أبحاث ودراسات

الدول الاصطناعية في الشرق الأوسط: المملكة العربية السعودية وإسرائيل.

سلمان ونتنياهو

الايديولوجيات البالية للوهابية السعودية والصهيونية الإسرائيلية هي ذات أهمية كبيرة، إن لم تكن مركزية، لتحليل الفشل الراهن في الشرق الأوسط، والمناخ الدولي العام المشؤوم.
كما هو متوقع، يتم تجاهل كل من الأيديولوجيتين المتأكلتين إلى حد كبير في وسائل الإعلام الغربية السائدة، لأن هاتين الدولتين المصطنعتين تعتبران من حلفاء واشنطن.
ونحن بصدد قصة مشوقة، وإن كانت كارثية، تمتد من الحرب العالمية الأولى، وخلق دول إسرائيل والأردن والعراق وليبيا وسوريا والمملكة العربية السعودية ( وجميع إمارات الخليج) ناهيك عن لورنس العرب حتى سقوط معمر القذافي في عام 2011، والحرب المفروضة بالوكالةعلى سوريا (التي بدأت أيضا في عام 2011) وصعود برابرة داعش ، والى غيرها من الانحدارات الجيوسياسية الأخرى. هذا هو تاريخ طويل من التلاعب ، والتلقين الماكر، والاعمال الأسطورية للادب الشيطاني السري.

هاتين الأيديولوجيتين – الوهابية في الإسلام والصهيونية في اليهودية – تيدوان على انهما هويات لا تطفو على السطح. ولكنها ليست كذلك، وهذا ما ستكشفه هذه المقالة. ويمكن اعتبار هاتين العقيدتين الخبيثتين مسؤولتين إلى حد كبير عن أكثر مصائب الشرق الأوسط اليوم، وهو وضع لا يتعلق يالشرق الأوسط فقط ، ولكن كما رأينا منذ 11 سبتمبر 2001 وبوتيرة متسارعة منذ عام 2011، يؤثر على الولايات المتحدة وأوروبا وأوراسيا، وعلى الأرجح على العالم بأكمله!
هاتان الفلسفتا ن السياسيتان / الدينيتان هما المسؤولتين عن عقود من العنف والحرب والمعاناة والتلاعب. ويمكننا أن نظهر أنها وجهان لعملة واحدة. ويمكن ارجاعهما الى نفس الحقبة الزمنية تقريبا – الى حوالي مائة سنة، خلال أحداث الحرب العالمية الأولى.
ما هو تراث الصهيونية والوهابية في العالم؟ وما هي الحقيقة حول أصولهما؟ للبدء،هاكم تاريخ مختصر حول اصول الصهيونية اولا نليها الوهابية لأولئك منكم الذي هذا التاريخ غير مألوف لديهم.

وعد بلفور وأصول الصهيونية

“الصهيونية” هو مصطلح يصعب تحديده بطريقة ما، خصوصا بسبب الحد المبالغ فيه من التضليل. هناك الصهيونية السياسية، التي تهدف إلى خدمة مصالح دولة إسرائيل. هناك الصهيونية الدينية، التي تشير إلى اهتمام يهودي [أو مسيحي] في إسرائيل من حيث تحقيق “النبوءة التوراتية” أو “الإرادة الإلهية”. هاتين المدرستين الصهيونيتين يمكن في بعض الحالات أن ينفصلا تماما. حيث يمكن للناس أن يكونوا صهاينة سياسيين دون ان يكونوا صهاينة دينيين أو العكس بالعكس. ومثال على ذلك المنظمات الإنجيلية الأمريكية اليمينية التي هي تصلب صهيوني لتحقيق النصوص التوراتية – كما يفسرونها.
الصهيونية هي إنجيلية مسيحية بالاضافة الى كونها يهودية. في الواقع حقيقة الهدف من الصهيونية كان وراء اقامة وطن قومي لليهود في ما كان فلسطين لمدة ألفي سنة. وهو الهدف الذي تم تحقيقه بشكل كامل في العام 1948 في ظل المحرقة، على الرغم من أنه له جذوره كحركة دولية منذ الحرب العالمية الأولى. كما يمكن رؤية الصهيونية كحركة سياسية لتعزيز المصالح [الوطنية والدولية] لهذه الأمة المصطنعة ولضمان سلامة وحماية ما يسمى دولة إسرائيل.

العديد من المعلقين المعادين للصهيونية أيضا ربطوا الصهيونية – الدينية والسياسية – مع مفهوم جدول أعمال يهودي سري عالمي للسيطرة على العالم. ويعتقد أن الصهيونية، في شكلها السائد، تعود بالاصل الى ثيودور هرتزل 1896، الصحفي اليهودي النمساوي المجري ، الكاتب المسرحي والناشط السياسي. ومنذ نهاية عام 1895، كتب هرتزل Der Judenstaat أو دولة اليهود. وقال إن الحل الوحيد ل”المسألة اليهودية” في أوروبا كان إنشاء دولة للشعب اليهودي. كانت المشاعر المعادية لليهود منتشرة على نطاق واسع جدا في جميع أنحاء أوروبا ورأى هرتزل ان إنشاء ملجأ قومي لليهود هو الحل الوحيد على المدى الطويل. وهكذا ولدت الصهيونية ، أو على الاقل هذه هي النسخة المهيمنة للأحداث.و يشكك باحثون آخرون في هذه الفكرة ويقترحون حجج من أصل اقدم من ذلك بكثير. وبطبيعة الحال، إذا كنا نتحدث عن الصهيونية الدينية خلافا للصهيونية السياسية، ان الأصل هواقدم من ذلك بكثير وأكثر غموضا. الفكرة القائلة بأن أرض إسرائيل (بالعبرية: אֶרֶץ יִשְׂרָאֵל أرض إسرائيل) كانت دائما تعود لليهود أو أنها كانت قد وعدت إلى “بني إسرائيل” من الههم التوراتي، وهي أسطورة قديمة وخاطئة في أحسن الأحوال. بالطبع، هذا الجنون العميق ليس له أساس متين لبناء الأوطان في القرن العشرين كما نعتقد، ونرجوا.
وكانت القوى الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وخاصة بريطانيا، الذي تابعت بنشاط جدول الأعمال الصهيوني تحت ادارة اليهود الاقوياء والاغنياء في بريطانيا مثل اللورد روتشيلد ، وبلغت ذروتها في وعد بلفور الشهير. قطع البريطانيون الوعود الضخمة في زمن الحرب (خلال الحرب العالمية الثانية) لإنشاء “وطن قومي لليهود” في فلسطين. على الرغم من أن الهجرة اليهودية الواسعة النطاق إلى فلسطين بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنها بعد الحرب العالمية الثانية والمحرقة تم احترام جدول الأعمال احتراما كاملا.
حجر زاوية أخر من الفولكلور الصهيوني هو كتاب بروتوكولات حكماء صهيون، الذي راى فيه الكئيرون خطة شاملة للاستيلاء الصهيوني العالمي. نعود إلى هذه النقطة لاحقا في هذه المقالة.
وعلى الرغم من الإجراءات الرسمية لبريطانيا، لم يكن لا الرأي العام ولا رأي الحكومة مجمعا في دعم المشاركة المفرطة لبريطانيا في تعزيز جدول الأعمال الصهيوني. ونستون تشرشل، في برقية عام 1922، كتب ان هناك “حركة متنامية من العداء ضد السياسة الصهيونية في فلسطين”، مضيفا “من الصعب على نحو متزايد الرد على حجة أنه ليس من العدل ان نطلب من دافعي الضرائب البريطانيين، المغمورين بالضرائب، لتحمل تكلفة ضريبة سياسة في فلسطين لا تحظى بشعبية. “استمر الرفض للصهيونية السياسية طوال العقود التالية وهو اليوم على نطاق اوسع واعنف منه في قرن من الزمان!

