اخترنا لكم

السيستاني يتحمل مسؤولية اخلاقية للتدخل لانقاذ البلد الآن

*رياض محمد

منذ سقوط نظام صدام وحتى اليوم فرض رجل واحد نفسه على الحياة السياسية العراقية واصبح اللاعب الفاعل الاول في اهم القرارات المصيرية للعراق خلال ال16 السنة الماضية.

هذا الرجل ليس الجنرال سليماني وليس السفير الامريكي وليس مقتدى الصدر وليس مسعود البرزاني. هذا الرجل هو المرجع الاعلى اية الله العظمى علي السيستاني. وباستعراض موجز لبعض ما جرى منذ عام 2003 وحتى اليوم نستنتج ان ما من قرار مصيري عراقي الا وتم بمباركته او على الاقل بعدم ممانعته. من ذلك ما يلي:

اولا: اجبار الحاكم المدني الامريكي بول بريمر عامي 2003 و2004 على انتخاب الجمعية الوطنية المكلفة بكتابة الدستور ومن ثم عرضه على العراقيين باستفتاء عام. وقد ادى هذا ايضا الى تسريع تسليم السيادة في حزيران 2004 رغم ان مرشح السيستاني المفضل – انذاك – د. حسين الشهرستاني لم يحظ بمنصب رئيس الوزراء.

ثانيا: مد حبل النجاة لمقتدى الصدر في اب 2004 بعد محاصرته واتباعه في المرقد العلوي وهو ما سمح لهم بالخروج سالمين. ورغم ان هذا القرار انهى معركة النجف الثانية وحمى المرقد من الدمار الا انه وفر الحماية لمقتدى الصدر وتياره ليعودوا من جديد بعد عام كجزء من الائتلاف العراقي الموحد.

ثالثا: تشكيل الائتلاف الوطني الموحد الذي انبثق من رحم البيت الشيعي الذي تطور بدوره عن المجلس السياسي الشيعي. وهنا قيل ان الائتلاف شكل بمباركة المرجعية لكي يضمن عدم تشتت الصوت الشيعي في عملية كتابة الدستور. وكان ذلك الائتلاف البداية الحقيقية للطائفية السياسية في العراق وان كان هذا الائتلاف قد انقسم في انتخابات 2010 و2014 و2018. كما كان هذا الائتلاف المنصة التي حكم بها 3 رؤساء وزارات من حزب الدعوة حتى عام 2018. وقد جرى في عهدهم نهب العراق وانزلاقه في الحرب الاهلية مرتين: عام 2006 و2014.

رابعا: لعب السيستاني دور اساسيا في اختيار رؤساء الوزارات العراقية – وهي عملية معقدة وطويلة وغالبا ما تتحول الى ازمة سياسية خانقة – من المالكي كبديل للجعفري عام 2006 و العبادي كبديل للمالكي عام 2014 وعادل عبد المهدي عام 2018. وكان دوره يتجسد احيانا في رفض شخصية ما (مثل المالكي عام 2014) او الموافقة على البديل (مثل المالكي 2006 والعبادي 2014) او عدم الممانعة (المالكي 2010) او الموافقة (عادل عبد المهدي 2018).

خامسا: تشكيل الحشد الشعبي بعد فتوى الجهاد الكفائي بعد سقوط الموصل في حزيران 2014 بيد داعش. وسمح ذلك للحكومة بالتقاط انفساها كما ساهم في طمأنة العراقيين ان بغداد لن تسقط وساهم ايضا في رفد القوات المسلحة بقوة استخدمت في معارك التحرير وفي حفظ الامن لكنه وفر ايضا الغطاء الشرعي لظهور وتمدد جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة ومشاركتها فيما بعد في الحياة السياسية العراقية.

في كل هذه المحطات كانت كلمة واحدة من السيستاني كافية لانهاء ازمة كبرى. وبالرغم انني لم التق المرجع الاعلى يوما ولا بابنه محمد رضا السيستاني صاحب النفوذ الاكبر عليه – والذي يقول البعض انه هو صاحب القرار اكثر من ابيه لانه يسيطر على عملية تمرير المعلومات لابيه وعلى وصول الناس اليه – فان لقاءات اجريتها مع ابناء مراجع اخرين مثل محمد حسين الحكيم نجل اية الله العظمى محمد سعيد الحكيم وعلي النجفي نجل اية الله العظمى بشير النجفي وفرت لي فرصة الاستنتاج ان السيستاني يفضل ان يترك تفاصيل الحياة السياسية للسياسيين لكنه يتدخل عندما يرى ان ازمة وجودية او كارثة كبرى على وشك الحصول وان تدخله لحسم الامور بات ضرورة لاغنى عنها.

وفي ضوء كل هذا وحيث ان العراق اليوم يعيش اكبر ازمة سياسية مرت به منذ عام 2003 وحيث ان الملايين من العراقيين عبروا بوضوح من خلال خروجهم الى الشوارع ومخاطرتهم بحياتهم احيانا عن رفضهم للعملية السياسية التي هيمنت على العراق منذ 2005 والتي كان للسيستاني دور مهم فيها , وحيث ان ثورة تشرين المستمرة لم تؤد حتى الان الى زحزحة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والطبقة السياسية التي تحكم البلد من خلاله للاستجابة الحقيقية لمطالب الناس المشروعة واعلان استقالة الحكومة لتبدا عملية الاصلاح الحقيقية بعدها رغم استشهاد ما يقارب 300 شهيد وجرح 13 الف جريح واعتقال مئات اخرين , بات لزاما على السيستاني التدخل الان لحسم الامور وتجنيب العراقيين المزيد من الدماء او الانزلاق الى حرب اهلية جديدة.

