أبحاث ودراسات

التهديدات الارهابيّة لن تنتهي مع هزيمة داعش

منذ تشرين الأول / أكتوبر، بدا أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على وشك الهزيمة. ومع ذلك، حتى لو لم يعد داعش للظهور، فإن الولايات المتحدة ليست أكثر أمنا ضد التهديد الجهادي مما كانت عليه في الماضي.

داعش ليست سوى واحدة من مئات الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تشكلت منذ عام 2011. كل هذه الجماعات لها أهداف مماثلة تتمحور حول خلق الخلافة العابرة للوطنية باستخدام القوة العسكرية، وجميعها ترى الولايات المتحدة تقف في طريقها. في حالة هزيمة داعش، فإن العديد من المنظمات الجهادية السلفية الأخرى ستكون على استعداد لتحل محلها طالما استمرت الظروف التي أدت إلى ظهور الجماعة.

وكان أحد الاتجاهات الرئيسية على مدى السنوات الست الماضية ظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تقاتل في الحروب الأهلية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة. وبحلول عام 2016، شكلت الجماعات السلفية الجهادية حوالي 35 في المائة من جميع الجماعات المسلحة الرئيسية في العراق، و 50 في المائة من الجماعات المسلحة الرئيسية في الصومال، و 70 في المائة من الجماعات في سوريا.

والسبب الرئيسي لصعود المنظمات الجهادية هو الزيادة الحادة في عدد الحروب الأهلية في البلدان الإسلامية منذ عام 2001. تاريخيا، أثبتت الحروب الأهلية أنها أرض خصبة لهذا النوع من التطرف. والواقع أنه طالما استمرت الصراعات الحالية في تشاد والعراق وليبيا ومالي ونيجيريا وباكستان والصومال وسوريا، فإن المتمردين الإسلاميين الذين برزوا في هذه الحروب سوف يستمرون أيضا.

فالحروب الأهلية تخلق دولا ضعيفة أو فاشلة – وهي مناطق رمادية – حيث يمكن للجهات الفاعلة غير الحكومية أن تعمل وان تبني دعمها. هذه هي بالضبط البيئة التي بدأت  تزدهر فيها العديد من أسوأ الجماعات الإرهابية في العالم، بما في ذلك حماس وتنظيم القاعدة وداعش. واليوم، ينبع التهديد الرئيسي للقاعدة وفروعها بالكامل من الدول غير الخاضعة للحكم التي تعاني من العنف وعدم الاستقرار. ولا تزال الجهود التي تبذلها الجماعات المتطرفة لتحقيق المزيد من جذب عناصر لها تفشل في البلدان الأكثر استقرارا مثل مصر والأردن والمغرب والمملكة العربية السعودية .

وتميل الجماعات الإرهابية إلى الازدهار في الحروب الأهلية لأن بيئة عدم اليقين وانعدام الأمن هي بيئة حاضنة لها. إن الأيديولوجيات المتطرفة مثل الجهادية السلفية يمكن أن تساعد نخب المتمردين على حل ثلاث تحديات تنظيمية تسمح لها بعد ذلك بالتغلب على المجموعات المعتدلة. الأول هو المشكلة الموهنة المحتملة لاتخاذ إجراء جماعي لتعبئة الجيش والحفاظ عليه،حيث يجب على قادة المتمردين إقناع بعض الأفراد على الأقل بدفع التكاليف المرتفعة للقتال، وهو شرط يفضل معظم الناس تجنبه. وعادة ما تحاول منظمات المتمردين التغلب على هذه المشاكل عن طريق تقديم مكافآت خاصة للمجندين في شكل أموال أو أمن أو إمكانية الوصول إلى النهب. لكن الجماعات المتطرفة، وخاصة تلك القائمة علي العقيدة،لها ميزه خاصة لأنها يمكن ان تقدم تعويضات رخيصة ومؤجلة في شكل الاخرة الابدية أو المكافات في الجنة. ويمكنهم أيضا أن يعدوا بنوع من العقاب الشخصي الذي يمكن أن يكون مدمرا (لعنة أبدية في حالة المسيحية والتكفير في حالة الإسلام)، وهذا اقل تكلفة لفرضها ويستحيل الهروب منها.