وكتب المهاتما غاندي في عام 1938: “فلسطين ملك للعرب بنفس معنى أن إنجلترا ملك للإنجليز أو فرنسا للفرنسيين. ومن الخطأ وغير الإنساني فرض اليهود على العرب […] وفلسطين بالمفهوم التوراتي ليست منطقة جغرافية. ”

وخلافا للرأي الذي يروجه البعض من أن معاداة الصهيونية هي “معاداة السامية” ان متحدثين يهود و في أوقات مختلفة، صرحوا أيضا ضد جدول الأعمال الصهيوني. من بينهم، نشر الحاخام إلمر برغر كتاب المعضلة اليهودية والذي قال فيه أن استيعاب اليهود في العالم الحديث كان لا يزال الحل الأفضل لليهود ، وليس العزل وعقلية الحصار المفروض على الدولة الصهيونية . في تحليل ربيع بيرجر، الصهيونية نفسها تستفيد من المعتقدات العنصرية السائدة عن اليهود وحتى تلعب عليها.

في عام 1975، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا وصف الصهيونية بأنها “شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”. أكثرمعاصرة، في عام 2010، الصحافي القديم هيئة الاذاعة البريطانية وITN، ألان هارت، نشر كتاب” الصهيونية: العدو الحقيقي لليهود”.

هذه ليست سوى جزء صغير من المعارضة المعلنة للصهيونية من قبل الناس المحترمين وذوي السمعة الطيبة. أود أن أشير هنا إلى توضيح أن معاداة الصهيونية ليست مجرد ذريعة لما يسمى ب “معاداة السامية”، وأننا يجب أن نأخذ في الاعتبار العدد الكبير من اليهود الذين يعارضون أيضا بشدة الصهيونية.

. حتى أنصار الصهيونية الأشد حماسة لا يستطيعون أن ينكروا تأثير الصهيونية السياسية، فضلا عن الإجراءات والسياسات العديدة التي قامت بها دولتهم الصهيونية، الأمر الذي بالاضافة الى انه يزيد من القمع الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على المدى الطويل، ساهم بشكل كبير في استقطاب الشرق الأوسط ونمو التطرف الجهادي.
الى جانب الأثر التدميري والسام الذي كان لإنشاء الكيان الصهيوني في البداية (في فلسطين نفسها، ولكن أيضا بحكم الجيرة كان لها آثار على لبنان وسوريا وغيرها من الدول المجاورة)، هناك اثر الانقسام والأثر التدميري أيضا حتى اليوم خارج حدود الشرق الأوسط. وإنه لمثال توضيحي للغاية، وجود مخطط اميركي –اسرائيلي منذ فترة طويلة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، من خلال قلب الحكومات المستقلة والدول المستقرة وتسعى في النهاية الى بلقنة وإخضاع العراق وسوريا وليبيا وغيرها، مع الهدف النهائي المتمثل في شيطنة إيران، الذي هو الهدف الرئيسي.
الخطة الصهيونية المزعومة لمنطقة الشرق الأوسط، والمعروفة أيضا باسم خطة” ينون”، استراتيجية واسعة تهدف إلى ضمان التفوق الإقليمي الصهيوني عبر إعادة تشكيل جذرية للبيئة الجيوسياسية لإسرائيل من بلقنة الدول العربية [و غير العربية] الى لدول أصغر وأضعف. وتهدف استراتيجية “استراحة نظيفة ” أيضا إلى نفس الشيء. وما رأيناه حتى الآن في العراق وسوريا وليبيا واليمن يمكن أن يكون مفهوما بوضوح في هذه اللعبة الاستراتيجية الصهيونية المدعومة من الولايات المتحدة. ومن المهم الملاحظة ان العراق وسوريا وليبيا كانت ثلاث من الدول القومية العربية الأكثر استقرارا وكانت دول حديثة وعلمانية ومستقلة وغير طائفية، ولكن كل من الثلاثة منهارة الآن، جيو-طائفية، قفار تنتظر ليجري نحتها الى قطع صغيرة.

ان استكشاف مشروع إسرائيل الكبرى،يوضح بشكل اقل اعتبار الصهيونية ضريبة سامة ومشكلية على صعيد المنطقة وربما على صعيد العالم بأسره، وخاصة أن النظام الصهيوني وقد تم دعمه، تسليحه، والدفاع عنه بقوة من قبل أسياده الغربيين، وخاصة واشنطن. في هذه الأيام، نحن نشعر بالصدمة قبل كل شيء من التزام إدارة أوباما دفع 38 مليار $ لهذا النظام الشرير والوحشي.
ويمكن أن يقال شيء مماثل حول تأثير الوهابية في المنطقة. الوهابية، على غرار الصهيونية،ولكنها ليست طائفة دينية قديمة منذ قرون, ولكنها ايديولوجية جديدة نسبيا، يريرية وتتسم بالانتهازية السياسية

