فكر ديني

التوحيد: المغزى والمعنى

ان قيادة البشرية نحو السعادة والخير التي ترنو اليه، يحتاج الى المام ومعرفة واسعة، سواء فيما يرتبط ببنية الفرد وتكوينه، او ما يرتبط بالبناء الاجتماعي التي يتحدد على ضوء المعايير – الاجتماعية والاخلاقية والسياسية والاقتصادية – التي تحكم علاقة الافراد فيما بينها.

هذه المعايير لا بد وان يكون المبدأ التي ترتكز عليه يمثل ويشكل ملجأ وركنا وثيقا، يعطي لها قوة وزخما في مجال الايمان بها وتجسيدها الفعلي، ذلك المبدأ هو الله سبحانه وتعالى خالق هذا الانسان والعالم بخفاياه.

كان لا بد لهذا الانسان ان يشعر بالامتلاء بهذه المعايير، لذا كان ارتباط هذه الامور بالله وصدورها عنه يشعر الانسان بمعنى هذه الاشياء ومعنى تبديها في حياته اليومية والى هذا اشار الله سبحانه وتعالى:”قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ”.

لقد شكل الانبياء عبر التاريخ الانساني الواسطة والنموذج الاسمى في القدرة على امتثال هذه المعايير وايصالها على الوجه الاتم الى سائر البشر كي لا تفقد شيئا من قيمتها الوجودية الروحية، قال الله:”  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا”.

اذن نلاحظ ان الكتاب يمثل الخط الالهي المستقيم والمتبدي من خلال الانبياء المتميزين بالعبودية لله – انجاز التوحيد في صورته القصوى – وبذلك يمتلكون هذا الحضور الهائل في نفوس المؤمنين، ويمثلون النموذج المحتذى لكل المؤمنين، فالتوحيد معناه عدم الاستجابة للشروط الطبيعية وتجاوزالاكراهات التاريخية، التي تشكل في اغلب الاحيان عائقا اساسيا دون انجاز فعل التوحيد لدى الكائن البشري، من هنا اعتبر الحق سبحانه وتعالى مفهوم العبودية (التوحيد) الخاضع لتعاليم الكتاب، من انه الضامن لعدم اعوجاج الامة وانحرافها، والسير على الصراط المستقيم، وبالتالي القيام بكل ما يشكل صلاح هذه الامة.

بعد هذا كله نلاحظ مسألة مهمة واساسية ان الذي يشكل ضامنا لحضور هذه القيم، هو حضور المطلق فيها، فهو الذي يوقد ويشع ويضفي ويضيء ويبث في هذه الامور معنى كبيرا، ويقيم علاقة وطيدة وراسخة بين قلب المؤمن وعقله وروحه من جهة وبين هذه الاشياء، تجعل حضوره فيها وحضورها فيه قويا يحيا الانسان من خلالها وبها،هذا هو البعد الروحي الذي يجسده مفهوم التوحيد والذي يلازم الانسان في مسار حياته، ويضفي على الاشياء من حوله قيمة تجعلها حية على مدى الازمان، حاضرة في نفوسنا ووجداننا، لانها تعطي للحياة قيمتها العليا.

ان النهوض بالكائن البشري على ضوء تعاليم وهدي الرسل المستمدة من القران الكريم والتي غايتها القصوى انجاز التوحيد، من خلال السير والعودة نحو الله قال الله: “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ” يجعل من حضور الانسان في التاريخ حضورا فاعلا، ويضفي على حركة التاريخ – ساحة وميدان النشاط الانساني – غاية، فحركة التاريخ تسير على ضوء مفهوم التوحيد نحو غاية تتمثل في التماس القيم العليا للحق، وتجليها ممارسة في الاجتماع الانساني. هذا الشيء يعطي لحركة ونشاط الانسان قيمة، وان حركته ذو غاية، وليست حركة عشوائية وعبثية مفرغة من كل محتوى وقيمة قال تعالى: ” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ” بل ان غاية الانسان هو الوصول نحو المطلق التي يستحيل ان يستفذ الانسان محتواه ، ويستحيل لحركة التاريخ ان تستوعب مضامينه مهما بلغت من تطور، او حصلت من اكتشافات، فانها تبقى محدودة في حدود الكائن البشري.

لقد تاهت الكثير من الفلسفات عن هذا البعد، وبالتالي عاشت تخبطا ادخلها في فراغ على أكثر الصعد والميادين سواء ما يرتبط بقيم بالانسان او مايرتبط بالاطر والمرجعيات المعرفية، حيث انها من المفترض لهذه الاطر ان تشكل ضامنا واساسا يضفي معنى على حياة الانسان، وبالتالي وسم هذا العصر بعصر الانهيارات العلمية، واصبحت الموضة نموذجا سائدا، ارخى بضلاله على المعارف البشرية فلم تعد تشكل ذاكرة للانسان تعزز فيه الاصول والحنين اليها، فما ان نكتشف فلسفة ما حتى نتجاوزها نتاجوزها نحو فلسفة اخرى، فلم يعد للاستقرا والضمان اي حضور فاعل في حياتنا اليومية، وبااتالي تحولنا الى أنماط وانساق متكررة بفعل التقنية التي تفرض علينا مسار من العيش متشابه ومتشابك بين الشعوب.

(الشيخ محمد ضيا)

السابق
الحركة الثقافية في الحلّة:أفق المكان وفضاء المعرفة
التالي
اللعبة انتهت وفازت كوريا الشمالية

اترك تعليقاً