العراق

العراق بعد داعش: ثلاث نقاط رئيسية

في حين أن جهود العراق لطرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من الموصل تسير بشكل أفضل مما كان متوقعا، فإن الطبقة السياسية العراقية يجب أن تواجه الآن المسائل المعقدة والمثيرة للانقسام التي فشلت في معالجتها لسنوات. في حين أن معركة تحرير كل العراق من داعش لم تنته، هناك ثلاث قضايا لا تزال مصادر للتوتر: اللامركزية، وجود القوات الأجنبية في الشمال، ووضع الأراضي المتنازع عليها مثل كركوك، بين الأكراد والحكومة المركزية. وتتلازم هذه القضايا التي لم تحل مع رؤى متباينة داخل الشيعة وداخل السنة فيما يتعلق بمستقبل العراق.
تشكيل المناطق
أسامة النجيفي، وهو أحد نواب الرئيس العراقي الثلاثة، وسياسي سني بارز، وأتباعه صريحين في دعوتهم لتحقيق اللامركزية في العراق بعد داعش. ويؤكد نجيفي أن كل محافظة من المحافظات ال 18 في العراق يجب أن تكون قادرة على أن تصبح منطقة شبه مستقلة داخل البلاد، مثلها مثل كردستان العراق. من ناحية أخرى، نوري المالكي، نائب آخرللرئيس العراقي ، يعارض إنشاء المناطق فورا بعد هزيمة داعش، بحجة أن هذه المناطق “ستنشأ بالقوة” وسط توترات سياسية وعسكرية وطائفية. ويعتبر المالكي على نطاق واسع الممثل السياسي لوحدات الحشد الشعبي الشيعية المدعومة من إيران التي يتزايد نفوذها السياسي بشكل متناسب مع دورها العسكري المتنامي في دعم الجيش الوطني العراقي. موقف المالكي يعني ان وحدات الحشد الشعبي. لا تفضل اللامركزية، ويمكن أن تفرض مشيئتها عسكريا.
وستكون اللامركزية قضية رئيسية في مستقبل العراق، خاصة مع التواجد المتزايد للقوات الشيعية المدعومة من ايران في المناطق السنية التقليدية، فضلا عن الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان الممارسة ضدهم ، قد زاد المخاوف السنية من المحاولات الممكنة لفرض تغيرات ديموغرافية في مناطقهم. ويأتي ذلك في الوقت الذي شكلت فيه المنظمات التي تمثل العديد من الأقليات العراقية المضطهدة – وهي المسيحية واليزيدية والتركمانية والشبك – تحالفا يدعو إلى إنشاء منطقة شبه مستقلة للأقليات في شمال العراق تمتد على سنجار وتلعفر و سهول نينوى.
القوات الأجنبية: مصدر الصراع
في حين أن التوترات بين الحكومتين العراقية والتركية حول وجود جنود أتراك في بعشيقة – 15 كيلومترا شمال شرق الموصل – قد هبطت إلى حد كبير، فإن القضية لا تزال مشكلة ويمكن أن تؤدي إلى نزاع مسلح. وتعتبر الحكومة العراقية ان الوجود التركى على اراضيها يعد انتهاكا لسيادة العراق، بينما وصفها زعيم الحشد الشعبي العراقي هادي العامري بأنها جزء من “مشروع لتقسيم العراق”. وقالت تركيا، التي تقيم علاقات وثيقة مع حكومة إقليم كردستان وأسامة النجيفي، إن وجودها مصمم بشكل صارم لتدريب قوات البشمركة الكردية والمتطوعين من حرس نينوى – قوة سنية يقودها شقيق النجيفي أثيل النجيفي. وأشارت تركيا عضو الناتو إلى أنه ستظل حاضرة عسكريا في العراق حتى نهاية المعركة من أجل الموصل. قد يكون وجود أنقرة مرتبطا بشواغلها بشأن إمكانية دخول مقاتلين من قوات الحشد الشعبي العراقي إلى مدينة الموصل ذات الأغلبية السنية ومدينة تلعفر التي يغلب عليها الطابع التركماني، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغييرات ديمغرافية ليست لصالح تركيا. في حالة وجود عرض تركي للقوة من أجل ضمان دور حراس نينوى في شمال العراق، فمن غير المحتمل أن تقف إيران مكتوفة الايدي، ومن المرجح أن تنشأ مواجهة بين قوات الحشد الشعبي العراقي المدعومة من إيران. وحرس النجيفي.