ألاصول الحديثة للوهابية يمكن أن تعزى الى نجد (المنطقة الجغرافية الوسطى من المملكة العربية السعودية اليوم) والى واعظ القرن الثامن عشر محمد بن عبد الوهاب (1703-1792) الذي ادعى “تطهير” الإسلام وجعله في ما كان يعتقد يعود الى المبادئ الأصلية لهذا الدين. بعيدا عن اعتباره التفسير الشرعي للإسلام، كان محمد بن عبد الوهاب يعارض حتى والده وشقيقه بسبب معتقداته المتطرفة والمتعصبة. لكن الحركة اكتسبت أسبقية بلا منازع في معظم شبه الجزيرة العربية من خلال تحالف بين محمد بن عبد الوهاب وبيت محمد بن سعود، الذي وفر السلطة السياسية والمالية لأيديولوجي آل وهاب لمنحهم الصدارة.
وأخيرا، ادى هذا التحالف لولادة المملكة العربية السعودية. بعد انهيار الإمبراطورية التركية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، تولى ال سعود السيطرة على الحجاز وشبه الجزيرة العربية و تأسست دولة على مبادئ المتعصبين من الوهابيين – لتصبح الشكل السائد للإسلام في مهد ه.

اهتمامي الاول بالنسبة الى هذا المجال من التاريخ بدأ منذ عشرين سنة من خلال الفيلم الملحمي لدايفيد لين “لورانس العرب” يالاشتراك مع بيتر اوتول.بدافع الحب لهذا الفيلم 1963 قرأت للمرة الاولى كتاب تي لورانس “اعمدة الحكمة السبعة” كما قرأت الكثير من الكتب عن مأثر تي لورانس والثورة العربية خلال الحرب العالمية الأولى. وكذلك حول اتفاقية سايكس-بيكو (المشار إليه بواسطة داعش اليوم في “المانيفست”) .والإجراءات التي اتخذتها الحكومات الاستعمارية البريطانية والفرنسية بشأن الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية.

حدث تثبيت آل سعود بوصفهم “العائلة المالكة” وتأسيس المملكة العربية السعودية حدث على الرغم من أن اتفاقات أبرمت خلال حرب لتأييد ودعم الهاشميين لا السعوديين. هؤلاء العرب الهاشميون، وليس السعوديين، هم الذين بدأوا الثورة العربية ضد الأتراك العثمانيين والذين كانوا الأكثر مشاركة في الحملة. ومع ذلك، هذا هو الفصيل السعودي المتعصب (والبعض يقول مهرطق) المستوحى من الوهابية هوالذي فاز بالسلطة الحقيقية بعد الحرب.
وهكذا نرى ان المملكة السعودية ذات الالهام الوهابي لم تكن الوحيدة او الاكثر شرعية للمطالبة بهذة المكانة المتميزة جدا والقوية للغاية في المنطقة .في الواقع هذه السلطة قد تم اغتصابها كما اغتصب الصهاينة سلطتهم في فلسطين.
ما كان ارث المملكة السعودية الملهمة من الوهابيين وتاثيرها؟
التأثير على المنطقة العربية نفسها وجزء كبير من المناطق المجاورة لا يمكن انكاره.وبصرف النظر عن حقيقة ان العقيدة الوهابية كان لها التاثير الكبير على التطرف والحركات “الجهادية” الارهابية وصولا حتى داعش اليوم والتي هي التجسد الوهابي خارج الجزيرة العربية. اسامة بن لادن نفسه كان وهابيا .ويمكن القول ان الجهادية المتطرفة بالاضافة الى الحركات التكفيرية الاخرى كما السلفيين تتبع الفكر الوهابي بالأساس.
على أي حال، كان نشر هذه العقيدة الإسلامية الزائفة والشريرة منظم في العالم الإسلامي لعقود من الزمن،بفضل صناديق الثروة السيادية السعودية. وكذلك كان تمويل التعليم والأدب الديني المتعصب في الجامعات والمساجد في كل مكان مصر والعراق وباكستان واندونيسيا. وما هو أسوأ من ذلك هو أن نشر هذه الدعاية المستوحاة من الوهابية، بتمويل من المملكة العربية السعودية، توسع خارج منطقة الشرق الأوسط منذ فترة طويلة في المجتمعات الغربية ولدى التجمعات الإسلامية خاصة في بريطانيا وفرنسا وهولندا.
في دراسة حديثة أجريت على مدى عامين من قبل الدكتور دينيس ماسيوان، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة فاس، اكتشف كنزا من الأدبيات الخبيث في أكثر من ربع المساجد البريطانية.كل هذا قد تم نشره وتوزيعه من قبل وكالات مرتبطة بحكومة المملكة العربية السعودية.
الكتيبات وأقراص الفيديو الرقمية، والمواقع والمجلات مليئة بالبيانات القديمة المتطرفة التي تقول، على سبيل المثال، أن المثليون جنسيا يجب أن يحرقوا، يرجموا أويلقوا من رؤوس الجبال أو المباني العالية وكذلك الزناة والمرتدين ( أولئك الذين يحاولون تغيير دينهم). وتمثل النساء بأنها أقل شأنا فكريا وتحتاج إلى ” الضرب عندما تنتهك حق الرجل”، في حين يجب أن يتعرض الأطفال الأكبر من 10 سنوات للضرب إذا كانوا لا يصلون. نصف هذه الأدبيات مكتوب في اللغة الإنجليزية، مما يشير إلى أنه موجه للمسلمين البريطانيين الشباب الذين قد لا يتحدثون اللغة العربية أو الأردية. المواد المتاحة علنا في كثير من المساجد، تحث مسلمي بريطانيا لفصل أنفسهم عن غير المسلمين الذين يعتبرون أقل شأنا.
انها ليست معلومات جديدة، بطبيعة الحال. فقد اكتشف الصحفيين الاستقصائيين وثائق مماثلة مرارا وتكرارا، في حين أن الناس الذين نشأوا في المجتمعات المسلمة المشار اليها على بينة من هذه الأفكار وهذا الأدب منذ مدة طويلة. الأدبيات الوهابية الممولة من المملكة العربية السعودية لها تأثير كبير (ولكن ليس التأثير الوحيد) على تلقين الشبان البريطانيين النفور من المجتمع المهيمن وإغواء الشباب في المنظمات المتطرفة مثل القعدة وداعش في جميع أنحاء العالم. والأسوأ من ذلك، في أماكن مثل باكستان حيث، خلافا لما يحدث في المملكة المتحدة، فمعظم الشباب ليس لديهم امكانية الوصول إلى مستوى عال من التعليم أو مصادر موثوقة للمعلومات العامة، ولكن لديهم امكانية كبيرة للوصول إلى المدارس الدينية والمساجد التي تعلم هؤلاء باستخدام المراجع المتطرفة التي تمولها المملكة العربية السعودية.
هذا في الواقع نقطة رئيسية: الأدبيات بتمويل من المملكة العربية السعودية تستهدف دائما مناطق العالم الإسلامي الاكثر فقرا ، بما في ذلك باكستان والصومال وأفغانستان وبنغلاديش ونيجيريا، اندونيسيا وغيرها، حيث لا يوجد تقريبا أي بنية تحتية للتعليم الرسمي. في هذه الحالات، الثروة السعودية قادرة على دفع تكاليف بناء أو صيانة المدارس أو المساجد – ولكن شريطة ان يتركز تفسيرهم للإسلام على الوهابية ويتم تدريسها وتوزيعها. من خلال هذه العملية، التي تمت لسنوات عديدة، ترعرع الآلاف من الشباب سريعي التأثر على هذا التفسير المتطرف للإسلام، لأنهم مضطرين بسبب نقص فرص الحصول على التعليم أو المزيد من المعلومات المتطورة. عموما، ليس لديهم شيء أفضل.
ومن المثير للاهتمام أن هذا النوع من التلقين المركز للوهابية كان تقليديا أقل شيوعا في البلدان العربية الأكثر تقدما وتطورا مثل ليبيا قبل الحرب ,سوريا قبل الحرب، وألاجزاء الوهابية من لبنان، أو العراق قبل الحرب. ويعزى ذلك جزئيا الى قوة، علمانية واستقلالية هذه المجتمعات، وهي على الأقل على مستوى الدولة، وأكثر استثمارا في الكبرياء الوطني والهوية الثقافية مما هي عليه في الأصولية الدينية. في الواقع، في بلدان مثل سوريا وليبيا، قامت الدولة بشن حملة طويلة لكبح التطرف الديني من أي نوع.
هذا الوضع قد تغير بشكل كبير منذ الغزو الامريكي للعراق في عام 2003، ومؤامرة حلف شمال الاطلسي في ليبيا والحرب الدامية التي فرضت على سوريا منذ عام 2011.ونتيجة لذلك، كل هذه الدول تعاني من انتشار التطرف الديني الذي ادى إلى خلق البربرية. ما يسمى “الدولة الإسلامية”، ويعرف أيضا باسم داعش تسلل الى سوريا والعراق، هي في جوهرها حركة 100٪ تنحدرمن ايديولوجيا المذهب الوهابي في المملكة العربية السعودية. داعش في جوهرها هي السعودية دون سفارة! هذا الرابط يزداد خطورة من خلال حقيقة أن الأسلحة والتمويل السعودي والقطري هو إلى حد كبير وراء هذه الوهابيين الوحشية السلفية.الحروب في سوريا وليبيا تمول إلى حد كبير من قبل السعوديين والقطريين وظهور داعش هو إلى حد كبير نتيجة لذلك. وأفيد، على سبيل المثال، أن الدعاة الوهابيين من السعودية ترددوا في كثير من الأحيان الى حلب، سوريا، وافتوا للجهاديين المتوحشين المسلحين بشن “حرب مقدسة” ضد الدولة السورية بأي ثمن.
في حين كانت دول مثل أفغانستان والعراق خاضعة للغزو (والثانية تعاني من زعزعة الاستقرار الكلي تقريبا) والإطاحة بحكومات سوريا وليبيا (البلدان اللتين كان لهما القليل او لم يكن لديهما اي دور في التأثير على نمو العولمة الجهادية) تم علنا وبدعم من الحكومات الغربية الكبرى والمملكة العربية السعودية – وربما في جزء بسبب ثروتها وقيمتها بالنسبة لواشنطن وحلفائها – وهذه الأخيرة لم تتعرض لأي تهديد أو ينظر الى أنشطتها المهزلية في النشر المنهجي للمذاهب المتطرفة في جميع أنحاء العالم الإسلامي الخاضغة لتحقيقات وافية.
الحرب العالمية الأولى، الوهابيون، والهاشميون و لورانس العرب

