريخ فذلك هو الذي يعنينا بالذات.

عرف التاريخ هذا الشعب منذ القرن الخامس والأربعين قبل الميلاد، وعرفه له كذلك حضارة عظيمة ذات طابع خاص، ومظاهر متعددة، كان هناك كثير من العلماء، والأدباء، والصناع، ورجال الدين، وكل هؤلاء وأولئك على إختلاف عقلياتهم ودرجاتهم في التفكير ومبادئهم في البحث والإنتاج قد إضطرتهم لوازم حياتهم وطبيعة بيئتهم إلى أعمال الفكر بجانب أعمال الجسم وإلى إستخدام كل ملكاتهم حتى يستغلوا خيرات بلادهم ويبتكروا لكل نوع من ضروريات الحياة ما يسد الحاجة، كل هؤلاء وأولئك قد تكاتفوا على تأسيس هذه الحضارة العظيمة التي عرفت فيها بعد بإسم الحضارة السومرية، وبالرغم من أن أهم مظاهر الحضارة السومرية كان وليد الحياة المستقرة في هذه البيئة الخصبة فإن الإنسان ليدهش حقاً حينما يرى بعض آثار هذه الحضارة وما كانت عليه من تقدم وإتقان في عصور تسبق ميلاد المسيح بآلاف السنين، هذا وقد حاول بعض الأركيولوجيين والمؤرخين أن يضعوا حضارة السومريين في صف حضارة الفراعنة من حيث قدم العهد والعظمة والخلود، بل ويذهب بعضهم إلى أنها وقد وصلت إلى درجة من الرقى قبل أن تكون للفراعنة حضارة في وادي النيل، وقد يتلمس المنصف بعض العذر لهؤلاء المؤرخين، ولكن يصعب عليه أن يحاربهم في هذه المغالاة، إذ أن النظرة المنصفة الدقيقة، والتحليل الواسع العميق لما إكتشف من آثار الحضارة الفرعونية يقوداننا إلى الإعتراف بأن حضارة السومريين ممثلة في هذه الآثار الفجة البسيطة المتشابهة لا تكاد تقف على قدميها إذا ما قورنت بحضارة الفراعنة الواسعة الآفاق المتعددة المظاهر المبدعة في صنعها النفاذة في تحليلها الرائعة في عظمتها المتحدية للزمن في خلودها المحيرة لعلماء العصر في بنائها وأسرارها، حتى ولو لم يكشف لنا الأركيولوجيين عن أوليات الحضارة الفرعونية، ولا عن تاريخ مبدئها الحقيقي.

ونعود الآن إلى الحضارة السومرية فنقول لعل أهم علم عندهم هو علم الهندسة المعمارية التي ظهرت آثارها بوضوح في بناء المدن، والحصون، والقلاع وهم لذلك أول الشعوب الذين إستعملوا العقد، والقباب في المباني وكان ذلك تطوراً طبيعياً للنظام البدائي البسيط في إقامة الأكواخ من أعواد القصب وزم الغاب الذي لا نزال نجد صورة منه في بناء الإخصاص والعشش في ريف مصر وقراها، ويغلب على الظن أن ما نراه الآن من نظام هندسي معماري في إقامة القباب المستعملة في بناء الكنائس والمعابد والمساجد إن هو إلا أثر من آثار فن الهندسية المعمارية عند السومريين.

وأهم مظهر لنشاطهم العقلي هو الكتابة، وهي تعتبر من أقدم الرسوم الكتابية في العالم، وتسمى بالخط المسماري عند العرب، وبالرسم ذي الزوايا عند الأوروبيين، وبرسم الأوتاد عند العبرانيين، ومصدر الخلاف في هذه التسمية هو ما يوجد من شبه بين الكتابة السومرين وهذه المسميات.

ولغة السومريين تشبه إلى حد ما لغة الفراعنة في مصر أو اللغة الهيروغليفية إذ أن كل واحدة منها تعتبر رسماً للمعاني لا للأصوات، كان السومريون يرمزون بصورة النجم مثلاً إلى الكلمة الدالة على السماء وهي “أنا – ana” أو على الإله وهي “دينجير – denjir”. وكذلك كان شأن الهيروغليفية في رسمها تقريباً، إذ أنهم كانوا يرمزون برسم دائرة في وسطها نقطة لتدل على الشمس، ثم على اليوم: وللدلالة على البقرة كانوا يرسمون صورتها، وكذلك كانت صورة الصقر تدل عليه.