وعلاوة على ذلك، يراقب المسؤولون الأتراك عن كثب وجود وحدات مقاومة سنجار، وهي قوة عراقية تابعة لحزب العمال الكردستاني، وهي منظمة انفصالية تعتبر كيانا إرهابيا من قبل كل من أنقرة وواشنطن. وتخشى انقرة من ان يكون حزب العمال الكردستاني يحاول إنشاء قاعدة لوجستية لتسهيل العمليات بين العراق وسوريا في منطقة سنجار الحدودية. باغلبتها يزيدية وحدات مقاومة سنجار. قد اشتبكت بالفعل مع بيشمركة روجافا، وهي قوة كردية سورية متحالفة مع رئيس إقليم كردستان العراق المدعوم من تركيا، مسعود بارزاني، للسيطرة على سنجار. هذا التشابك قد يثير إشعال نزاع أوسع بين الأكراد المؤيدين والمعارضين لتركيا. وعلاوة على ذلك، اتهم رئيس أركان البشمركة، جمال إمينيكي، الحشد الشعبي العراقي بتمويل وحدات مقاومة سنجار في سنجار، مضيفا أن القوة موجهة من إيران وحلفائها لفتح ممر إلى سوريا واستكمال الهلال الشيعي من طهران إلى بيروت. في يناير، الحشد الشعبي العراقي هاجم مواقع البيشمركة في سنجار. وتزامنت هذه الهجمات مع تهديدات من قبل “جواد الطليباوي” وهو قائد كبير في الحشد الشعبي العراقي، تحذر البيشمركة من “عمل عسكري سريع” ضدها في حال عدم إخلاء المناطق المحررة.
الصراع على الأقاليم المتنازع عليها
قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي خلال زيارة الى كردستان العراق في شباط / فبراير الماضي ان المناطق المتنازع عليها الواقعة على الحدود بين اراضي الحكومة الفيدرالية وكردستان العراق وهي اقليم كركوك المتعدد الاثنيات و الغني بالنفط “يجب ان تتحول الى مناطق متفق عليها، “لكن القضية لا تزال دون حل وقد تتصاعد لتصبح صراعا واسع النطاق. في حين أن حكومة إقليم كردستان، التي تدعي محافظة كركوك كجزء من أراضيها التاريخية، تسيطر على حوالي نصف المحافظة، بما في ذلك مدينة كركوك، فضلا عن اثنين من حقول النفط الخمسة في المحافظة منذ توغل داعش عام 2014، لا يزال النصف الآخر من المحافظة تحت سيطرة داعش. ولا تزال الخلافات حول من سيحكم الجزء الذي يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية داعش تعرقل تحريره.
وعلى الصعيد السياسي، قررت الحكومة العراقية استبعاد كركوك من الانتخابات الإقليمية القادمة المقرر إجراؤها في نوفمبر 2017، بسبب الوضع المتنازع عليه في المدينة. يذكر ان كركوك لم تجر انتخابات محلية منذ عام 2005 عندما احتلت الاحزاب الكردية التي عززتها عودة الاف الاكراد الذين شردتهم سياسة تعريب صدام ومقاطعة كبيرة من العرب والتركمان 26 مقعدا من اصل 41 مقعدا في مجلس المحافظة المحلي. والأحزاب الكردية، في حين أنها تختلف حول المسائل الكردية، تتوحد في مطالبتها بإجراء انتخابات في كركوك لإضفاء الشرعية على التغيرات الديمغرافية المواتية التي حدثت في المحافظة. وقد هددت السلطات الكردية فى المحافظة بمنع العرب المشردين داخليا من التصويت فى الانتخابات اذا لم يسمح للمحافظة بالمشاركة فى العملية ايضا.
بالإضافة إلى ذلك، لا تزال مسألة النفط في كركوك نقطة شائكة في وضعية لم يتم حلها. وكانت الحكومة العراقية وقعت في شباط / فبراير الماضي مذكرة تفاهم مع ايران من اجل اجراء دراسة جدوى لبناء خط انابيب بديل لخط الانانبيب الحالي الذي يحمل النفط الى السوق الدولية عبر الاراضي الكردية وتركيا. وبدلا من ذلك، فإن خط الأنابيب البديل سيحمل النفط من خلال الاراضي الإيرانية، وبالتالي يحرم حكومة اقليم كوردستان من الموارد المالية الهامة وتركيا من النفوذ الاقتصادي على الحكومة المركزية العراقية.