وبالعودة إلى الحرب العالمية الأولى، أنه من الجيد أن نتذكر أن ال سعود لم يكن من المفترض بالضرورة أن يكونوا قادة المملكة العربية. الهاشمي الحسين بن علي، كان شريف وأمير منطقة مكة المكرمة من 1908 إلى 1917. وتضمنت الثورة العربية من الحرب العالمية الأولى القبائل العبرأردنية وغيرها من القبائل من مناطق الحجاز وبلاد الشام ، والقتال ضد الإمبراطورية التركية إلى جانب بريطانيا وحلفائها. انطلقت الثورة من قبل الهاشميين وبقيادة الشريف حسين من مكة المكرمة، وليس من قيل ال سعود أو الوهابيين. وجرى تأييدها من قبل بريطانيا وغيرها من الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، الذين استخدموا زخم القوميين العرب الذين كانوا يريدون الاستقلال لمتابعة جهود الحرب الأوسع نطاقا ضد ألمانيا وحلفائها.
وقد كتبت الوقائع النهائية للثورة من قبل توماس إدوارد لورنس، الذي،كان ضابطا شابا في الجيش البريطاني ولعب دورا رئيسيا كحلقة وصل خلال الثورة. وقد نشر يومياته في عام 1922 تحت عنوان اعمدة الحكمة السبعة . لورانس نفسه هو بالطبع واحد من أكثر الشخصيات الرائعة والرمزية للقرن العشرين. في حين أن الأعمدة السبعة للحكمة يمكن التشكيك في دقتها في بعض الطرق، حتى المنتقدين والأعداء لا يمكنهم دحض الدور الحيوي للهاشميين في الثورة. ومن الحقائق التاريخية أن الحكومة البريطانية في ذلك الوقت وعدت العرب االهاشميين أكثر بكثير مما قد اعطتهم بعد الحرب.
في سبتمبر 1918، شكل أنصار الثورة العربية في دمشق حكومة موالية ل”شريف مكة.”و أعلن حسين “ملك العرب” من قبل مجموعة من رجال الدين وشخصيات أخرى في مكة المكرمة. بعد إلغاء الخلافة التركية، أعلن حسين نفسه خليفة، ملك الحجاز، وملك كل العرب، مالك بلاد العرب، بالعربية.
ومع ذلك، كان تم خلع حسين وطرده من المملكة العربية بواسطة ال سعود وهي عشيرة منافسة كان للهاشميين تاريخ سيئ معهم، بعد أن خاضوا سابقا حرب ضدهم بسبب الاختلافات الدينية الجذرية، وبشكل أساسي على العقيدة المتعصبة للوهابيين. على الرغم من أن بريطانيا دعمت [واستخدمت] حسين من بداية الثورة العربية، قرروا عدم مساعدة حسين لصد هجمات السعود ، الذي استولوا في نهاية المطاف على المدن الرئيسية كمكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة. وهكذا اختفى الأمل في مملكة عربية يحكمها الهاشميون، على الرغم من ان حسين استمر في استخدام لقب “الخليفة” حتى في منفاه.

