أبحاث ودراسات

الحلم الكردي بالدولة اغرقته الخلافات والقرارات المتهورة

الدفع نحو الاستقلال يرتبط  بالتفكير البالي بالعثرات ، والخلافات الداخلية ومقامرات القيادة  ، يقول المحللون.

 

قبل أقل من شهر، كان مسعود برزاني يتصدرالمشهد. ققد أيد أكثر من 90 في المائة من الناخبين دعوته إلى الاستقلال في استفتاء أجري في 25 أيلول / سبتمبر. وكانت قوات الرئيس الكردى العراقى تسيطر على مناطق كبيرة من العراق المنتج للنفط. وبدا أن إرثه كزعيم وطني مضمون.

وبعد ثلاثة اسابيع عادت القوات العراقية للسيطرة على سنجار والعاصمة الثقافية الكردية الغنية بالنفط في كركوك وفقدت كردستان العراق مصدرها الرئيسي للدخل لمصلحة  بغداد ويواجه برزاني دعوات للاستقالة.

وبعد فوات الأوان ، كان الاستفتاء اسوا قرار اتخذه في مسيرته المهنية التي دامت عقودا. ولكن وراء العكس السريع لمكمن الثروات تكمن سلسلة من الأخطاء ، والخلافات الداخلية والمقامرات التي يقول المحللون انها حولت حلم الدولة إلى كارثة.

وفي الأيام الثلاثة الأخيرة، تخلى مقاتلو البيشمركة عن مواقعهم عندما اندفعت قوات الجيش العراقي الى المناطق التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان ولكنها تقع خارج حدودها الأصلية؛ مخمور، ديالى، بعشيقة، غوير وكركوك، وغيرها.

ومن المحتمل ان يكون فقدان حقول باي حسن وحقول افانا دوم اليوم الثلاثاء اكثر التطورات ضررا، حيث ان الحقول التى كانت تسيطر عليها البشمركة من الحزب الديمقراطى الكردستانى كانت مسؤولة عن انتاج 280 الفا من اجمالى ال600 الف برميل المنتجة يوميا من قبل حكومة اقليم كردستان، مما ادى الى الشك فى الاستقلال الاقتصادى للدولة.

وجاء هذا التحول في الثروات في الوقت الذي كسرت فيه المؤسسة السياسية الكردية حول  الحزب والخطوط الجغرافية. وفي يوم الثلاثاء, اتهم بارزانى الاتحاد الوطنى الكردستانى بالانتكاسات المروعة التي حدثت في الميدان.

“وفي اشارة الى الاحداث الاخيرة في كركوك، ذكر رئيس الاقليم ان بعض الاشخاص من حزب سياسي معين مهدوا من جانب واحد الطريق لمثل هذا الهجوم”.

وقال بعضهم في الاتحاد الوطني الكردستاني في بيان ردا على ذلك ان عناد الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة برزاني ورفضه التفاوض مع بغداد هو الذي دفع الحكومة العراقية الى استعادة اراضيها بالقوة.

وقال باتريك اوسجوود، رئيس مكتب كردستان السابق في تقرير النفط العراقي، إن النتيجة هي ان حكومة إقليم كردستان في حالة من الفوضى، ومستقبلها بعيدا عن الأمان.

وقال “يمكننا ان ننسى اساسا ان حكومة اقليم كردستان  كمتماسكة، وصانعة سياسة، حكومة منفذة للأمن لا وجود لها بأي معني حقيقي”.

وتابع “لديك حكومة يسيطر عليها الحزب الديموقراطي الكردستاني في اربيل ولديك الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية الذي هو الآن تقريبا على متن الحكومة الاتحادية”.

وكانت كردستان العراق قد انقسمت دائما بين الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حيث يسيطرالاول على العاصمة أربيل، ويسيطر الأخير على السليمانية المدينة الثانية.

وعلى الرغم من أن الوحدة غير المستقرة قد بنيت في السنوات الأخيرة مع توحد الأكراد ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يبدو أن المعسكرين ينفصلان مرة أخرى.

وقال نات رابكين، مدير تحرير السياسة العراقية الداخلية: “إن الانقسام  بين الحزب الوطني الكردستاني / والحزب الديمقراطي الكردستاني هو أهم عامل في تفسير ما حدث في كركوك”.

واضاف “ان احد الامور التي تجعل من الصعب التنبؤ بما سيحدث حتى على المدى القصير هو ان الجبهة الموحدة للاحزاب الكردية قد انهارت تماما”.

وقال ان احدا تقريبا لم يتنبأ بان مثل هذه الخلافات يمكن ان تؤدي الى فقدان الاراضى وسلامة المنطقة الكردية.

لكن الاتحاد الوطني الكردستاني كان دائما فاترا اتجاه استفتاء برزاني على الاستقلال، وعداءه اتجاه بغداد.

وبينما ساند الاستطلاع ودعم حملة نعم – على عكس حزب غوران الأكبر – تجنب الاتحاد الوطني الكردستاني انتهاج سياسة بارزاني المتشددة، وكان منفتحا على الاتفاق على صفقات من شأنها أن تغير صلاحيات الاستفتاء أو تغيير التاريخ.

