العراق

العراق في اليوم التالي لتحرير الموصل

بدعم من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، قوات الأمن العراقية على وشك تحرير مدينة الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية. مثل غزو الرقة في سوريا في المستقبل، فإن غزو الموصل سيسهم إسهاما كبيرا في الجهد الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. ومع ذلك، فإن المصادمات الداخلية والإقليمية التي عصفت بالعراق على مدى العقدين الماضيين وسمحت بظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية ما زالت قوية، ومن المتوقع أن تستمر اتجاهات الانقسام وعدم الاستقرار. وعلى الرغم من الخلافات بين الشيعة العراقيين فان الهيمنة الشيعية في العراق ستمكن ايران من الحفاظ على موقعها كقوة خارجية اكثر نفوذا في العراق والاستمرار في الاستفادة من الظروف على الارض لتوسيع وتكثيف انتشارها في النظام في بغداد على جميع المستويات. ومن المرجح أن تكون مصلحة الولايات المتحدة الأساسية هي الحد من وجودها في البلاد، على الرغم من أن ترجمة هذه النية إلى واقع سيعتمد في المقام الأول على مدى استمرار نشاط الدولة الإسلامية في العراق والمناطق المحيطة بها.
بعد ثمانية أشهر من القتال من قبل القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة، أعلن رئيس الوزراء العراقي غزو مسجد النوري في الموصل، وأعلن أنه علامة فارقة تشير إلى تحرر وشيك للموصل من الدولة الإسلامية وإنهاء الخلافة. ومع ذلك، فإن هذه الإعلانات لا تعني أن الحملة العسكرية للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية قد انتهت. على العكس من ذلك، ستواصل قوات الأمن العراقية جهودها العسكرية لتطهير المعاقل الأخرى التي تحتفظ بها المنظمة داخل الأراضي العراقية. ومن جانبها، يمكن أن يتوقع من الدولة الإسلامية أن تواصل شن هجمات إرهابية ضد أهداف عامة ومدنية في جميع أنحاء البلد.
مثل القوى الخارجية العاملة في البلاد – الولايات المتحدة وإيران وتركيا – لا يعتبر أي من الفاعلين الداخليين في العراق النجاح في الموصل هو الكلمة الأخيرة في الحملة أو لحظة وقفة. وهم يرون في اليوم التالي لتحرير الموصل وقت حاسم لتعزيز مكاسبهم وتعزيز قبضتهم في العراق. وعلاوة على ذلك، فإن التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي واجهها العراق في الماضي ستبفى وستستمر في التكثف في السنوات القادمة، مما يجعل من الصعب للغاية إقامة الاستقرار داخل البلد.
إن مجموعة القوى السياسية العراقية الداخلية، التي تتسم بانقسامات عميقة فيما بينها وتنتمي الى عدة اجنحة ، لم تتغير كثيرا في السنوات الأخيرة، ولم يكن طريقها مسدود في سبيل التوصل إلى توافق في الآراء والمصالحة الوطنية. ومن أبرز هذه المنافسات التنافس التقليدي بين الكتل الشيعية الذي يتجلى في التنافس على حزب الدعوة الإسلامي الحاكم بين رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي يواصل العمل خلف الكواليس ورئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي. ومن بين المعارضين لهذه الشخصيات الزعماء الشيعة عمار الحكيم زعيم المجلس الاعلى الاسلامى فى العراق ومقتضى الصدر الذى تجتذب حركته الشعبوية العديد من الشيعة العراقيين. وفي الوقت نفسه، فإن الانقسامات داخل حكومة إقليم كردستان، والنزعة القومية الكردية المتزايدة، وخطة إجراء استفتاء على استقلال كردستان (المقرر عقدها في 25 سبتمبر / أيلول 2017)، تؤدي إلى تفاقم التوترات بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد. كما شهد المعسكر السني، الذي يلعب دورا هامشيا في العملية السياسية في العراق، مزيدا من الانقسام. كما ينظر السنة إلى مزيد من التمييز ضدهم، لذلك قد يكون لدى تنظيم الدولة الإسلامية أرض خصبة لإعادة بناء سلطته في هذا المنطقة.