بعد الحرب العالمية الأولى، وجد العرب أنفسهم قد تحرروا من قرون من الهيمنة العثمانية، ولكن وقعوا تحت الحكم الاستعماري لفرنسا وبريطانيا، على الرغم من وعود البريطانيين لهم خلال الحرب. عندما تم الانتهاء من الولايات الاستعمارية، اعلن نجل حسين ملك شرق الأردن، في وقت لاحق تم تسميته ببساطة الأردن بالاضافة الى سوريا والعراق. ومع ذلك، فإن النظام الملكي في سوريا لم يدم طويلا، و بالتالي فيصل بن الحسين، ترأس الدولة التي أنشأت حديثا في العراق. لكنها هذه القرابينلم تكن تصالحية بالمقارنة مع ما كان مقررا ومطلوب من قبل الهاشميين في الأصل. هذاهم ال سعود الذين كانوا الفائزين الحقيقيين، الذين تم تثبيتهم في مملكة قوية استمرت حتى يومنا هذا والتي لا تظهر أي من علامات الضعف.
مذكرات مستر همفر وبروتوكولات حكماء صهيون

ليس من المبالغة القول بأن الصهيونية والوهابية كانت قوات مخلصة ومدمرة في منطقة الشرق الأوسط وما وراءه. أدت الصهيونية الى وضع لا نهاية له والى إذلال الشعب الفلسطيني مع ضمان نظرة تماما سلبية للدولة الحديثة في إسرائيل. في الواقع، جميع استطلاعات الرأي تشير إلى أن إسرائيل هي الدولة الأقل شعبية على وجه الأرض! وفي الوقت نفسه، الهمت الوهابية كمية لا حصر لها من التطرف والإرهاب من أسوأ نوع، كذلك التلقين العقيدي والاستقطاب السام للعديد من المجتمعات العربية.
يمكننا أن ننظر في تطور نفوذ الوهابية في العالم، حتى المرحلة الراهنة، وتسمتيه شرعيا بالسرطان. ولكن ماذا عن جذورها؟ ونظرا لرؤية واسعة النطاق من ان المؤامرة الصهيونية وراء وعد بلفور وكل هذا حدث منذ ذلك الحين، هل من الممكن أن الوهابية، التي بدأت تنمو في نفس الوقت تقريبا، كانت شيئا أكثر أهمية بكثير من ما كان يبدو – حتى في ذلك الوقت؟
هل من الممكن أن الوهابية ليست فقط نتاج واعظ بدوي خرج من صحراء شبه الجزيرة العربية، ولكن شيئا أكثر خبثا ومأساوية بكثير؟
كتاب، مذكرات مستر همفر، جاسوس بريطاني في الشرق الأوسط أو اعترافات جاسوس بريطاني، يعتبر من قبل البعض وثيقة ملفقة. وثيقة يزعم أن تكون قصة عميل بريطاني من القرن الثامن عشر يتحدث عن همفر ودوره الأساسي في خلق الوهابية كجزء من مؤامرة لإفساد وتدمير الإسلام في نهاية المطاف. ظهر هذا الكتاب في عام 1888 باللغة التركية. وقد وصفت بأنه نسخة انجلوفوبية ،لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون.
معظم الباحثين بموضوع المؤامرات يعرفون الكتاب المشين بروتوكولات حكماء صهيون، الذي اعتبر نموذجا للمؤامرة اليهودية العالمية. بروتوكولات حكماء صهيون، مثل اعترافات جاسوس بريطاني، رفضا منذ فترة طويلة من قبل بعض المصادر التقليدية على اعتبارها مزورة أو خدعة. ولكن هل هذا هو الحال فعلا؟

 