غير أن لغة الفراعنة قد خطت في سبيل التقدم خطوة لم تستطع أن تخطوها لغة السومريين إذ أنهم بعد مضي زمن طويل قد إهتموا برسم النطق والأصوات بدلاً من رسم المعاني مجردة، وأصح الفم يرسم كدائرة مفرطحة وينطق “راRa” والماء كخط معرج وينطق “ني-ni”والقفل كمسمارين متلاقيين عند رأسيهما”هـ” وينطق “سي – si”، ثم أن الفراعنة بعد هذه الخطوة أيضاً توصلوا إلى رسم بعض الأصوات مجردة عن المعنى وكان ذلك بمثابة خطوة هامة في تاريخ الكتابة، إذ أنها إنتقلت بذلك من طورها البدائي الساذج إلى طور تجريدي جديد، وقد أخذ الفينيقيون رسم بعض هذه الأصوات مجردة وأتموها وكونوا الحروف الهجائية في وضعها النهائي فنسب هذا الإختراع إليهم ثم أخذها عنهم كل شعوب العالم، فآخذها عنهم العبرانيون وإستخدموها في الرسم العبري الحديث، ثم التدمريون، والنبطيون، ثم الآراميون الذين نقلوه بدورهم إلى الهنود، ثم اليمنيون وعنهم وصل إلى الأحباش، ثم الأغريقيون وعنهم أخذ اللاتينيون، وأخيراً عن الرسم الأغريقي واللاتيني تفرعت كل أنواع الرسم المستعملة الآن في اللغات الأوروبية الحديثة.

وإذا كان تطور الكتابة الهيروغليفية كما بينا إنتقالاً من رسم المعنى إلى رسم الصوت فإن الكتابة السومرية قد تطورت بدورها ولكنه تطور من نوع آخر، إذا إنتقلت من حالة تصويرها للمعنى إلى حالة رموز ترسم لنفس المعنى لا لرسم الأصوات وكان ذلك نتيجة لنوع القلم الذي كانت تكتب به هذه الرسوم، فبدل أن كنا نقرأ في الخط المسماري صور الأشياء أصبحنا نجد فيه مجموعات من الخطوط كل مجموعة منها ترمز إلى صورة من صور الأشياء، ومن هنا يظهر في جلاء الفرق بين تطور الهيروغليفية، وتطور المسمارية فالأول تطور لغوي فلسفي، والثاني تطور شكلي ظاهري.

أما مظاهر حضارتهم من الناحية الدينية فقد تجلت في بعض مفرداتهم اللغوية التي ورثها عنهم بعض الشعوب السامية التي نزحت إلى هذه البيئة وأقامت ممالك سامية على أنقاض مملكتهم، وكذلك فيما إكتشف لهم من معابد كانت تحتوي على كثير من التماثيل المتقنة الصنع، والنقوش المتعددة الأشكال مثل معبد تل العبيد، وفيما عرف لهم من مراسيم دينية كانت تقام في المواسم والأعياد، وفيما أثر عنهم من دعوات وأغاني كانت ترتل تقرباً إلى الآلهة وتخلصاً من أدران الدنيا وملاذ الحياة.

ثم أن بعض الباحثين فقد أثبت وجود صلة قوية بين الحضارة عند العبريين وحضارة السومريين من الناحية العلمية، وقد إعتمدوا في ذلك على ما جاء في مزامير داود خاصاً بتلك الإشارات العلمية ولعلنا نستطيع أن ندلل كذلك على حضارتهم بوجه عام، وذلك بواسطة ما وجد لهم من نقوش وصور، ثم من تحف وتماثيل قد لا تقل في إتقانها وروعتها عن غيرها من الآثار التي وجدت عند الأمم الأخرى، فما عثر عليه تمثال صغير من النحاس على شكل ثور، ثم إن المنقبين قد عثروا في مدينة أور على رأس بقرة مصنوع من الفضة وذلك في مقبرة الملكة شب- آد، ويعتبر هذا التمثال آية فنية رائعة، أما الصور والنقوش فقد وجد منها عدد كبير في آثارهم بعضها عن طريق الرسم والبعض الآخر عن طريق الحفر، وإذن فقد إستطاع السومريون بفضل ما نعموا به من حياة الإستقرار وخصوبة الأرض ووفرة الخيرات أن ينشئوا لهم حضارة متعددة المظاهر تتناول نواحي الحياة من سياسة وإقتصاد ودين.

وقد بقيت هذه الحضارة في إزدهارها وتطورها نحواً من عشرين قرناً من الزمن، فكانت بمثابة اللبنة الأولى في بناء الحضارة البابلية الواسعة وفيما جاء بعدها من حضارات، ومن هنا نتبين فضل السومريين على الشعوب الذين ورثوهم، وأسسوا دولهم على إنقاض دولتهم.

عن كتاب العراق وما توالى عليه من حضارات (الدكتور حسن عون)

السابق
بغداد تلغي اللغة الكوردية في البطاقة التموينية الجديدة …وكردستان ترفض استلامها
التالي
الأكاديون

اترك تعليقاً