أبحاث ودراسات

الصين والدولة الكردية المستقلة

ملخص: سيجري إقليم كردستان العراق استفتاء حول الاستقلال في 25 سبتمبر 2017. وبينما تخشى بكين من أن استقلال كردستان يمكن أن يؤجج الحركات الانفصالية داخل الصين، فإن ظهور دولة كردية يمكن أن يكون إيجابيا صافيا  لعملاق اسيا. وتحافظ الصين على علاقات دبلوماسية وتجارية ودية مع الاكراد، لكنها تعارض اعلان الاستقلال الكردى من جانب واحد. ولن تدعم الدولة الكردية المستقلة إلا إذا حصلت على موافقة الدول الإقليمية.

 

في يونيو الماضي أعلن رئيس حكومة إقليم كردستان مسعود بارزاني أنه في 25 سبتمبر 2017، سيتم إجراء استفتاء حول الاستقلال في إقليم كردستان العراق. وسيجري الاستفتاء داخل حدود إقليم كردستان العراق، وكذلك في الأراضي المتنازع عليها التي تخضع للسيطرة الكردية بحكم الواقع منذ تحريرها من داعش (مثل كركوك). وسيصوت الاكراد على تقرير ما اذا كان يتعين على كردستان المستقلة ان تنفصل عن العراق وان تصبح مستقلة او تبقى داخل الدولة العراقية.

يذكر ان الاستفتاء ليس اعلانا استقلاليا ولا حافزا للتغيير الفورى فى طبيعة السيادة الكردية فى شمالى العراق حيث ان التصويت يفتقر الى اطار قانونى للتنفيذ الملزم والدعم من المجتمع الدولى. ومع ذلك، فإن الاستفتاء سيكون أول خطوة ملموسة من الأكراد العراقيين نحو تحقيق حلمهم على مدى أكثر من قرن من الزمان لدولة كردية مستقلة. ومن المرجح أن يعطي التصويت الأكراد مزيدا من القدرة التفاوضية تجاه بغداد والمجتمع الدولي بعد انتهاء القتال ضد داعش.

وكانت مسألة الاستقلال قائمة منذ ان اقام الاكراد منطقة شبه مستقلة في اعقاب حرب الخليج عام 1991. وقد اكتسبت هذه الطموحات زخما خلال الفترة الحالية من الاضطرابات، التي شهدت اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، وصعود داعش، وتوابع “الربيع العربي”. واستغل الأكراد عدم الاستقرار للاستحواذ على فرصة ل تغيير جذري في ميزان القوى في الشرق الأوسط.

والأهم من ذلك أن الدور الرئيسي الذي لعبه الأكراد في الحملة التي تدعمها الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم داعش قد جلب لهم اهتماما دوليا متزايدا واعترافا أوسع بإنجازاتهم وحقوقهم الوطنية. ومع ذلك، وبدون الاعتراف والدعم الدوليين، ستبقى الدولة الكردية حلما.

وستحتاج الصين، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، مع طموحاتها إلى أن تصبح لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط، إلى اتخاذ موقف واضح بشأن “المسألة الكردية”. والمسألة ليست مجرد مسألة تتعلق بالأمن والاستقرار الإقليمي ،بل هي أيضا مسألة تتعلق بالقانون الدولي والمعايير الأخلاقية التي تنطوي على المصالح الصينية والأمن القومي.

في فترة ما بعد الحرب الباردة، أصبحت الصين تشارك بشكل متزايد في الشرق الأوسط بسبب المصالح القومية الأوسع – أي مواصلة نموها الاقتصادي، والحفاظ على النظام السياسي الذي يحكمه الشيوعيين، والدفاع عن سيادتها من التهديدات الأجنبية وغيرها من التدخلات في الشؤون الداخلية، وتوسيع نفوذها العالمي كقوة اقتصادية وسياسية متزايدة.

ومنذ اقامة جمهورية الصين الشعبية فى عام 1949 عارضت بكين بشدة الحركات الانفصالية فى الخارج كوسيلة للحصول على تأييد لمعارضتها للحركات الانفصالية داخل الصين. وتعتبر بكين رسميا النزعة الانفصالية احدى “قوى الشر الثلاث”، الى جانب الارهاب والتطرف. ويعكس ذلك التزامها الثابت بصون السلامة الإقليمية مهما كانت التكاليف – ولا سيما فيما يتعلق بتايوان، ولكن أيضا إلى التيبت وشينجيانغ ومنغوليا الداخلية. وتعتقد الصين أن تقرير المصير لا ينبغي أن ينطوي بالضرورة على الاستقلال الوطني، وان الأمم عديمه الجنسية لا ينبغي ان تشكل بالضرورة دولا أو ان تعطي لها.

إن سياسة بكين بشأن القضية الكردية هي جزء من سياستها الشاملة بشأن العراق، والتي بدورها جزء من سياستها تجاه الشرق الأوسط بشكل عام، والتي بدورها جزء من سياستها الخارجية على المستوى العالمي. جوهر السياسة الرسمية للصين فى الشرق الاوسط هو الحفاظ على بيئة اقليمية مستقرة وسلمية تسهل استمرار الاصلاح والتنمية المحلية. وفيما يتعلق بالنقاط الساخنة فى الشرق الاوسط فان السياسة الصينية هى تعزيز السلام والتسوية المعقولة للنزاعات من خلال الحوار والتفاوض مع التركيز على دور مجلس الامن الدولى.