وعلاوة على ذلك، فإن قوات البشمركة تخشى من تراكم قوات الحشد الشعبي. جنوب كركوك. ويشتبه قائد كردي في أن قوات الحشد الشعبي ربما تكون جاهزة للقتال ضد البيشمركة بعد هزيمة داعش. كما ان قوات الحشد الشعبي أقامت تواجد قوي في الأراضي المتنازع عليها جنوب كركوك – في كل من محافظتي ديالى وصلاح الدين، خلال معركة داعش،واخرت عودة 14،000 عائلة سنية مشردة داخليا تقيم حاليا في كركوك إلى ديارهم في ديالى. وقد أثار ذلك قلق محافظ كركوك الكردي نجم الدين كريم، الذي يعتقد أن قوات الحشد الشعبي.قامت ب “قتل طائرين بحجر واحد، بالتخلص من السنة (في ديالى) وتعريب كركوك”.
وفي محافظة صلاح الدين، شهدت مدينة توزخورماتو الواقعة بالقرب من الحدود الجنوبية لكركوك وهي موطن لعدد كبير من الأكراد ومن التركمان الشيعة، اشتباكات عنيفة بين الطائفتين. حكومة اقليم كوردستان تعتبرها جزءا من كركوك ومن ثم كردستان، في حين أن سكان المدينة التركمان – المدعومين من قبل قوات الحشد الشعبي. يعتبرونها جزءا من محافظة صلاح الدين. وقد أدى القتال إلى فصل المدينة إلى احياء كردية واحياء تركمانية، تفصل بينها حواجز اسمنتية.
الانقسامات السياسية تعرقل رؤية موحدة بعد داعش
إن الانقسامات الداخلية، السياسية والإيديولوجية، داخل التحالف الوطني الشيعي، أكبر كتلة شيعية، منعت الاتفاق على رؤية موحدة. ويدافع عمار الحكيم، رئيس ائتلاف المواطن في إطار التحالف، عن خطة تعرف باسم “التسوية التاريخية”. ويدعو الاقتراح إلى تسوية جميع المسائل على أساس غير صفري بمساعدة بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة (يونامي). من ناحية أخرى، أطلق رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر خطة متنازع عليها في شباط / فبراير تدعو إلى المصالحة الاجتماعية، ودمج قوات الحشد الشعبي داخل القوات الوطنية، وإنهاء كل تدخل اجنبي في الشؤون العراقية، بدعم من البعثة أيضا. وقد وافق البرلمان العراقي على قانون في نوفمبر / تشرين الثاني 2016 اعتبر فيه قوات الحشد الشعبي كهيئة مشروعة داخل اجهزة الأمن في البلاد. ومع ذلك، فإن القانون، الذي عارضته بقوة بعض الفصائل السنية في البرلمان، لا يحدد الدور المستقبلي ل قوات الحشد الشعبي. في إطار العملية السياسية العراقية، لأن ذلك سيعتمد أساسا على الدور الذي تريد إيران أن تلعبه. من ناحية أخرى، يهدف المالكي لاستعادة رئاسة الوزراء من خلال التحالفات التي تحقق أغلبية سياسية تتألف من قوات الحشد الشعبي. فضلا عن العديد من السياسيين السنة اصحاب الفكر المماثل، مثل رئيس البرلمان سليم الجبوري. ويأتي ذلك في الوقت الذي كانت فيه المرجعية، وهي السلطة الدينية الشيعية التي أدت إلى ظهور قوات الحشد الشعبي. من خلال فتواها للمتطوعين ضد داعش في عام 2014، قد تراجعت إلى حد كبير عن المشهد السياسي بعد أن لم تتحقق دعواتها للإصلاح.
