فكر ديني

التوحيد والعدل والإرتباط بينهما 2

وقد ساد في أوساط علماء الكلام أن أول من قال بالعدل والتوحيد، هم المعتزلة ولذا سموا” بأهل التوحيد والعدل” ولكن المتتبع لتاريخ هذه الفكرة، وتاريخ بدايتها، نجد أن بداياتها كانت عند أئمة أهل البيت، فقد اشتهر علي وأولاده عليهم السلام بالتوحيد والعدل، ومنه أخذت المعتزلة، حتى قيل:” التوحيد والعدل علويان والتشبيه والجبر أمويان”.

والنصوص المروية عن أئمة أهل البيت تشير إلى ذلك، فقد سئل عليّ عليه‌ السلام عن التوحيد والعدل ، فقال : « التَوْحِيدُ أنْ لا تَتَوَهَّمَهُ والعَدْلُ أنْ لا تَتَّهِمَهُ »

أمّا أخذ المعتزلة قولهم بالتوحيد والعدل من الشيعة، فقد أقرّ به الكثيرون، فقد ذكر ـ على سبيل المثال ـ الكعبي البلخي والقاضي عبدالجبّار المعتزلي وابن المرتضى ونشوان الحِميري ـ أنّ مذهب المعتزلة في العدل والتوحيد يستند إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، فقد أخذوا قولهم بالعدل والتوحيد عن واصل بن عطاء، وأخذه واصل عن أبي هاشم: عبدالله بن محمّد بن الحنفيّة، وأخذ عبدالله عن أبيه ابن الحنفيّة، وأخذ ابن الحنفيّة عن أبيه أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام.

وفي مورد التعليق على الحديث المذكور آنفا عن الإمام علي عليه السلام: ” التَوْحِيدُ أنْ لا تَتَوَهَّمَهُ والعَدْلُ أنْ لا تَتَّهِمَهُ ” قال ابن أبي الحديد : ” هذان الركنان هما ركنا علم الكلام وهما شعار أصحابنا المعتزلة لتفيهم المعاني القديمة التي يثبتها الأشعري وأصحابه ، ولتنزيههم الباري سبحانه عن فعل القبيح ، ومعنى قوله : ” أنْ لا تتوهمه ” : أنْ لا تتوهمه جسماً أو صورة أو في جهة مخصوصة أو مالئاً لكل الجهات ، كما ذهب إليه قوم ، أو نوراً من الأنوار ، أو قوة سارِيّة في جميع العالم كما قاله قوم ، أو من جنس الأَعراض التي تحل الحالّ أو تحل المَحَل وليس بعَرض ، كما قاله النصارى ، أو تحله المعاني والأعراض فمتى تُوُهّم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد.

وأما الركن الثاني فهو ” أنْ لا تتهمه ” : أي أَنْ لا تتهمه في أنَّهُ أَجبرك على القبيح ويعاقبك عليه ، حاشاه من ذلك ولا تتهمه في أنَّه مكّن الكذّابين من المعجزات فأضل بهم الناس ، ولا تتهمه في أَنَّه كلّفك ما لا تطيقه وغير ذلك من مسائل العدل التي يذكرها أَصحابنا مفصلة في كتبهم ، كالعوض عن الأَلم فإِنه لا بدّ منه ، والثواب على فعل الواجب فإِنه لا بد منه ، وصدق وعده ووعيده فإِنه لا بد منه. وجملة الأمر أَنَّ مذهب أَصحابنا في العدل والتوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين عليه‌ السلام. وهذا الموضع من المواضع التي قد صرّح فيها بمذهب أصحابنا بعينه وفي فرض كلامه من هذا النمط ما لا يحصى”. وابن أبي الحديد معروف بأنه معتزلي.

 

السابق
التوحيد والعدل والإرتباط بينهما 1
التالي
سماحة المرجع الكبير السيد الحكيم (مدّ ظلّه) يدعو الأطباء لأداء أمانتهم أمام الله سبحانه وتعالى ومجتمعهم

اترك تعليقاً