تم ترجمة البروتوكولات وتوزيعها على نطاق واسع. ولا تزال تعتبر بأنها تاريخية واقعية في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وتعلم عن جوهر الرؤية السائدة في الشرق الأوسط لليهود والصهاينة. أولئك الذين دحضوا صحة الكتاب يستشهدون به كسبب ساهم بشكل كبير في كراهية اليهود في المجتمعات الإسلامية كلها تقريبا وخارجها. وللأسف، فإن النازيين، مثل الكثيرين في المجتمعات الإسلامية اليوم، كانوا مفرطين ، وغير قادرين على فصل الصهيونية باعتبارها قوة سياسية معولمة مدمرة، وبين اليهود كشعب.
والحقيقة هي أنه إذا كانت بروتوكولات حكماء صهيون عنصرا تاريخيا مشروعا، فأن الصهيونية لاتمثل اليهود كشعب كما أن الوهابية لا تمثل المجتمع الإسلامي العالمي – وهذا يعني أنه ليس هناك سوى نسبة صغيرة نسبيا من المسلمين في العالم هم الوهابيون، والشيء نفسه بالنسبة للجاليات اليهودية والصهيونية. ولكن المؤامرات من النوع الذي نتحدث عنها تعمل بشكل ماكر، في كثير من الأحيان دون أن يلاحظها أحد. وهذا يعني أن عدد المسلمين وعدد اليهود الذي يتعرضون دون وعي إلى الدعاية الوهابية والصهيونية هي على التوالي أعلى مما هو معلن بكثير.
ولكن ماذا عن اعترافات جاسوس البريطاني؟ هل هي مجرد مصادفة أن هاتين الأيديولوجيتن السياسيتين ، اللتين نشأتا في الوقت نفسه، وكلاهما قد سممتا لمدة طويلة الأجل الاوضاع الشرق الأوسط ,انتجتا كذلك الكتب التي تكشف عن أصولهما وأجنداتهما الحقيقية – ولكن تم رفضهما في وقت لاحق من قبل المعلقين قي وسائل الإعلام التقليدية واعتبرا كاذبين؟
اعترافات جاسوس بريطاني هل هي حقيقية ؟ هل ان الوهابية أسستها هناك جهات خارجية وفقا خطة طويلة الأجل لإفساد الإسلام؟ هل هي مجرد مصادفة أن ذلك هو بالضبط ما يبدو الوهابية فعلته منذ قرن – افساد الدين الإسلامي الكبير إلى حد انه في الوقت الحاضر يعتبر على نطاق واسع من قبل العديد من غير المسلمين كمت المسلمين [غير الممارسين ] كمصدر للشر في العالم؟
وبروتوكولات حكماء صهيون؟ هل من قبيل المصادفة أن البروتوكولات المذكورة في هذه الوثيقة تتوافق بالتمام مع الحقائق الصهيونية في عالم اليوم ؟
وبالعودة إلى الإسلام، دعونا نتذكر أنه لم يتم اعتبار هذا الدين دائما كوصمة عار كم هو عليه الآن، بل على العكس. تاريخيا كان ينظر إلى المجتمعات الإسلامية بأنها فكريا وعلميا متنورة .في الوقت الذي تميزت المسيحية الغربية بالمعتقدات الخرافية، محاكم التفتيش, التعذيب, والاضطهاد الجماعي، المحارق ,تصفيات المذاهب وتصريحات مثيرة للسخرية تماما. الروايات التاريخية تتحدث عن وحشية الصليبيين المسيحيين الغربية بالمقارنة مع نبل صلاح الدين وجيوش المسلمين. العالم الإسلامي كان له تنويره قبل فترة طويلة من الغرب المسيحي على الرغم من كونه دين احدث . في الوقت الذي الأوروبيين كانوا يحرقون “السحرة”، كانت المدن الإسلامية الكلاسيكية أصفهان ودمشق وبغداد والقاهرة مراكز التعليم والفلسفة.
التدهور البطيء والاستقطاب في المجتمعات الإسلامية هو ظاهرة حدثت منذ مائة عام، كما يظهر نمو الوهابية قد تصرفت ك فيروس بطيء المفعول مع فترة حضانة طويلة. وأنه ليس سوى في 10-15 سنة الأخيرة أصبح تأثير المذاهب الوهابية قضية دولية اولية .
أما بالنسبة لكتاب، اعترافات جاسوس بريطاني، هل هو مجرد خدعة؟ ربما نعم، وربما لا. ولكن قد يتساءل المرء لماذا مثل هذه الوثيقة مزورة – للتشهير بطائفة دينية بسيطة , لم يكن لها أهمية كبيرة الا بعد قرن – من نشأتها ؟ الشيء نفسه ينطبق على بروتوكولات حكماء صهيون.

9/11 ، محاولة لتدمير الإسلام الحقيقي.

لماذا الحلفاء الغربيين للملك حسين لم ساعدوا الهاشميين عندما طردوا من العربية بواسطة السعوديين بعد الحرب العالمية الثانية؟ ولماذا، على مدى عقود، لم ترى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من القوى العالمية أنها لم ترى أي مشكلة في تمويل الأدبياب والأيديولوجيات المتطرفة من قبل السعوديين؟ ولكننا الأكثرتلهفا واندفاعا عندما تون هناك فرصة لإسقاط زعيم علماني مثل القذافي في ليبيا أو الأسد في سوريا، اثنتين من الديكتاتوريات غير الديمقراطية، ربما، ولكن اثنين من االمجتمعات المثالية نسبيا بالمقارنة مع المملكة العربية السعودية – ولكن ليس الآن، للأسف – وهاتين الديكتاتوريتين لم يكونا عاملا رئيسيا في تلقين عقول الشباب، المحبط والغاضب والمؤثر في جميع أنحاء العالم الإسلامي. ما هو مصدر هذه السياسة الخارجية غير المتماسكة بعمق؟
لماذا لم يتم اتهام السعوديين عندما تم تحديد 15 من 19 الخاطفين المزعومين في 11 سبتمبر على أنهم من المملكة العربية السعودية وليس العراق؟ أو كان من المفترض أن يكونوا 15 كبش فداء، مصدرا قيما كان يمكن لواشنطن تثميره كورقة رابحة ، على سبيل المثال مع ال”28 صفحة المفقود من تقرير 9/11،” التي سمعنا جميعا الكثير عنها في الآونة الأخيرة,وذلك لكسب ميزة جيوسياسية على السعوديين، وسحب البساط من تحت أقدامهم كما فعلوا مع مصر مبارك في عام 2011؟ قائمة الأسئلة الغريبة تنمو باستمرار. دون استطراد وبدون تعقيد مسألة هي في الاصل شديدة التعقيد بالفعل ،علينا ان نضع في اعتبارنا أن احدى نظريات المؤامرة فيما خص 11/9 هي نظرية فيليب مارشال، الذي خلص إلى أن هجمات مركز التجارة العالمي كانت مؤامرة أمريكية-إسرائيلية-السعودية، وليس عملية بسيطة لتنظيم القاعدة. اثنين من السمات المركزية والمتكررة من معظم الأبحاث حول مؤامرة 11 سبتمبر هي مشاركة ممكنة من وكالات السعودية واحتمال تورط الموساد الإسرائيلي في التواطؤ مع مجموعة واسعة من الوكالات الأميركية.
وبما اننا وصلنا الى هنا. عندما ننظرالى تاريخ الشرق الأوسط، يصبح من الصعب على نحو متزايد ألا نتساءل ان كانت الانقسامات، هذا التسمم العام والحروب وسيناريوهات نهاية العالم التي وصلت إلى ذروتها في مطلع القرن الحادي والعشرين كانت مدبرة منذ وقت طويل في قصة تم تصميمها للوصول إلى ما نحن فيه. هذا هو رأي الكثيرين حول بروتوكولات حكماء صهيون – وما يسمى وثيقة “وهمية” جعلت فعليا هذا أكثر وضوحا.
وكلما درسنا التاريخ كلما تساءلنا اذا كانت الوهابية وأصولها يمكن أن تكون فقط قصة مماثلة، ولكن هناك مطابقة بين هاتين الايديولوجتين – الوهابية والصهيونية- اللتان تعملان يدا بيد لخلق هذه البيئة سامة التي لدينا اليوم في المنطقة.
ومن المثير للاهتمام أيضا أن نلاحظ أن المؤامرة التي هي لؤلؤة اعترافات الجاسوس البريطاني – صوابا أو خطأ – تتمتع بمستوى عال من المصداقية في بعض أجزاء من الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق، حيث يعتبر الكثيرون ان هذا الكتاب له شرعية كشرعية بروتوكولات حكماء صهيون.

