اخترنا لكم

العراق: الكاظمي أمام تحدي فرض هيبة الدولة بمواجهة “الحشد”

بعدما كانت المرة الأولى التي تدخل فيها قوات اللواء 39 في الجيش العراقي بغداد مطلع يوليو/تموز عام 2014، بعد تحشيد واسع لمسلحي تنظيم “داعش” قرب العاصمة، إثر سيطرتهم على المدن الرئيسية شمال وغربي البلاد، اضطرت حكومة مصطفى الكاظمي، ليلة أمس الأول الأربعاء، لاستدعاء هذا اللواء ونشر جزء من وحداته حول المنطقة الخضراء وداخلها، إلى جانب وحدات أمنية خاصة أخرى. وجاء ذلك عقب انتشار المئات من مسلحي ست مليشيات عراقية، حليفة لإيران، في عدة مناطق من بغداد وسيطرتها على مدخلين من مداخل المنطقة الخضراء، التي تضم مقرات الحكومة ورئاستي الجمهورية والبرلمان، فضلاً عن البعثات الدبلوماسية الأجنبية، عقب اعتقال قاسم مصلح، قائد عمليات “الحشد الشعبي” شرق الأنبار، التي تسيطر على الحدود مع سورية، وزعيم مليشيا “الطفوف”.

فالح الفياض كان على علم بمذكرة إلقاء القبض على مصلح بتهم متفرقة

وعلى مدى 12 ساعة أعقبت اعتقال مصلح على يد قوة عراقية خاصة تتبع جهاز مكافحة الإرهاب، في منزل خاص جنوبي بغداد فجر الأربعاء الماضي، وفق مذكرة اعتقال صادرة بحقه بتهمة “الإرهاب”، انتشرت المليشيات الست المسلحة في بغداد، واستعرضت بسيارات رباعية الدفع وشاحنات تحمل أسلحة مختلفة. وهي “كتائب حزب الله”، و”عصائب أهل الحق”، و”النجباء”، و”سيد الشهداء”، و”الطفوف”، و”كتائب الإمام علي”، إلى جانب مليشيات أخرى، جميعها منضوية ضمن “الحشد”. وطالبت تلك المليشيات الحكومة بإطلاق سراح مصلح، مهددة، عبر بيانات وتصريحات لقيادات ميدانية، بتحرك لها لإطلاق سراحه في حال لم تقم الحكومة بذلك.

وعقب تحشيد الفصائل المسلحة قواتها في بغداد، كشفت وثائق لقيادة عمليات بغداد عن توجيهات بإغلاق مداخل العاصمة ومنع دخول أي قوات إليها. لكن مصادر أمنية وأخرى عسكرية أكدت إخفاق الجيش العراقي في منع دخول فصائل أخرى إلى بغداد قادمة من الأنبار وبابل وكربلاء لإسناد الفصائل التي كانت تحاصر فعلياً المنطقة الخضراء. وحتى مساء أمس، كانت تلك الفصائل تواصل انتشارها في أكثر من مكان في بغداد، بما فيها محيط المنطقة الخضراء، عند أحياء الكرادة والصالحية والجادرية.


وكشفت عملية الاعتقال، وما رافقتها من تداعيات، ضعف مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية أمام سطوة ونفوذ المليشيات المسلحة التي حاصرت المنطقة الخضراء، وأجبرت أغلب المسؤولين فيها على البقاء وعدم الخروج لساعات، فضلاً عن إسقاط شعار “الحشد جزء من المنظومة الأمنية وخاضع للحكومة العراقية”، الذي واصل رؤساء ثلاث حكومات متتالية ترديده منذ 2015 ولغاية الآن.

وقال مسؤول رفيع المستوى في مكتب الكاظمي، لـ”العربي الجديد”، إن الأخير كان في مكتبه، ولا يبعد أكثر من 800 متر عن مسلحي الفصائل الذين كانوا يهددون باقتحام مبنى تابع لقيادة العمليات المشتركة، وسط المنطقة الخضراء لتحرير قاسم مصلح. وأكد المسؤول، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن عملية الاعتقال جاءت بناء على عدة تهم بحق مصلح، أبرزها تسهيل استهداف منشآت عسكرية تستضيف قوات أميركية، والتورط بتهديد واستهداف ناشطين مع أشخاص من أقربائه ومرافقيه، والتورط بأنشطة ممنوعة على الحدود مع سورية، منها تهريب وإدخال عناصر من دون المرور بمنافذ الدخول الرسمية. ولفت إلى أن رئيس الحكومة أبلغ أطرافاً سياسية بقرار اعتقال مصلح منذ يوم الإثنين الماضي، كما تم التواصل مع جهات دينية في كربلاء للغرض نفسه، وكان القرار بأن يتولى “أمن الحشد الشعبي”، وهو جهاز أمن داخل هيئة “الحشد”، اعتقاله، لكن بسبب رفض رئيس أركان “الحشد” عبد العزيز المحمداوي تنفيذ الأمر القضائي تحركت قوة خاصة تتبع جهاز مكافحة الإرهاب لتنفيذ أمر القبض. وأكد أن وساطات عدة أجريت لإطلاق سراح مصلح، لكن حتى عصر أمس الخميس كان ما زال معتقلاً، وهناك وساطات جديدة لنقله إلى مكان وسط لتهدئة الأمور، ومنها سجن يتبع جهاز أمن “الحشد الشعبي” في منطقة القناة في بغداد، وآخر هو مركز توقيف يتبع قيادة الشرطة الاتحادية.