يتحمل السيستاني مسؤولية اخلاقية للتدخل لانقاذ البلد الان. حيث ان غالبية من يتظاهر ومن يعتصم اليوم من مقلديه وابنائه ولطالما قدسوه ودافعوا عنه لعقود كما كان دوره محوريا في تشكيل الطبقة السياسية الحاكمة في العراق منذ عام 2005 وفي تشكيل الحشد الشعبي واذرعه السياسية التي تعارض استقالة حكومة عادل عبد المهدي اليوم.

ان الخطر الذي يهدد العراق اليوم لايقل اهمية عن الازمات الوجودية التي حثت السيستاني على التدخل من قبل (اقرار دستور دائم تصوغه جمعية وطنية منتخبة لا معينة , حماية المرقد العلوي من الدمار وحماية بغداد والعراق من السقوط على يد داعش). ان ترك الامور على ماهي عليه الان بما في ذلك احتمال اقدام الحكومة على ارتكاب مجزرة لفض الاعتصامات في بغداد والمحافظات وعدم الاستجابة الحقيقية لمطالب الجماهير بالاصلاح الحقيقي والشامل قد يؤدي في نهاية الامر الى ان تنفض الجماهير عن المرجعية وان تبحث عن حلول وشخصيات اخرى تستجيب لمطالبها المشروعة في حياة كريمة وامنة.

كما ان الطرف الاساسي الذي يمنع استقالة الحكومة وهي اذرع الحشد الشعبي السياسية المتحالفة مع ايران لاتقلد السيستاني بل تقلد مرشد الثورة الاسلامية اية الله علي خامنئي. وان السماح لهذه الاذرع بفرض ارادتها بالقوة على الشعب العراقي الرافض لهذه الحكومة سيعني في النهاية خسارة لمرجعية السيستاني في العراق.

ورغم ان السيستاني قد تدخل بشكل ما عندما طالب ممثله من الحكومة ان تشكل لجنة تحقيق في العنف المفرط ضد المتظاهرين او عندما رفض تدخل ووصاية الاجانب على قرار العراقيين او عندما طلب اليوم من القوى السياسية ان تضع خارطة طريق لانهاء الفساد , فان ما حدث ويحدث يؤكد ان الظرف العصيب الذي نعيشه اليوم يستدعي تدخل السيستاني المباشر والقوي لاجبار الحكومة على الرضوخ لمطالب الناس وتقديم استقالتها غير المشروطة لتبدأ بذلك عملية الاصلاح الحقيقية المنشودة. ان من مارس الفساد ل 15 سنة لايمكن له ان يضع خارطة طريق لانهاء الفساد الذي مارسه هو و لا احد غيره.

وبينما يعتقد الكثير منا انه لايوجد حل سحري للازمة الحالية فان الواقع يؤكد ان هناك حلا سحريا يجنب العراقيين المزيد من الدماء ويطلق عملية الاصلاح وهو كلمة واضحة وقوية من السيستاني تجبر الحكومة على الاستقالة.

وعليه فان كل عراقي مقلد للسيستاني له ان يكتب لمرجعه الاعلى بانه رافض لهذه الحكومة وراغب في دعم المرجع الاعلى له ولملايين العراقيين في هذا المطلب سواء تم ذلك عبر الطلب من معتمدي السيستاني في مدن وبلدات العراق او عبر الكتابة الى موقع مكتب السيستاني على الانترنت (نعم اعرف: عندما تعيد هذه الحكومة المجرمة خدمة الانترنت للعراقيين).

كما ان كل شخصية لها قدرة الوصول شخصيا او بالهاتف الى السيستاني او الى ابنه محمد رضا لها ان تعبر عن ذلك ايضا.

هذه ليست المرة الاولى ولا الاخيرة التي يتصدى فيها مرجع كبير لنصرة ابنائه. فلنا في ثورة التنباك في ايران عام 1890 مثال عندما اجبر اية الله محمد حسن الشيرازي شاه ايران ناصر الدين على الغاء اتفاقية احتكار التبغ لحماية مصالح الايرانيين ولنا ايضا في فتوى اية الله محمد تقي الشيرازي ابان ثورة العشرين مثال اخر.

وكما قلت في منشور سابق ان ثورة تشرين العظيمة هي واحدة من اللحظات النادرة في التاريخ التي ينقسم فيها الناس الى معسكرين لا ثالث لهما: اما ان تكون مع دماء الشهداء ومع ثورة الشعب العراقي ضد الفساد واما ان تكون مع نظام القتلة والفاسدين الذي يحكم العراق اليوم. ان المرجع الاعلى علي السيستاني ليس استثناء من ذلك ومقلديه وعموم العراقيين ينتظرون بيان موقفه الواضح والقوي في ذلك.

وفي الختام اود ان اذكر الجميع ان المرجع الاعلى علي السيستاني ليس الها ولا نبيا ولا اماما معصوما حتى نتجنب انتقاده. فهو بشر يصيب ويخطئ ومادامت قراراته ومواقفه تؤثر علينا جميعا فلنا الحق بتناول تلك القرارات والمواقف بعين ناقدة ما دامت غاية ذلك منفعة الناس.

السابق
تقرير امريكي: إيران تعتبر حكومة عبد المهدي كحكومتها ولا تريد ان تخسرها
التالي
حجم الإنفاق الإيراني على الفصائل في العراق

اترك تعليقاً