ومن المثير للاهتمام أيضا أن نلاحظ أنه في حين تعتبر واشنطن الداعم لإسرائيل، ينظر أيضا إليها كداعم مستدام للنظام السعودي، مع استياء كبير من الدول الأخرى وقادتها في المنطقة، كالقذافي، الأسد و المرشد الأعلى الإيراني اية الله خامنئي، الخ. الدولة الصهيونية في إسرائيل والمملكة الوهابية في العربية السعودية يمكن اعتبارهما – وتعتبران من قبل الكثيرين في الشرق الأوسط – كدول اصطناعية في المنطقة، فرضت وتم تثبيتها من قبل القوى الغربية – في الأساس واشنطن لغايات طويلة الامد لا يعلمها الا الله. تماما كما هو الحال بالنسبة لاسرائيل المدججة بالسلاح من قبل رعاتها الغربيبن، كذلك بالنسبة للنظام السعودي، التي الت تحاول حاليا القضاءعلى دولة صغيرةهي اليمن في حرب غير مشروعة وتقريبا تماما باستخدام الأسلحة البريطانية أو من الولايات المتحدة – دون اي كلمة إدانة من الحكومات الغربية.
التصور الذي لا مفر منه هو في كثير من الأحيان هو أن الحكومات الغربية الكبرى تسير على وقع الدولة السعودية، وكذلك الحال مع إسرائيل. وهذا كله على الرغم من دور المملكة العربية السعودية الذي طال أمده بوصفها المصدر الرئيسي للإرهاب الجهادي.
ومن الواضح بشكل متزايد أن الصهيونية والوهابية لديهما مصالح مشتركة واتعملان يدا بيد في نواح كثيرة. ويمكن ملاحظة ذلك على سبيل المثال في سياستهم المشتركة المعادية لإيران ومشاركتهما معا في دعم حرب داعش المتطرفة ضد الحكومة السورية.
في عدد 14 سبتمبر، من مجلة بوليتيكو 2016، صرح زلماي خليل زاد وهو من المحافظين الجدد (السفير السابق للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق والأمم المتحدة والآن راس هجوم اللوبي السعودي في واشنطن): ” ان إسرائيل و المملكة العربية السعودية تشاركان تصور مماثل من التهديد الإيراني، ويجب على العداء القديم ان لا يمنع المزيد من التعاون بين البلدين في المستقبل. وقال صرح السعوديون بصراحة غير عادية أنهم لا يعتبرون إسرائيل عدوا وأن المملكة ليست لديها اي مخططات عسكرية موجهة ضد إسرائيل … ”
القرن العشرين والحقد الوهابي في العالم الإسلامي