ويبدو أن هناك انقساما داخل الكتلة السنية الرئيسية، تحالف القوى العراقية، وخاصة بين جناحي جبوري والنجيفي للتحالف. ويعتقد أن هذه الاختلافات تتجلى في عملية وضع الصيغة النهائية لوثيقة تحدد الرؤية السنية لمستقبل العملية السياسية قبل تقديمها إلى الأمم المتحدة، ويبدو أن “جبوري” على استعداد لاقتراح “تجميد” القضايا المثيرة للجدل، مثل تشكيل المحافظات (الاقاليم) وقانون قوات الحشد الشعبي التي تم التصديق عليها حديثا حتى يتم التوصل إلى اتفاق وطني بشأنها. يبدو نجيفي مصرا على مطالبة الحكومة المركزية بتنفيذ تدابير بناء الثقة لتهدئة المخاوف السنية بشأن التغيرات الديموغرافية،وقانون قوات الحشد الشعبي، والسجناء السنة قبل بدء محادثات المصالحة.
وينقسم السياسيون السنة أيضا بين الذين يؤيدون مؤتمر أنقرة الذي رعته تركيا والذي عقد في 8 آذار / مارس، وجمع عددا من السياسيين السنة البارزين لتوحيد الجبهة السنية، وأولئك الذين في مقدمة خط الحكومة العراقية برفض المؤتمر. ويعتقد ان المؤتمر الذى حضره ممثلون من الامارات وقطر والاردن والمملكة العربية السعودية يعد استمرارا للجهود التى تبذلها الدول السنية فى المنطقة والولايات المتحدة لخلق توافق سنى حول رؤية لمرحلة ما بعد داعش في العراق. وتهدف هذه الجهود أيضا إلى توحيد الجبهة السنية في كتلة سياسية واحدة قبل الانتخابات التشريعية المقبلة المقرر إجراؤها في عام 2018. وفي حين أن نتائج محادثات أنقرة لا تزال غير واضحة، فإن الصوت المسرب من محمد الكربولي -برلماني سني مقرب من الجبوري مشارك في المؤتمر- كشفت عن تشكيل تحالف سني كبير يعمل على توحيد الفصائل السنية المختلفة تحت رؤية واحدة معارضة للطائفية وتقسيم العراق إلى مناطق متعددة. التحالف الجديد الذي سيحكم، حسب كاربولي، من قبل لجنة تضم جبوري، لا يمنع السياسيين السنة من العمل بشكل منفصل في الانتخابات المقبلة، ولكن أصواتهم سوف تذهب نحو التحالف.
في الختام، في حين أن الدولة الإسلامية (داعش)وفرت عدوا مشتركا للعراقيين ذوي الخلفيات الإثنية والدينية المختلفة، فإن هزيمتها في الموصل ستعيد توجيه الاهتمام المحلي إلى المشاكل التي لم تحل والتي يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الدولة العراقية والتي مهدت الطريق للغزو الإرهابي. وهكذا، بعد داعش، يجب على الطبقة السياسية العراقية أن تعالج الشواغل الصعبة التي طال انتظار حلها كثيرا والتي أثارتها مختلف الجماعات في البلاد.

بواسطة عمر قاسم ورندى سليم.
مجموع صفري
في نظرية الألعاب، والنظرية الاقتصادية، يصف المجموع الصفري الحالة التي يكون فيها ربح أو خسارة مشارك ما مساويا بالضبط إلى مجموع الخسائر أو المكاسب للمشاركين الآخرين. إذا كانت المكاسب الإجمالية للمشاركين يتم إضافتها، والخسائر يتم طرحها، فإن المجموع سينتهي إلى نقطة الصفر. من الممكن التفكير بالمجموع الصفري بشكل أعم على أنه مجموع ثابت حيث أن مجموع الفوائد والخسائر لجميع اللاعبين هي نفس القيمة من المال (أو الفائدة). مثال على ذلك السرقة فهي تتيح للسارق مثلا أن يربح شيئا ولكن ما ربحه هو بالضبط ما خسره الآخر. بينما المعادلة غير الصفرية تتيح للطرفين، أو للأطراف، الربح. فالشخص مثلا لا يشتري شيئا لا يظن أنه يعادل قيمة المبلغ الذي يدفعه لأجله وكذلك البائع لا يبيع شيئا دون أن يعتقد أن المال الذي يحصل عليه هو أفضل من البضاعة التي يبيعها.

السابق
كم هي عميقة دولة إيران ؟ المعركة على خليفة الخامنئي
التالي
روسيا: دبلوماسيه الطاقة في الشرق الأوسط

اترك تعليقاً