فكر ديني

العدل أساس التوحيد (2)

إذا كان العدل يشهد على وحدانية الله سبحانه وتعالى، فإن للعدل قيمته ومكانته العظيمة في الوجود، ومن هنا لا يمكن لأي نظام أو دين أن يستقيم إذا لم يكن العدل هدف له وغاية ولذا نجد القرآن الكريم قد اعتبر أن الهدف الأول من إرسال الرسل إقامة العدل، لأن العدل يزيل كل الموانع التي تمنع الإنسان من إختيار طريق الحق وهو طريق التوحيد إلى الله.

يقول الله: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ”

فقد بُعث الأنبياء لإقامة القسط والعدل ، إذ يقول سبحانه (ليقوم الناس بالقسط ). والعدل هو الذي يوفر الأرضية لممارسة الحرية من قبل المجتمع لذا كانت أيضا هذه القضية قضية الأنبياء أي تحرير الناس (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) فيتمتعوا بالحرية كما أشارت إلى ذلك الآية. وبذلك يكون الدين رحمة ومنجاة للمستضعفين وتخليصهم من نير المستكبرين الظالمين.

وأمّا «الميزان» فيعني وسيلة للوزن والقياس، ومصداقها الحسّي هو الميزان الذي يقاس به وزن البضائع، ومن الواضح أنّ المقصود هو المصداق المعنوي، أي الشيء الذي نستطيع أن نقيس به كلّ أعمال الإنسان، وهي الأحكام والقوانين الإلهيّة أو الأفكار والمفاهيم الربّانية، أو جميع هذه الاُمور التي هي معيار لقياس الأعمال الصالحة والسيّئة.

وبهذه الصورة فإنّ الأنبياء كانوا مسلّحين بوسائل عديدة من البينات والكتب السماوية والميزان – معيار قياس الحقّ من الباطل – والحديد, وكل هذه الوسائل انما تصب في خدمة الهدف الاكبر وهو اقامة العدل، ثم ،إذا الهدف من تعبئة هؤلاء الرجال العظام بهذه الأسلحة الأساسية، هو إقامة القسط والعدل بين الناس.

ومن الواضح أنّ المقصود من الرسل في الآية السابقة، وبقرينة إنزال الكتب، هم الأنبياء أُولي العزم ومن يمثّلهم.

وممّا يجدر ذكره أنّ المقصود من التعبير القرآني: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )أي أن يتحرّك الناس أنفسهم لتحقيق القسط، وليس المقصود أن يلزم الأنبياء على إقامة القسط، ولهذا يمكن القول بأنّه المراد من الآية وهدفها هو أن يعمل الناس بمفاهيم القسط ويتحرّكوا لتطبيقها.

والمهمّ أن يتربّى الناس على العدل والقسط بحيث يصبحون واعين له داعين إليه، منفّذين لبرامجه وسائرين في هذا الإتّجاه بأنفسهم، وهذه هي وظيفة الأنبياء.

ثمّ إنّ أي مجتمع إنساني مهما كان مستواه الأخلاقي والإجتماعي والعقائدي والروحي عالياً، فإنّ ذلك لا يمنع من وجود أشخاص يسلكون طريق العتو والطغيان، ويقفون في طريق القسط والعدل، وإستمراراً لمنهج الآية هذه يقول سبحانه: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).

نعم، إنّ هذه الأسلحة الثلاثة التي وضعت تحت تصرّف الأنبياء هي بهدف أن تكون الأفكار والمفاهيم التي جاء بها الأنبياء فاعلة ومؤثّرة، وتحقّق أهدافها المنشودة، فقد وضع الحديد والبأس الشديد في خدمة رسل الله

السابق
العدل شهادة على التوحيد(1)
التالي
قضية «جورج نادر»: الإمارات تغسل دماغ أمريكا

اترك تعليقاً