وكان للاتحاد الوطني الكردستاني دائما علاقات وطيدة مع ايران .وكان وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف قد شارك في تشييع زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني السابق جلال طالباني الشهر الماضي في حين زار قائد قوة القدس قاسم سليماني قبره في نهاية الاسبوع.

وسهل ذلك على الحزب الديموقراطي الكردستاني اثبات الاتهامات لعلاقات ايران مع الحزب، على الرغم من ان القيادة حرصت على انكار وجود اي اتفاق مع القوات العراقية.

 

التوترات الداخلية

في الأشهر الأخيرة، شهد الاتحاد الوطني الكردستاني توترات داخلية خاصة به – أعرب رئيس الوزراء السابق لحكومة إقليم كردستان، برهم صالح، نائب الرئيس كوسرات رسول ونجم الدين كريم، محافظ كركوك، عن عدم رضاهم عن قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني.

وأعرب صالح ورسول عن رغبتهما في تشكيل هيئة بديلة لصنع القرار داخل الحزب في عام 2016، في حين أصبح كريم – وهو شخصية بارزة في بغداد – على مقربة متزايدة من الحزب الديمقراطي الكردستاني وأصبح مناصرا قويا للاستفتاء على الاستقلال.

ومع استقالة صالح في نهاية المطاف من الحزب، فإن الاتحاد الوطني الكردستاني الآن يهيمن عليه إلى حد كبير عائلة طالباني – التي تبنت بشكل مثير للسخرية نوع السياسة الحاكمة التي تشكل الحزب أصلا ضدها في عام 1975.

“لم يكونوا سعداء مع الحزب الديمقراطي الكردستاني [في كركوك]. وما كان لديكم هو أن بعض الشخصيات في الاتحاد الوطني الكردستاني تأتي أكثر  إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني معترفا بأنه حتى عهد قريب كان للحزب الديمقراطي الكردستاني اليد العليا ويملك جميع الاوراق “. قال اوسغود.

ويبدو أن هذه الانقسامات تنمو على نطاق أوسع لأن كردستان تفقد المزيد من قطع الأراضي لصالح الحكومة المركزية في بغداد، بل ويمكن أن تؤدي إلى أعمال عدائية بين الفصائل الكردية.

وقال كمال شوماني، وهو زميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، إن مثل هذا السيناريو ممكن، وإن لم يكن على نطاق الحرب الأهلية عام 1994 التي شهدت تقريبا تدمير منطقة الحكم الذاتي الكردية المستقلة.

واضاف “هناك خوف من انه وبصرف النظرعن فقدان المناطق المتنازع عليها هناك خطر ان تعود كردستان الى الايام الخوالي من وجود ادارتين هما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني وقد يكون ذلك خيارا افضل من تدهور العلاقات بين الحزب الديموقراطي الكردستاني و” الاتحاد الوطني الكردستاني “.

واضاف “لانه مع استمرار الوضع الراهن اعتقد انه ستكون هناك اشتباكات بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني”.

على الطاولة في الوقت الحاضر، إمكانية أن تكون السلطة السياسية – كما في الماضي – مقسمة بين أربيل والسليمانية، حيث أصبحت الأخيرة أقرب إلى بغداد وتسعى إلى استعادة العلاقات الاقتصادية معها.

بيد أن هذا السيناريو سيحدث مشاكل من حيث البيروقراطية. وقال رابكين إن المناطق الكردية مرتبطة في إطار حكومة إقليم كردستان، ومحاولات فكها الآن يمكن أن تؤدي إلى مشاكل إدارية خطيرة.” حذر رابكين.

وقال :سيكون لديك أسئلة إذا كنت تعمل في المدارس في السليمانية – ماذا تريد إدارة كردستان في أربيل منك القيام به،هل يمكن أن ترتب بغداد  المدفوعات في السليمانية التي لا تمر عبر أربيل؟”

واضاف “سيجعل من الصعب جدا عليهم ان يعملوا بشكل منفصل”.

وقال شوماني إنه من الممكن أن تكون هناك حصيلة إيجابية نتيجة للتوترات الحالية – الإصلاح السياسي والاجتماعي في كردستان وإنهاء الهيمنة السياسية للبرزاني.

وقال “هناك احتمال ان يتحد كل من غوران والدكتور برهم صالح والجماعة الاسلامية الكردستانية والاتحاد الاسلامى الكردستانى وغالبية الاتحاد الوطنى الكردستانى لانهاء هيمنة بارزانى والسيطرة على السلطة”.

واضاف ان “الاحزاب السياسية الاخرى في اقليم كردستان المهمشة قد تزداد قوة وقد تدفع الى الاصلاحات اقتصادية والعدالة الاجتماعية والديموقراطية وسيادة القانون”.

حلم برزاني في إقامة دولة قد تداعى. وما يأتي بعد ذلك قد يترك اكراد العراق أكثر انقساما وأضعف وأكثر اعتمادا على القوى الخارجية أكثر من أي وقت مضى.

 

 

 

أليكس ماكدونالد

ميدل ايست  اي

الثلاثاء 17 أكتوبر 2017

السابق
لاهور طالباني: لن ندفع بأبنائنا للموت في سبيل كرسي مسعود بارزاني
التالي
مشاهد من انفصال فاشل

اترك تعليقاً