لكن مصادر مقربة من “الحشد الشعبي” تحدثت، لـ”العربي الجديد”، عن تسوية تحققت فعلاً بنقل مصلح إلى مكان آخر خارج المنطقة الخضراء، وبضمان زعيم تحالف “الفتح” البرلماني هادي العامري، مع وقف تحشيد الفصائل المسلحة في بغداد، وهو ما لم تؤكده أي مصادر حكومية أخرى، التي اكتفت ببيان لمكتب رئيس الوزراء صدر فجر أمس الخميس، وقال فيه إن مصلح ما زال معتقلاً في قيادة العمليات المشتركة.

عقيل الرديني: ما تعرضت له بغداد يدل على أن السلاح يهدد مؤسسات الدولة

وظهرت مقاطع فيديو لرئيس أركان هيئة “الحشد الشعبي” عبد العزيز المحمداوي، المعروف باسم “أبو فدك” وهو أحد المقربين جداً من زعيم “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني، يتحدث مهدداً بأن عملية اعتقال مصلح “لن تتكرر في المستقبل”، وسط حشود من المسلحين أمام مبنى مقر “الحشد الشعبي”، ما يُفسر خلافه الشديد مع الكاظمي، فيما رئيس “الحشد الشعبي” فالح الفياض، لم يصدر أي بيان عن الحادثة.

وأفادت مصادر “العربي الجديد” بأن “الفياض كان على علم بمذكرة إلقاء القبض على مصلح بتهم متفرقة، منها تسهيل عمليات قصف قاعدة عين الأسد. وهناك أكثر من قيادي في الحشد كان على علم بقرار اعتقال مصلح قبل تنفيذه، ولم يتدخل أحد في رفضه أو منعه. بل إن الفياض أبدى موافقته على تنفيذ القرارات الداعمة للحكومة، إلا أن الفصائل المرتبطة بإيران، والتي يمثل جناحها داخل الحشد عبد العزيز المحمداوي (أبو فدك)، سعت إلى إخراجه حتى لو تطلب الأمر استخدام السلاح، منعاً لتوريطها باعترافات قد يدلي بها مصلح في سجنه”. وأكدت أن “بعض الفصائل المسلحة تواصلت مع العتبة الحسينية (مرقد الإمام الحسين بن علي)، وطالبت بتدخل مرجعية النجف (علي السيستاني)، إلا أن الأخير رفض التدخل، بل إنه دعم مواجهة المتهمين بالفساد والدم العراقي، ودعم قرارات القضاء في إصدار أوامر القبض بحق مصلح”.

وتعليقاً على ذلك، قال عضو ائتلاف “النصر” عقيل الرديني، لـ”العربي الجديد”، إن “ما تعرضت له بغداد من انتشار للمظاهر المسلحة عقب اعتقال قاسم مصلح، يدل على أن السلاح لا يهدد النشطاء والمتظاهرين، بل إنه يهدد مؤسسات الدولة ورموزا مهمة في الحكومة العراقية، رغم أن أمر الاعتقال طبيعي وقانوني”. وأضاف أن “القانون لا بد أن يكون مدعوماً من القوى الوطنية في البرلمان وعلى الساحة السياسية. كما لا بد من رفض كل التجاوزات على مؤسسات الدولة، وعدم تحرك أي قطعات عسكرية من دون أوامر القائد العام للقوات المسلحة، لأن بعض الفصائل المسلحة قامت أخيراً بخرق القانون العراقي، ومحاصرة مؤسسات الدولة التي من المفترض حمايتها عبر هذه الفصائل كجزء من الحشد الشعبي، وليس تهديدها”.

وعن تحشيد الفصائل المسلحة ومحاصرتها للمنطقة الخضراء، اتهم القيادي في مليشيا “عصائب أهل الحق” سعد السعدي، القوات الأميركية بالوقوف وراء عملية اعتقال مصلح. وأضاف، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أنه “كان من المفترض استدعاؤه وعدم توقيفه بهذه الطريقة المهينة. واتهام قيادي مهم في الحشد بتهمة إرهابية، أمر مبهم. وقاسم مصلح معروف بعدم تعاونه مع القوات الأميركية في مناطق الحدود العراقية السورية، وأنه عدو الأميركيين في مناطق غرب العراق”.

من جهته، أشار رئيس حزب “المواطنة”، الباحث غيث التميمي، إلى أن “الحشد الشعبي يحرج الدولة العراقية ويخرج عن قوانينها بصورة سافرة، وهناك فصائل باتت تحرج مرجعية النجف. وقد برزت مواقف شعبية ومدنية خلال الأيام الماضية تطالب السيد علي السيستاني بفتوى لإلغاء الحشد الشعبي، وهذا يشرح عمق الأزمة التي بات الحشد يتسبب بها لسير العملية السياسية من جهة، ودخوله على خطوط التنافس الحزبي، إضافة إلى تورط فصائل من داخله بقتل واغتيال ناشطين، إضافة إلى ضرب المصالح الأجنبية التي تعرض العراق لمخاطر اقتصادية وعقوبات”. وأكد التميمي، لـ”العربي الجديد”، أن “هناك أكثر من انقسام داخل الحشد، منه ما يرتبط بالمصالح المالية والصفقات، ومنه ما يرتبط بخلافات سياسية وتنافس حزبي بين بعض الكتل النابعة من الحشد، وآخر يتعلق بالولاء للدولة. وهناك من يقف نسبياً إلى جانب القرارات الحكومية، وآخرون لا يريدون أي شكل من أشكال سيطرة الدولة على الحشد، وتعميم فكرة أن الحشد مقدس، ولا بد أن يبقى كذلك دون محاسبة من أحد”.

العربي الجديد

السابق
واشنطن ..تعليق رسمي جديد حول أحداث التحرير واقتحام المنطقة الخضراء!
التالي
تحالف “الفتح” يتهم الكاظمي بمحاولة إعادة العراق إلى “الديكتاتورية”

اترك تعليقاً