أعلام وتراث

الحركة الثقافية في الحلّة:أفق المكان وفضاء المعرفة

لا شك أن الظاهرة الثقافية ظاهرة أنثروبولوجية معقدة، بل شديدة التعقيد نظراً لما تنطوي عليه من عناصر ومكونات كثيرة تؤثر على نحو مباشر أو غير مباشر على الثقافة فتدمغها بسمات معينة تجعلها مختلفة بهذه الدرجة أو تلك عما سواها من ثقافة البلاد. ولذلك، لا بد للباحث فيها من أن يستقصي المؤثرات التي أسهمت في تشكيل ملامح الثقافة في مكان ما أو مدينة ما، آخذاً في الحسبان جملة هذه المؤثرات أو الأسباب؛ فهناك أسباب جغرافية ترتبط ببيئة المدينة الطبيعية، وأخرى تاريخية وإجتماعية لها علاقة وثيقة بالمكونات البشرية المتنوعة والمنسجمة التي أمضت عدة قرون في حياة مستقرة لا وجود فيها لأية منازع عدوانية بين سكان المدينة، فضلاً عن طبيعة النشاط الفكري والسياسي الذي هيمن على الحياة الفكرية فيها.

ففي مدينة الحلة التي أسسها الأمير صدقة الأسدي في العام 495 هجرية الموافق للعام 1101 ميلادية، عملت المؤثرات التاريخية والجغرافية والبيئية لسكانها على صهر مكوناتها التي أنتجت ثقافة راسخة تعيش التنوع حقيقة واقعة وتتنفس التسامح في كل فعالياتها الإجتماعية والثقافية الأساسية فالمدينة كانت حاضرة متقدمة تقع في الوسط بين مدن مهمة مثل كربلاء والنجف وبغداد والديوانية، فكانت مدينة الحلة عاصمة للفرات الأوسط منذ أكثر من قرن من الزمان، وكان لنهر الحلة من جهة وللطبيعة الغناء لغابات النخيل التي تحيط بالمدينة من كل جانب أبلغ الأثر في جعل المزاج الحلي متسماً بالإنفتاح والتسامح، كما كان لآثار بابل بما توحي به من مجد عظيم وسمة حضارية متقدمة أثر نفسي مهم في تشكيل ملامح الصلة الوثيقة بالتجربة البشرية في أقدم صورها، كما كان المكون الإسلامي ذات دور مهم في تشكيل صورة الثقافة التي ميزت بها الحلة حتى أن الحوزة العلمية قد إنتقلت إليها لفترة طويلة من الزمن.

ونتيجة للظروف الجغرافية، فقد كانت المدينة منتجعاً قريباً لمن يروم شيئاً من الترويح البريء عن النفس من المدن المجاورة بإستثناء بغداد، ففيها كانت دور سينما شتوية وصيفية، وفيها بعض من النشاط الفكري والفني المسرحي والموسيقي أيضاً، وهي نشط سرعان ما إزدهرت وأعطت ثماراً ممتازة في العقود الأولى من القرن العشرين، ففي بدايات العقد الثالث من القرن العشرين شهدت الحلة بواكير إزدهار الفكر اليساري التقدمي، وفي أربعينيات القرن العشرين كانت المدينة قد صارت موئلاً للحراك الفكري والسياسي، ثم كان للفكر القومي في خمسينيات ذلك القرن أثر أيضاً في صوغ ملامح ثقافة المدينة، فكانت المدينة تزدهي لأنها تضم شتى الإتجاهات الفكرية والسياسية والأدبية.

لقد كانت الحلة من المدن العراقية الأولى التي شهدت إنتشار التعليم الثانوي للبنين والبنات فضلاً عن إزدهار الطباعة فيها منذ ثلاثينيات القرن الفائت، وكانت المكتبات في الحلة عامرة بزاد ثقافي متنوع منذ أن إفتتح المرحوم عباس السعيد مكتبة الفرات في العام 1925 ميلادية، وسرعان ما ظهرت مكتبات أخرى في ما يعرف الآن بشارع المكتبات، ذلك الشارع الذي تعرض لضربة الإرهاب قبل أكثر من عام، وبعد أن نالت يد الإرهاب، قبل ذلك، من شارع المتنبي، غير أن خطر الحرب الأهلية ذات الجوهر الطائفي، أو بوادرها التي إنكفأت إلى غير رجعة، لم تجد أي صدى لها في الحلة، ولعل هذا خير دليل على الحصانة الوطنية الحقيقية التي تميزت بها ثقافة الحلة، تلك الثقافة التي تفخر بأن من آبائها الدكتور محمد مهدي البصير خطيب ثورة العشرين، والشيخ عبد الكريم الماشطة الذي كان عضواً في حركة السلم العالمي.