اما التحدي التنظيمي الثاني فيتعلق بمشكله العوامل الرئيسية ، التي تنشا عندما يتعين علي قاده المتمردين (الرؤساء) ان يفوضوا المسؤوليات إلى الجنود (الوكلاء) االذين لا يسيطرون عليهم بالكامل. ولتجنب الهزيمة ، يجب علي النخب ان تجند المتطوعين الذين سيبقون أوفياء للمنظمة حتى بعد نشرهم في الميدان. فالايديولوجيه المتطرفة يمكن ان في الكشف عن الجنود الأقل التزاما ، الأمر الذي يقلل من مشكله سوء الأداء ، والتحول الجانبي ، والخيانة. ويمكن لقاده المتمردين أيضا استخدام الايديولوجيه للاشارة إلى تفانيهم في قضية ما ، مما يسمح لهم باجتذاب المزيد من الجنود المتفانيين والمحاربين المتشددين إلى صفوفهم.

ويرتبط التحدي التنظيمي الثالث بالتزام المجموعة بالإصلاح السياسي. ومن أجل التنافس بنجاح مع الفصائل الأخرى التي تقاتل في الحرب، يتعين على قادة المتمردين طمأنة مقاتليهم ومؤيديهم بأنهم سيقاومون الفساد في حال وصولهم للسلطة. ويكتسي ذلك أهمية خاصة في البلدان التي تعاني من تاريخ من الاستغلال من قبل حكامهم الفاسدين. إن الإيديولوجية المتطرفة، ولا سيما تلك التي تتطلب التضحيات الشخصية من قادتها، يمكن أن تكون وسيلة لنخب الثوار للالتزام بمصداقية بمزيد من السلوك المبدئي في حال وصولهم للسلطة. وبإمكان هذه التحديات الثلاثة مجتمعة أن تساعد في تفسير لماذا قد يتفوق المتطرفون على الجماعات المعتدلة من حيث تجنيد الجنود والمؤيدين حتى في البيئات التي تكون فيها تفضيلات معظم المواطنين غير متطرفة.

وكل هذا يوحي بان قاده المتمردين والمواطنين المعتدلين لا يحتاجون إلى الايمان بايديولوجيه لاحتضانها. وقد ظهرت جماعات مثل داعش ، والقاعدة ، وجبهة النصرة في البلدان الاسلاميه ، لا لأن المسلمين العاديين أكثر تطرفا أيديولوجيا من بقيتنا، ولكن لان هذه هي البلدان التي يحاول المواطنون فيها خلع الأنظمة الاستبدادية التي طال أمدها  وحيث توجد حاليا الظروف التي تشجع هذه الأنواع من المجموعات.

انتشرت الجماعات السلفية الجهادية في معظم الحروب الأهلية التي اشتعلت في  البلدان ذات الأغلبية المسلمة منذ عام 2003 لأن إيديولوجيتها الخاصة تمثل ميزة جذابة للاستخدام الاستراتيجي للتطرف الذي ناقشناه أعلاه. وقد وجهت منظمات مثل داعش التي تؤكد على العدالة، والشرف، ومحاربة الفساد نداء إلى جزء كبير من السكان في البلدان الإسلامية مثل العراق وسوريا التي لديها تاريخ من الانظمه القمعية. وكان المواطنون يتطلعون إلى تأييد أولئك القادة الذين لديهم بعض الفرصة للبقاء اوفياء لدولة إسلامية عادلة، وتناولت أيديولوجيات هذه الجماعات المتطرفة مخاوف المواطنين الأكثر اعتدالا بأن قادتهم لن يصبحوا فاسدين بمجرد توليهم المناصب. وكان للغة الإسلام المستخدمة من قبل هذه الجماعات صدى لدى العديد من المواطنين الذين مزقتهم الحرب الأهلية، حتى لو كان معظمهم لا يقبلون الفكر الجهادي السلفي. وكان زعيم جماعة التوحيد والجهاد السابق أبو مصعب الزرقاوي أول من استخدم هذه المزايا لمنافسة المجموعات السنية الأخرى. وفي المستقبل، سيستخدم آخرون هذه التكتيكات أيضا.

ويعني ذلك أن المجموعات من نمط داعش ستستمر في الظهور في هذه البلدان ما دامت الظروف التي أدت إلى ظهورها مسبقا لا تزال قائمة. وهذا يعني أيضا أن هناك حافزا قويا لقادة المتمردين على تبني أيديولوجية متطرفة في أي بلد، مسلم أو غير مسلم يعاني من حرب أهلية، مع تاريخ من الفساد وقلة القيود على السلطة.

كان تنظيم داعش واحدا من المجموعات الأولى التي تمكنت من معرفة هذه الإستراتيجية، لكن المؤسف أن مجموعات أخرى يمكن أن تمشي على درب داعش.

 

بربارة. ف. والتر (فورين افيرز)

 

 

السابق
هيأة النزاهة تسترجع ملياري دينار لخزينة الدولة
التالي
امين عام الحزب الاسلامي:ندعو لموقف تحالفي بين السنة والكرد يغير المعادلات

اترك تعليقاً