وقد أدت الانتخابات البلدية العراقية المقرر إجراؤها في أواخر عام 2017 ما لم تؤجل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في ربيع عام 2018 إلى شحذ هذه الصراعات على السلطة، ولم تظهر الفصائل الشيعية والسنية والكردية الممثلة في البرلمان إلا رغبة فاترة في صياغة خطة للمصالحة الوطنية. وفي حين عزز ذلك موقف الشيعة في بغداد، إلا أنه أثار نفس الشعور المناهض للشيعة الذي دفع صعود الدولة الإسلامية. إن الخلافات الرئيسية بين نوري المالكي ومقتدى الصدر، التي تهدد بمقاطعة الانتخابات القادمة إذا لم يتم إجراء إصلاحات للنظام الانتخابي، قد تثير التوترات والمواجهات بين الشيعة الموالين لإيران واولئك الراغبين في تعزيز إجماع عراقي جديد لا يعتمد على إيران.
وفي خضم هذا الصراع الداخلي، تلعب الأطراف الخارجية الرئيسية المؤثرة في العراق – إيران والولايات المتحدة وتركيا – دورا هاما أيضا. يذكر ان ايران التى تعتبر العراق الفناء الخلفى لها لا تزال تشكل القوة الاجنبية الاكثر تأثيرا فى البلاد. وقد مكن عدم الاستقرار الأساسي في العراق والهيمنة الشيعية إيران من توطيد هيمنتها في أجزاء كبيرة من العراق وتركيز جهودها لإنشاء طريق أرضي متاخم بين طهران وبيروت. واشارت التقارير الى ان القوات الموالية لايران احتلت معاقل على طول الحدود السورية العراقية وتعيين الجنرال السابق للحرس الثوري سفيرا ايرانيا في العراق والتواجد المتكرر لقائد قوة القدس قاسم سليماني في العراق بضعة أشهر في الماضي تشير إلى صعود طهران في البلاد. وتحافظ جميع العناصر الشيعية على علاقات وثيقة مع إيران والمليشيات الموالية لإيران، باستثناء الصدر، الذي أعرب عن معارضته لتأثير إيران.
إن إدارة ترامب، التي تواصل الحملة الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والتي أطلقتها إدارة أوباما، جعلت المنظمة تهيمن على أولويتها القصوى في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، فإن الإدارة مهتمة باتخاذ إجراءات لموازنة النفوذ الإيراني المتصاعد، وبناء على ذلك فقد أذنت بمشاركة عسكرية أكبر في العراق ونشر قوات إضافية، بما في ذلك أفراد الجيش والقوات الخاصة. كما أن تورط تركيا في شمال العراق يفرض ضغوطا خارجية كبيرة على البلاد. وقد وجهت الحكومة العراقية انتقادا شديدا للقوات التركية التي دخلت إلى المنطقة في إطار معركتها ضد حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل وسنجار والدفاع عن التركمان العراقيين، وخاصة في منطقة تلعفر.
هذا الواقع المعقد لعلاقات القوة في العراق يحافظ بشكل أساسي على المصالح المشتركة لكل من الولايات المتحدة وإيران: الحفاظ على وحدة العراق ومنع تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المتطرفة السنية الأخرى من العمل داخل الأراضي العراقية. وعلى الرغم من الاصوات في واشنطن التي تدعو الادارة الى عدم معارضة عملية الاستقلال الكردية، فان السياسة الاميركية تميل الى الوضع الراهن لدولة عراقية موحدة. ونتيجة لذلك، ليس لدى الولايات المتحدة حاليا بديل أفضل من استنكار الدعم للعناصر الشيعية المؤيدة لإيران، التي تشكل القوة السياسية الكبيرة المهتمة باستقرار العراق. ومن ناحية أخرى، فإن إدانة أمريكا القاسية لنشاط إيران في المنطقة، والزيارة التي قام بها الرئيس ترامب مؤخرا للسعودية، والجهود الرامية إلى إقامة جبهة من الدول السنية ضد إيران، كلها دلائل على رغبة الإدارة في اتخاذ إجراءات أكثر حزما ضد إيران المتنامية التأثير. ومع ذلك، والآن بعد أن نجحت عناصر من المعسكر الشيعي الموالي لإيران في ترسيخ السيطرة والتأثير على أجزاء كبيرة من البلاد، فإن قدرة الولايات المتحدة على العمل ضد إيران داخل الأراضي العراقية لا تزال محدودة.