وإذا ما عطفنا الكلام على النتاج الفكري والثقافي، فإننا نؤكد أولاً أن الحركة الثقافية في الحلة وفي محافظة بابل ليست منفصلة عن عموم الثقافة العراقية أو العربية، وإنما هي مندمجة ومتفاعلة مع هاتين الحركتين دون أن تنقطع عن الثقافة الحداثية والديمقراطية والتقدمية في العالم أجمع.

ولنتذكر هنا نتاجات المرحوم الدكتور أحمد سوسة (1900 – 1982) وما قدمه من أبحاث مهمة في الري في العراق القديم فضلاً عن كتابه المهم “العرب واليهود في التاريخ”، وهو عنوان يتجاوز مسألة الثقافة المناطقية إلى مسألة مهمة شكلت أزمة فكرية منذ أكثر من قرن في مسألة العلاقة بين اليهود العرب عبر التاريخ.

وفي إطار الإهتمام بالتاريخ والآثار يبرز إسم أستاذنا طه باقر وما قدمه من إسهام مهم في تاريخ العراق القديم وآثاره، كما قام بترجمة ملحمة جلجامش، ذلك السفر الأدبي الخالد، وعمل خبيراً في الآثار في ليبيا، وكان للدكتور سامي سعيد الأحمد دوره أيضاً في إضاءة جوانب مهمة في تاريخ وحضارة وفكر بلاد ما بين النهرين، ولعل دور الباحث ناجح المعموري في البحث وإعادة قراءة الأساطير العراقية القديمة على أسس جديدة، وقد كتب الدكتور حسين علوان في التفسير المادي في نص “ملحمة جلجامش” مقدماً قراءة من منظور علمي في تفسير الأسطورة والحكاية التي تضمنتها الملحمة، فضلاً عن إسهامات أساتذة فضلاء آخرين في الآثار من مثل الدكتورة مريم عمران والدكاترة حمزة حمود وهديب غزالة وأحمد مجيد.

وكان تاريخ الحلة، المكان والإنسان، موضع إهتمام الشيخ يوسف كركوش (1906 – 1990) الذي أصدر كتاب تاريخ الحلة بجزئين، وكان من مؤرخي الحلة الدكتور محمد حسين الزبيدي الذي كتب في التاريخ الإجتماعي والإقتصادي لبعض الأمصار الإسلامية فضلاً عن تاريخ ثورة الرابع عشر من تموز وحركة الضباط الأحرار، هذا فضلاً عن رجال القانون مثل الدكتور مالك دوهان الحسن وسواه.

وفي حقل الأدب الحديث، كان لأدباء الحلة دور مهم في القصة القصيدة، فقد أسهم أنور شاؤول، منذ أربعينيات القرن العشرين في التأسيس لفن القصة القصيرة في العراق، وكان للدكتور شاكر خصباك، وهو باحث وأكاديمي متخصص في الجغرافية، دور مهم في رفد النتاج القصصي الجديد بمجموعات أبرزها (حياة قاسية) و(حكايات من بلدتنا)، وكان من قصاصي الحلة أيضاً عائد خصباك وناجح المعموري الذي إنصرف عن كتابة القصة وكذلك الدكتور سلام حربة وفاضل القيسي وحازم الصافي وحامد الهيتي وآخرون، وكان للشعراء الحليين إسهام في تشكيل المشهد الثقافي والشعري العراقي، فكان للشعراء موفق محمد وحميد سعيد وجبار الكواز وناهض الخياط وجعفر هجول وحسين السلطاني وخالد البابلي وشكر حاجم وعلي الإسكندري ومازن المعموري، وكثير غيرهم، إسهام واضح في صوغ العشرين، ولعل دور الشاعر الكبير موفق محمد هو الأبرز في هذا المجال بما إمتازت تجربته به من طرافة وخصوصية ذات جوهر مأساوي إنعكست في نتاجه الشعري.