وقد دعمت بكين رسميا الحكومة المركزية العراقية فى جهودها لحماية السيادة والاستقلال والسلامة الاقليمية وتوطبد الاحترام والمساواة والمنفعة المتبادلة على اساس العلاقات الثنائية. وهي تدعم بنشاط إعادة البناء السياسي والمصالحة الوطنية، فضلا عن جهود العراق لمكافحة الإرهاب في محاربة تنظيم داعش. وتدعو الصين بقوة الى تبني عملية ديمقراطية سلمية لتحقيق الامن والاستقرار فى العراق.

ومع ذلك، هناك العديد من المصالح الكامنة وراء سياسة بكين الكردية . أولا، يمكن أن توفر دولة كردية مستقلة وودية – وخاصة اذا ساعدت الصين في خلقها – الفرصة لتزويد بكين بحليف جديد في الشرق الأوسط وصك نفوذ جديد في المنطقة. ثانيا، على الرغم من المعارضة الرسمية لبكين للحركات الانفصالية، فإن الشركات الصينية لديها طاقة قوية وحصص اقتصادية في كردستان، مما يجعلها مختلفة عن غيرها من هذه الحركات. وثالثا، وجدت بكين أن الأكراد حليف إقليمي موثوق به، فضلا عن كونهم يمتلكون ميزات فتاكة وقيمة ضد داعش والقاعدة. رابعا، توفر القضية الكردية للصين نفوذا ضد تركيا التي لا تزال تستضيف الانفصاليين والمنظمات في أيغور. خامسا والأهم، تهتم الصين بحقول النفط الغنية في كردستان العراق، والتي يمكن أن تنوع إمداداتها النفطية.

ومع كل ذلك، فإن كردستان المستقلة سيكون لها مجموعة من الآثار السلبية على المصالح الصينية والأمن القومي. أولا، يمكن لدولة كردية مستقلة أن تطلق العنان لعدم الاستقرار الإقليمي الذي من شأنه أن يضر بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للصين، والتي يمكن أن تشجع حركات انفصالية أخرى (ولا سيما الأويغور والتيبتيون) للقتال من أجل قضاياهم الخاصة. ثانيا، ستواجه ولادة دولة كردية جديدة معارضة قوية من الدول الإقليمية الكبرى، وتؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وربما تكون مصحوبة بالحرب. وتعارض بغداد وطهران ودمشق وأنقرة معارضة شديدة دولة كردية مستقلة لنفس السبب، مما يعطي الصين وقفة مؤقتة: فقد تشجع الانفصالية بين أقلياتها. إن دعم كردستان المستقلة يمكن أن يضر بعلاقات بكين مع القوى الإقليمية التي أمضت سنوات في محاولة تطويرها.

الانفصال الكردي يمكن أن يزعزع استقرار الدولة العراقية المتجذرة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. يذكر ان بكين ليست مهتمة على الاقل بمزيد من زعزعة الاستقرار فى العراق او فى تنحية بغداد. وعلاوة على ذلك، فإن واشنطن قد تجنبت تاريخيا فكرة تفكيك الدولة العراقية خوفا من وضع سابقة للانفصال في جميع أنحاء المنطقة.

ومع ذلك، فإن سلوك الرئيس ترامب، الذي هو مرن ومتقلب، قد يكون مؤيدا لتطلعات الأكراد العراقيين نحو الاستقلال. ومن الواضح تماما أنه إذا ظهرت دولة كردية، فإنها ستكون ودية للولايات المتحدة، الأمر الذي سيكون له عواقب هامة على مصالحها الإقليمية وأمنها القومي.

إن ظهور كردستان المستقلة سيكون له انعكاسات إيجابية بالنسبة للقوى الغربية: فمن المرجح أن تكون مستقرة وثابتة نسبيا، وستكون مؤيدة للغرب. ومن شأن هذه التطورات أن تضعف إلى حد كبير المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الصينية في المنطقة.

إن الاستفتاء الكردي لا يمكن أن يؤدي إلى الاستقلال دون اعتراف دولي، شرط مسبق حاسما لإقامة دولة كاملة. وبما أن حكومة إقليم كردستان تقع في بلد مزقته الحروب وفي منطقة ذات أهمية اقتصادية وجيوسياسية، فإنها تحتاج إلى الدعم والشرعية التي تمنحها القوى العالمية والإقليمية على السواء.

وموقف بكين بشأن المسألة الكردية أمر معقد. يذكر ان الصين لديها علاقات ودية مع الاكراد تقليديا وانضمت الى الاعضاء الاربعة الاخرين فى مجلس الامن الدولى لفتح قنصلية فى اربيل. بيد ان بكين تعارض اعلان الاستقلال الكردى من جانب واحد. ولن تدعم الدولة الكردية المستقلة إلا إذا ظهرت بموافقة الحكومة المركزية العراقية في بغداد ودول أخرى في المنطقة.

إن معضلة الصين فيما يتعلق بالأكراد ليست بالضرورة غير قابلة للحل. وبإمكان بكين أن تسمح بظهور كردستان مستقلة، بينما تبقى معارضة بلاغية لها في نفس الوقت. وكان هذا النوع من النهج تكتيكا مشتركا للدبلوماسية الصينية في المنطقة.

 

بقلم الدكتور مردخاي شزيزا

18 سبتمبر، 2017

مركز بيغن السادات للأبحاث الإستراتيجية

 

 

 

الدكتور مردخاي شزيزا هو محاضر كبير في العلوم السياسية في كلية عسقلان الأكاديمية، متخصص في العلاقات الخارجية والاستراتيجية الصينية.

السابق
الاكراد ينتقلون من فشل الى فشل !
التالي
لا، لا يمكننا اسقاط  صواريخ كوريا الشمالية

اترك تعليقاً