إن مسألة الوجود المستمر لأمريكا في العراق هي واحدة من القضايا الرئيسية التي يجب النظر فيها في اليوم التالي لتحرير الموصل. الوجود الأمريكي في العراق يشكل تهديدا للمصالح الإيرانية. وبالتالي، فإن معظم العناصر الشيعية المؤيدة لإيران في العراق تدعو إلى الانسحاب الأمريكي. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء العبادي يؤكد من جديد في كثير من الأحيان تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي مع الولايات المتحدة، إلا أنه أعرب مؤخرا عن حاجة العراق للعمل مع نظام الأسد والميليشيات الشيعية التابعة له للامساك بالحدود السورية العراقية،تعبيرا عن فهمه بأنه أيضا يجب ان يكون مرتبطا مع المصالح الايرانيه.. وعلى أية حال، فإن القرار الأمريكي بالبقاء في العراق من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم المواجهة بين الولايات المتحدة وخصومها. ويتأثر نطاق وشدة المواجهة تأثرا كبيرا بتقييم قوة الدولة الإسلامية ودرجة تهديدها للحكومة في بغداد التي قد توافق على التدخل الأمريكي من أجل مواصلة مصلحتها لتدمير الدولة الإسلامية. وعلاوة على ذلك، فإن إيران وحلفائها السياسيين في العراق مهتمون بجذب الاستثمارات الدولية بشكل عام والاستثمار الأمريكي بشكل خاص من أجل إعادة بناء العراق واستقراره. ومع ذلك، فإن مدى استعداد إدارة ترامب لاستثمار الموارد الاقتصادية وغيرها لدعم العراق في اليوم التالي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية ما زال غير واضح.
في الختام، فإن تحرير الموصل، مثل غزو الرقة في سوريا مستقبلا، سيسهم إسهاما كبيرا في الجهود الدولية التي تقودها الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. ومع ذلك، فإن الصراعات الداخلية والإقليمية التي شكلت العراق على مدى العقدين الماضيين، والتي وضعت الأساس لظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية، لا تزال وستستمر بدرجات متفاوتة في السنوات المقبلة. ومن المرجح أيضا أن يظل الانقسام وعدم الاستقرار في العراق ثابتا. إن التحدي الذي يطرحه الأكراد، الذين لا يزالون حازمين في أهدافهم الانفصالية – والتي من المفترض أن يتكثف بعد استفتاء الاستقلال – يخلق إمكانات عالية لتقلب الساحة العراقية الداخلية والمنطقة ككل. ومع ذلك، في ضوء الهيمنة الشيعية في العراق، وعلى الرغم من الانقسام في هذا المعسكر، يمكن أن يتوقع من إيران أن تستمر باعتبارها القوة الخارجية الأكثر نفوذا العاملة في البلاد. وهي ستجني فوائد الظروف على أرض الواقع، ومن المرجح أن توسع وتكثف انتشارها في جميع طبقات النظام في بغداد، مما يعزز مكانتها باعتبارها الجهة الفاعلة المهيمنة في العراق. ولذلك، فإن المصلحة الأساسية للإدارة الأمريكية من المرجح أن تكون تقليل الوجود الأمريكي في العراق، على الرغم من أن القيام بذلك في الممارسة العملية سوف يتوقف على مدى استمرار نشاط الدولة الإسلامية في العراق والمناطق المحيطة بها.

إلداد شافيت، جوشوا شوارتز
مركز الامن القومي الاسرائيلي رقم 949
6 تموز 2017
رابط المقال:
http://www.inss.org.il/publication/iraq-day-liberation-mosul/

 

السابق
5 أسباب توجب على أمريكا ألا تحارب إيران وروسيا والأسد في سوريا
التالي
كيف يمكن إعادة بناء العراق؟

اترك تعليقاً