لكن الملاحظ أن الحلة أعطت النقد الأدبي أساتذة كانوا أيضاً أعلاماً بارزين في هذا الحقل، فكانت إسهامات الدكتور علي جواد الطاهر في النقد القصصي الروائي والمسرحي، وجهود الأستاذ المرحوم عبد الجبار عباس في هذه الحقول معالم مهمة في تاريخ النقد الأبي الحديث في العراق، كما أسهم كل من صبري مسلم وقيس الجنابي في الجهد النقدي، ومن الأسماء التي تنوعت إسهاماتها في الكتابة النقدية مهدي شاكر العبيدي والمرحوم قاسم عبد الأمير عجام ومحمد مبارك الذي كتب في الفلسفة والمسرحية أيضاً، وكذلك بعض الأساتذة الأكاديميين مثل عباس رشيد الددة وقيس الخفاجي وعبد العظيم إرهيف وسواهم، وحين حدثت النقلة المهمة في دراسة القصة الفنية وتحول النقد إلى المناهج السردية الحديثة كان لأدباء الحلة ونقادها دور مهم أيضاً، لاسيما الأستاذ عباس عبد جاسم، وباقر جاسم محمد، وقد أولى أدباء الحلة حوار الحضارات المعبر عنه في الترجمة الأهمية اللازمة وأسهموا فيها بجهد لابأس فيه لاسيما جهود الدكتور حسين علوان في الترجمة التاريخية والأدبية، وصلاح مهدي السعيد في الترجمة الأدبية، ومعين جعفر الطائي، وكاتب السطور في الترجمة الثقافية واللسانيات وحامد الجبوري، ويلاحظ أيضاً وجود ظاهرة تكاد تكون خاصة بمدينة الحلة، إلا وهي التحول نحو الكتابة الفكرية والنقد الأدبي بعد هجر النتاج الإبداعي، وهي سمة واضحة لدى عدد من مبدعي الحلة، مثل الأستاذ ناجح المعموري الذي تحول عن القصة إلى الكتابة في الفكر الأسطوري من وجهة نظر حداثية بما يمثل إتجاهاً خاصاً يتفرد به على الساحة العراقي، وكاتب السطور وآخرين.

وكان لتشكيل ندوة عشتار الثقافية في مطلع السبعينيات دور مهم في تفعيل الحراك الثقافي في المحافظة، وعلى رأس تلك الندوة الأستاذ (الدكتور لاحقاً) عدنان العوادي مع صفوة من مثقفي الحلة، وقد كان له دور مهم في الجهد المؤثر لتحصين الثقافة وحمايتها من التبعية للسياسة، وأهم ما تميزت به هذه الندوة، فضلاً عن حيويتها الفكرية والثقافية، أنها مثلت كلاً منسجماً لجموعة من المثقفين المختلفين أيديولوجياً.

ثم قد جاء تكوين الإتحاد العام للكتاب والأدباء في بابل في العام 1984 تتويجاً لجهد أبداء الحلة في أن تكون لهم منظمة مهنية على قدر من الإستقلال وتعبر عن تطلعاتهم الفكرية والإبداعية، وبعد عام 2003، بقي الإتحاد منظمة ثقافية فاعلة ومهمة تؤمن بالثقافة الحرة الرصينة، والإبداع الحقيقي، ولا تتنكر لما هو إيجابي من تاريخها الذي يمتد لربع قرن، بل تعمل على الأخذ بما هو رصين وحديث دون أن تغفل الإهتمام بالتراث.

أما الفنون التشكيلية، فقد أسهم فنانو الحلة مثل الأستاذ سلمان داوود وسعد الطائي وسمير يوسف وصلاح عباس وفاخر محمد وعاصم عبد الأمير ومكي عمران ومحمود عجمي عبد علي حسن بدور مهم في التجربة التشكيلية العراقية.

وحظيت النشط المسرحية تمثيلاً وإخراجاً بإهتمام مبدعي الحلة فكانت لجهود فارس عجمام وفيصل مبارك وفاضل شاكر وياسين لطيف وأسعد مبارك وسواهم أثر كبير في تأسيس بدايات الحركة المسرحية في الحلة.

إن الإحاطة بكل تفاصيل المشهد الثقافي في الحلة تتجاوز بكثير ما متاح في هذه الورقة التي نرجو أن يستكمل آخرون ما بدأناه هنا، إلا أنه يمكن القول أن الثقافة في الحلة قد أخذت على نفسها أن تلتزم بأفق المكان والجغرافيا المحدود، لكنها في الوقت نفسه تعسى للخروج بإبداعها إلى فضاءات المعرفة الواسعة لأنها تؤمن بأهمية أن تكون الثقافة فعلاً إنسانياً متوهجاً ومؤثراً في الحضارة الإنسانية في كل مكان، ولعل المتغيرات الحالية ستدفع الثقافة في الحلة أن أن تضع لنفسها منهجاً أكثر صرامة للوفاء بما تفرضه عليها طموحات مثقفيها كافة.

 

(باقر جاسم محمد/ الأرشيف- العدد الرابع/ السنة الأولى 1431هـ/2010م)

السابق
أثر بيئة النجف الأشرف في بناء شخصية الشيخ الوائلي
التالي
التوحيد: المغزى والمعنى

اترك تعليقاً