قد تم توصيف التأثير المدمر والمهيمن للصهيونية وتمت منناقشته في كل الاتجاهات لعدة عقود. ولكن المذهب الوهابي يمكن الآن بوضوح أن ينظر إليه بالوقوف وراء معظم الحركات المتطرفة والجهادية المجنونة، بما في ذلك تنظيم القاعدة وداعش الآن. وسيكون من المستحيل حساب عدد العقول وعدد الشباب في جميع أنحاء العالم،الذين تم تلقينهم العقائد الوهابية.
مرة أخرى، على حد تعبير السفير السابق خليل (عدد 14 سبتمبر 2016 مجلة بوليتيكو):
“في احدى المرات ، خلال لقاءات مع الملك سلمان، وولي العهد الأميرمحمد بن نايف، ونائب ولي العهد محمد بن سلمان وعدد من الوزراء، واعترف مسؤول سعودي كبير:” لقد خدعناكم “. وأوضح أن السعوديين دعموا التطرف الإسلامي منذ أوائل 1960، ضد الناصرية – أيديولوجية سياسية اشتراكية من نتاج افكار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر -التي هددت المملكة العربية وادت إلى حرب بين البلدين على طول الحدود اليمنية. وقد مكن هذا التكتيك من احتواء الناصرية بنجاح، وخلص السعوديين الى أن الإسلام يمكن أن يكون أداة قوية في سياق أوسع. ”
الوهابية السعودية ليست فقط تفسير سيئ متعصب وهمجي للاسلام. فهو عبادة الموت في حد ذاته مع منهجية سياسية حكيمة جدا وسريعة. الصهيونية، التي كثيرا ما تستخدم لتلقين الشبان اليهود [والعديد من الاغبياء الأميركيين الإنجيليين المدعوين “مسيحيين”]، هي في جوهرها وجهات نظر متطرفة، مجنونة، لا هوادة فيها، والتي تتعامل مع التفوق العنصري و “الحق الإلهي” على أرض ليست لهم، على الدولة التي لم تكن أبدا في عهدتهم ، الا لفترة قصيرة، وهي مهمة أثبتتوا أنها لا تليق بهم تماما، وبعد ذلك بدأت طردهم والشتات.
تأثير الوهابية، مثلها في ذلك مثل الصهيونية، غير مرئية إلى حد كبير لأولئك الذين يراقبون الأحداث بشكل سطحي ومن الخارج ويمكن اعتبارها تقريبا تلقينا سريا. على الرغم من أن أحدا لم ينف في أي وقت مضى وجود الوهابية وانتشارها في المملكة العربية السعودية، ولكنه ليس سوى في السنوات الأخيرة بدا ان حجم المواد الوهابية المنتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي بدأ يصبح مفهوما. في حين أن التأثير الديني السعودي لا يمكن أن يكون العامل الوحيد وراء صعود التعصب والتطرف في الشرق الأوسط وما وراءه في كثير من بلدان العالم الإسلامي، بل هو العامل الرئيسي، مع السياسة الخارجية لكل من الولايات المتحدة الامريكية ودولة إسرائيل الصهيونية. وإذا كانت كل هذه العوامل لا بد من اعتبارها تعمل بالتنسيق مع بعضها البعض، واعتبارها عامل واحد، فإنه سيكون من الواضح ما هو المحرك الرئيسي للأحداث الرهيبة في هذا الجزء من العالم.
حتى إذا كنت تريدون أن تذكروا العوامل المسببة الأخرى – على سبيل المثال، الناس المظلومين من قبل مختلف الديكتاتوريات – يمكن للمرء أن يجادل بأن هذه الديكتاتوريات تاريخيا كانت تحظى بالدعم السعودي أو الأمريكي (أو كليهما) في وقت أو في اخر – باستثناء القذافي – وننظر كيف انتهى الامر بالنسبة له. إذا نظرنا إلى الأحداث التاريخية لما يسمى “الربيع العربي” أو من الافضل الفوضى العربية، البعض يميل إلى نسيان أن البحرين، على سبيل المثال، حيث كانت الاحتجاجات الشعبية الخاصة بها مؤلفة من مدنيين يطالبون بالحقوق والحريات الأساسية. تم سحق هذه الاحتجاجات ولم تتلقى أي دعم وأي تضامن من واشنطن والقوى الغربية الأخرى. ومع ذلك، فإن القوى الغربية كانت حريصة على المساهمة في الإطاحة العنيفة والوحشية بالقذافي في ليبيا وتسير الآن في محاولة لتفعل الشيء نفسه في سوريا، من خلال فرض الاثمان الباهظة على لشعب السوري الاعزل والفقير.
مما لا يثير الدهشة، كانت ليبيا القذافي وسوريا الأسد اثنيتن من الديكتاتوريات دون ادنى تعاطف أو حب اتجاه الوهابيين السعوديين. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن عراق صدام حسين، في حين أن قيادة البحرين تحطى بالدعم الكامل من المملكة العربية السعودية. أكثر سخرية، أن السعوديين أنفسهم مشاورتهم من قبل القوى الغربية حول ما يجب القيام به حيال “مشكلة القذافي”، كذلك كان هناك “التشاور” اساسي معهم حول ما يجب القيام به حيال الأسد وسوريا، أو الحملة لاطاحة صدام حسين من العراق.
ومن الغريب أنه مع كل هذه الأنظمة قد انهارت أو قد هوجمت في أماكن أخرى في المنطقة (حتى نظام مبارك في مصر)،يبدو النظام السعودي هوالأقل اضطرابا، على الرغم من أن يحظي بكراهية الكثير من مواطنيه فضلا عن جيرانه، وعلى الرغم من كونه ألاكثر قمعا من غيره من الأنظمة الأخرى التي اتهمت بأنها “غير ديمقراطية”.
وفقا لعالم الاجتماع كينتان ويكتوروويكز، حتى مصطلح “الوهابية” كثيرا ما يستخدم من قبل معارضيه لتعيين النفوذ الأجنبي، وخاصة في البلدان التي يوجد فيها جالية مسلمة عبارة عن أقلية صغيرة، ولكن عانوا من الاجتياحات الأخيرة لتحويل السكان المحليين لهذه العقيدة. من خلال هذا الأسلوب من التسلل على المدى الطويل، حيث تضطرب الدول الأجنبية ، وتعاني من حركات لا تهدأ والانظمة تتضرر او يتم الاطاحة بها. معمر القذافي يعرف بالتأكيد الوهابيين – ويكرههم بشدة. وارتكب خطأ مواجهة العائلة المالكة السعودية علنا في احدى القمم العربية. مرة أخرى، علينا ان نلاحظ أنه لا إيران ولا سوريا ولا ليبيا القذافي ولا عراق صدام حسين ساهمت في تصدير أو انتشار التطرف أو الإرهاب ضد الغرب. ولكن الوهابية السعودية قامت بذلك بوضوح ولا تزال.
من الصعب دائما للباحثين المستقلين فحص المؤامرة الدولية التي أجريت ضد القذافي والشعب الليبي دون التساؤل ما هو مزيج القوى والمصالح الذي كان حقا وراء ذلك ولماذا. وهذا الموضوع يبرر محاولة في حد ذاته، ولكنه يصبح من الصعب أيضا أن ننظر إلى الأزمة التي مزقت سوريا السلمية دون ان نسأل نفس السؤال، ناهيك عن العراق وصعود داعش.
ومن الحقائق الثابتة أن السعوديين والبلدان التي تدور في فلكها هي التي مولت ونسقت بين الإرهابيين المتطرفين العنيفين مثل داعش في سوريا منذ بدء الصراع. ومن الواضح أيضا أن إسرائيل كانت متورطة في مساعدة المتمردين السوريين. لذا فمن المعقول تماما أن نسأل ما إذا كان هناك برنامج وهابي -صهيوني هو الذي دبر ذلك في انسجام تام مع دعم المحافظين الجدد في واشنطن.
هذه ليست، بالمناسبة، محاولة لتشويه سمعة المملكة العربية السعودية والدولة السعودية – التي يمكن أن تواجه خطر التطرف الجهادي – ولكن بشكل أكثر تحديدا رجال الدين والشبكات الدينية. ومن غير المعروف كيف ترتبط هذه الشبكات بالدولة نفسها. ولكن يكاد يكون من المؤكد أن هناك قدرا من التواطؤ مع إشتراك الاشخاص رفيعي المستوى في الدولة.
وفي الختام، فمن الواضح أنه خارج نطاق هذا المقال لا يمكن التعليق الحاسم فيما إذا كانت بروتوكولات حكماء صهيون أو مذكرات السيد همفر اوهام من القرن التاسع عشر أو عناصر تاريخية حقيقية تعرض الأصول الحقيقية لكلا الأيديولوجيتين الأكثر تدميرا وسمية في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
ومع ذلك فان ما يمكن ملاحظته بكل موضوعية مطلقة، ، هو دور الكبير الذي لعبته كلا من الأيديولوجيتين في خلق الظروف القاسية، المروعة تقريباالتي لدينا الآن في الشرق الأوسط وحول العالم. ومتى اعتدتم على القصة، هذا لا يمكن أن يمنعكم من رؤية الطائفية المريرة والحروب والانقسامات والدم اليوم دون رؤية الظلال الكبيرة للصهيونية والوهابية التي تقف وراء ذلك. وحتى قبل الأخذ في الاعتبار قضية الإسلام الشيعي. هذا مثير للاهتمام لا سيما بالنظر إلى حقيقة أن سياسة الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة تعمل على ان تفاقم صراعا زائفا ومصطنعا بين السنة والشيعة في المنطقة. المثقفين الإسرائيلي أيضا متورطون بدرجة كبيرة في ظهور هذا الصراع الجيو-الطائفي.
الصورة القاتمة هي لسرطان اجتماعي وسياسي تمت زرعاته في مطلع القرن العشرين، ووصل ال أعنف مستوياته في بداية القرن الحادي والعشرين: برنامج سبق الحرب العالمية، ويمكن أن يتسبب بالحرب العالمية الثالثة.
الكسندر ازادكان .
Alexander Azadgan

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السابق
مستقبل الميليشيات الشيعية في العراق بعد هزيمة داعش
التالي
في 3 اشهر الجيش العراقي استعاد السيطرة حتى شرق الموصل 

اترك تعليقاً