اخترنا لكم

العراق أفقره الفاسدون

كتبت، في مطلع العام 2010، مقالة في صحيفة العرب القطرية عنوانها “فساد اسمه العراق”، حينها هاج وماج سفير العراق في الدوحة، وأرسل ردّاً طويلاً، يتهمني فيه بعدم الوطنية وبمحاولة الوقوف ضد التجربة الديمقراطية “الفتية” في العراق.
عموماً، يبدو أن هذا الفساد الذي كان واضحاً لكل متابع لأحوال بلاد الرافدين، عقب الغزو الأميركي في عام 2003، وصل إلى حد إفقار البلاد، إلى درجة لا يمكن تخيلها حتى مع أصعب الظروف الاقتصادية التي مر بها العراق، وتحديداً في تسعينات القرن الماضي، إبّان فرض الحصار الدولي الخانق على العراق. وقد حمل مشروع موازنة العراق للعام 2021، والتي أعلن عنها أخيرا، مواجع كثيرة ستزيد من ألم المواطن العراقي ومعاناته، ليس أقلها تخفيض قيمة العملة العراقية أمام الدولار ورفع أسعار الوقود واستقطاع المخصّصات الوظيفية، ناهيك عن أفكار أخرى، من قبيل طبع عملة للتداول المحلي، فمنذ عدة أشهر والمواطن العراقي يعاني من تأخر راتبه الشهري الذي وصل، أحيانا، إلى أن يكون موعد استلامه بعد شهر ونصف الشهر، ناهيك عن تردّي الوضع الاقتصادي برمته، وغياب الوظائف الحكومية، وغياب أدنى فرص العمل بسبب ركود الحركة الاقتصادية في بلدٍ يعد ثالث بلدان العالم من حيث احتياطه النفطي، ناهيك عن توفر بيئة خصبة للزراعة ونهرين يجريان في طول البلاد وعرضها، وغيرها مقومات كثيرة لو استغلت بحدها الأدنى، لتوفرت على الأقل أبسط شروط الحياة الكريمة.
الفساد في عراق ما بعد 2003 هو الآفة الأخطر التي أكلت أخضر العراق ويابسه، وحولته إلى واحد من البلدان الفقيرة. والفساد هنا ليس بالضرورة السرقات التي تعتاش عليها أحزاب السلطة ومليشياتها فحسب، وإنما الفساد حتى في طريقة إدارة البلاد. فقط عليك أن تتخيل أن العراق الذي ناهز عدد سكانه الأربعين مليونا، فيه قرابة سبعة ملايين موظف، من دون احتساب الموظفين الوهميين، فمع كل احتجاج شعبي على السلطة تعيّن الحكومة مزيدا من الموظفين الذين لا تحتاجهم، فيتحولون إلى عبءٍ على موازنة الدولة، بل تحوّل ملف التوظيف انتخابيا بامتياز، فما إن تحل مواسم الانتخابات، حتى تتسابق تلك الأحزاب إلى تعيين المزيد، حتى وصلنا إلى موظفين لا يُنتجون شيئاً، وباتوا عالةً على اقتصاد بلدٍ يعاني بالأساس من سوء الإدارة والأزمات والفساد. واليوم، قد تكون حلول البنك المركزي العراقي اضطرارية، وقد تكون قادرة على إسعاف البلاد من خطر إفلاسٍ وشيك، لكنها في المطلق ليست مثالية، فهذا البنك، ومعه كل مؤسسات الدولة، كانت بؤرة فساد لا يمكن تخيله 17 عاماً، فقد وصل الدين العام في العراق إلى نحو 135 مليار دولار، حتى باتت حكومة مصطفى الكاظمي تقايض النفط الذي تحت الأرض بالمال، كما تسعى، من خلال الاتفاق مع الصين، على تنفيذ مشاريع مقابل النفط.

المواطن العراقي يعاني من تأخر راتبه الذي وصل، أحيانا، إلى أن يكون موعد استلامه بعد شهر ونصف الشهر

سيكون على الولايات المتحدة، وتحديداً إدارة الرئيس جو بايدن، واجب التدخل لإنقاذ الاقتصاد العراقي المنهار، في حال رغبت بدعم هذا البلد الذي احتلته وفكّكته قبل 17 عاما، ولعل من بين الحلول المطروحة أمام إدارة بايدن تقديم قرض للعراق بقيمة عشرة مليارات دولار، يمكن لها أن تدعم مسيرة حكومة الكاظمي لغاية وصولها إلى موعد الانتخابات المقرّر في يونيو/ حزيران من العام 2021. ولكن هذا القرض سيكون مربوطا، بحسب تفاصيل سرّبتها الصحافة الأميركية، بشروط لا يبدو أن في وسع حكومة الكاظمي الوفاء بها، لعل منها حصر السلاح بيد الدولة، ودمج المليشيات المسلحة الموالية لإيران وتفكيكها، وإجراء إصلاحات اقتصادية واسعة، بالإضافة طبعاً إلى تقليل اعتماد العراق على إيران في مشاريع اقتصادية كثيرة، والحد من نفوذ طهران داخل مؤسسات الدولة العراقية. مقابل ذلك، لن تكون الإجراءات التي أعلن عنها، وستتضمنها الموازنة العراقية للعام المقبل، الأخيرة، حيث تؤكّد مصادر عراقية أن هناك نية لرفع قيمة الدولار أمام الدينار العراقي مرة أخرى مع بداية العام، ما يعني مزيداً من المعاناة للمواطن العراقي.
نعم، قد لا يكون العراق بلداً غنياً، وبالتأكيد دورة الحروب والحصار والعقوبات الدولية ونزيف المال المستمر منذ قرابة الأربعين عاماً، كلها عوامل أسهمت في ضعف هذا البلد وزعزعة اقتصاده، ولكن نعم ايضاً، أن هذا البلد ومنذ 17 عاماً يعاني من فسادٍ لا يمكن تخيله. وهنا لابد من الإشارة إلى أن العراق كان بوابة إيران الخلفية التي تغلبت من خلالها على العقوبات الأميركية، سواء من خلال التصدير للعراق الذي تجاوز تسعة مليارات دولار سنويا، أو من خلال المصارف التي افتتحها إيران في العراق للتحايل على العقوبات، حتى وصل الأمر إلى تصدير إيران نفطها عبر موانئ عراقية على أنه نفط عراقي، والقائمة في هذا الشأن تطول وتطول جداً. 
إلى متى يمكن أن يصبر العراقيون على قرارات وصلت إلى لقمة عيشهم؟ هل ستكون الإجراءات الاقتصادية التي أعلن عنها ضمن موازنة 2021 القشّة التي ستقصم ظهر العملية السياسية العرجاء والخائبة؟ وتنهي فصلاً من أكثر الفصول قتامة في تاريخ العراق المعاصر؟ ربما.

العربي الجديد

السابق
ترامب يبحث كل الخيارات لقلب نتائج الانتخابات
التالي
سلالة كورونا الجديدة قد تكون أكثر قدرة على إصابة الأطفال

اترك تعليقاً