أبحاث ودراسات

العبادي تشرشل العراق

عادت الحياة الى الموصل، احدى أكبر مدن العراق، فحتى العام الماضي، كان يُعاقب بالجلد 80 جلدةً كل من يحاول الخروج عن القوانين الوحشية. لكن في هذه الأيام، يمكن حجز فندق بسهولة بعد أن اعيد تجديده بالكامل، والمحال التجارية التي صارت انقاضاً، تحولت الى واجهات مطاعم تكتظ بالعائلات على طول نهر دجلة، فلا نقاب ولا غطاء للوجه بعد الآن.

إحياء الموصل، هو إحياءٌ للعراق ككل بتعبير مجازي. فعندما استولت داعش على المدينة عام 2014، بدا أن العراق قضية خاسرة حين تقهقرت قواته المسلحة، والحكومة كانت تسيطر على اقل من نصف البلاد، وكان الارهابيون على أهبة الاستعداد لدخول بغداد، فضلاً عن أنهيار اسعار النفط في عام 2015. كان العراق كلمة مرادفة للحرب الأهلية والطائفية.

اليوم، العراق الوطن لاكثر من 40 مليون شخص، يصحح نفسه، لقد دحرت قواته التنظيم الارهابي، مستعيداً السيطرة على مدنه وحتى حدوده البعيدة. وتحولت موجة الانتصارات بحسب مسؤول في الامم المتحدة بأنه “الأكثر جاذبية” في الشرق الاوسط. اليوم، تشعر أن بغداد بأمان أكثر من اي عواصم شرق اوسطية اخرى.

الحكومة هي الاخرى تنفق الماضي وتضاعفه مع تضاعف اسعار النفط منذ انخفاضه في 2016، ووصل الانتاج الى اعلى مستوياته. ولا عجب في أن ألفي مستثمر اجنبي احتفلوا بوقت سابق من هذا العام بمناسبات للاحتفالات الفندقية في مؤتمر اعادة اعمار العراق.

من اللافت للنظر أن العراق، بفضل ماضيه الحرب وصراعاته العديدة في المنطقة، يتمتع بعلاقات ودية مع جميع جيرانه، وقد تكون امريكا وايران المتنافستين المريرتين، لكنهما يقدمان بالوقت نفسه الدعم العسكري والسياسي للعراق. لقد نجحت دول الخليج، التي تجاوزت المخاوف الطائفية والأمنية التي استمرت لعقود، في اعادة العلاقات الدبلوماسية وترغب في الاستثمار. ولتغطية الامر كله، يبقى العراق نادراً بين الدول العربية، بخلاف تونس.

العراق سيشهد انتخابات متعددة التنافس الحزبي في الثاني عشر من آيار، وفي ظل منطقة الطغاة كما يقول العراقيون، فانهم يتحدثون بحرية لوسائل الاعلام من قبل مجاميع مدنية نابضة بالحياة.

ويعتقد البعض أن الحرب كانت ضرورية لعودة العراقيين الى رشدهم. واذا كان الأمر كذلك، فقد كان شكلاً فظيعاً من العلاج. في السنوات الخمس عشر التي مرت على غزو امريكا للعراق، قُتل نحو 30 الف عراقي و4400 جندي امريكي. ومن بين العديد من جولات الفتنة التي ادت الى قتالٍ ضارٍ.

خلال الحرب الاخيرة، قُتل ما لا يقل عن 7000 مدني، و20 الف من قوات الأمن، واكثر من 23 الف من مسلحي داعش، وفقاً لمركز ابحاث في بغداد، اما التراث القديم في الموصل، وتحديداً البلدة القديمة، تحولت الى ركام.

في تتابع سريع، تم ترويض ثلاث آيديولوجيات تمزق البلاد. وكان الادماج من قبل الاقلية العربية السنية، الذين يشكلون حوالي 20٪ من سكان البلاد، لكنهم حكموا العراق منذ العهد العثماني وصولاً الى القومية البعثية الوحشية المتمثلة بنظام صدام حسين وانتهاءً بولادة تنظيمي القاعدة وداعش. لكن اليوم يبدو أن السنة اكثر اتزاناً، اذ يقول احد مستشاري الحكومة المؤثرين “شعر السنة اخيراً بما يعنيه وهو الاندماج بالحكومة”.

ورغم انتصار الاغلبية الشيعية المقموعة منذ فترة طويلة، الذين يشكلون نحو 60٪ من سكان العراق قد فقدوا جماهيرهم، بسبب سوء حكم الاحزاب الدينية، لاسيما ان الجنوب الشيعي يملك معظم نفط العراق، لكنه يبدو محطماً ومهملاً من الشمال السني.

القومية الكردية، في حالها يرثى لها، فبعد استنكار الاستقلال في العشرينات، ينتشر الاكراد في اربع دول. لكن في العراق يتمتعون منذ فترة طويلة بشبه استقلال ذاتي، وهذا قادهم الى اجراء استفتاء في شهر ايلول للانفصال، وتجاوز مسعود بارزاني حاكم الاقليم الكردي الدعوة الى غض النظر عن الاستفتاء، متحدياً بغداد وواشنطن وطهران.

وحين رفض مسعود التراجع، انتزعت القوات العراقية السيطرة الكردية على الاراضي المتنازع عليها، وفرضت بغداد حظراً على الرحلات الاجنبية المتوجهة الى مطار اربيل.

وبعد هذه الاجراءات من الحكومة المركزية، تتفاوض اربيل على الخروج من عزلتها، ويبدو ان العديد من الاكراد يشعرون بالضيق، حتى أن معلمي كردستان خرجوا بمظاهرات تندد بسياسات بارزاني ورددوا شعارات “هذه بارزانستان وليس كردستان”.

اليوم العراق يحمل الكثير من الوعود، نظراً الى وفرة النفط والمياه وسكانه المتعلمين. والعبادي، رئيس الوزراء العراقي، يتمتع بشعبية كبيرة بين السنة على الرغم من انتمائه لحزب الدعوة الذي يديره المالكي.

العبادي يبدو انه لا يريد تحويل فوزه العسكري الى مكسب سياسي، وهذا ما قارنه احد مستشاريه برئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، الذي قاد بريطانيا الى الانتصار على المانيا النازية.

ويبدو أنه من غير المرجح أن يتصرف قادة العراق كما فعل البريطانيون، حيث تحولوا من الحرب إلى الإصلاح الاجتماعي. بدلا من ذلك يخاطرون بالعودة إلى الصراع المدني.

المصدر: الايكونومسيت

ترجمة: وان نيوز

السابق
احتمال خسارة الكرد 10 مقاعد في الانتخابات المقبلة
التالي
الحوثي يفجر مفاجأة بشأن الهدف القادم في السعودية (فيديو)

اترك تعليقاً