اخترنا لكم

العراق في جدول أعمال بايدن

ليس ثمّة فضيلة يحفظها العراقيون لجوزيف بايدن الصاعد إلى رئاسة الولايات المتحدة، لكنهم يذكرون له خطيئتين كبريين بحقهم، فهو الذي دعم بحماس الحرب عليهم إبّان كان رئيسا للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، مخالفا بذلك وجهة نظر عديدين من رفاقه “الديمقراطيين”. وهو صاحب التصريح اللافت “إنها لحماقة كبرى أن نعتقد أننا ننتصر في حربنا على الإرهاب وصدام حسين لا يزال في السلطة”. لم يدرك بايدن خطيئته تلك إلا بعد حين عندما سعى إلى أن يمحوها بادعائه أن الرئيس الأسبق جورج بوش خدعه، لما وعده بأنه لن يذهب إلى الحرب، وأنه يريد فقط الضغط على صدام كي يتخلى عن طموحاته في امتلاك السلاح النووي، ويسمح لمفتشي الأمم المتحدة بالدخول إلى منشآته، بما يمكن أن يفتح طريقا إلى السلام. وقد يكون أدرك، بعد أن زار العراق أكثر من أربع وعشرين مرة، وأصبح خبيرا في مشكلاته وهمومه، أن التدخلات العسكرية لا تمثل حلا ناجعا للأزمات الدولية. ولذلك شرع بطرح نفسه داعية سلام وتفاهم، عارضا تقليص الوجود العسكري الأميركي في البلدان التي ابتليت به. وعلى أية حال، “وقع الفاس بالراس” ولم يعد التذكير بتلك الخطيئة مُجديا! 

دعا بايدن إلى تقسيم العراق “تقسيما ناعما”، بحسب وصف معهد بروكينغز، عبر خطة تقوم على أساس “عزل طائفي” 

في خطيئته الثانية، دعا بايدن إلى تقسيم العراق “تقسيما ناعما”، بحسب وصف معهد بروكينغز، عبر خطة تقوم على أساس “عزل طائفي” في كياناتٍ تضمن لكل من السنة والشيعة والأكراد وضعا مستقلا سياسيا وجغرافيا في إطار فيدرالي، بزعم إن ذلك هو الخيار الأفضل للعراق وللمنطقة ولحماية مصالح واشنطن. وأيضا لحفظ حقوق المكونات الأساسية، واحترام تطلعاتهم، ووقف دورة العنف التي تتكرّر بين مرحلة وأخرى، جراء خلفياتهم التاريخية والثقافية، وسيكون مدعاة للحذر إذا ما وضع بايدن هذه الخطة في جدول أعماله، وهو يصعد إلى الرئاسة، إذ يكون بذلك قد ارتكب خطيئة مركبةً أكثر فداحة من سابقتها، وقد يغريه وجود ناشطين محليين باحثين عن مصالح ومناصب يشاطرونه الرؤية نفسها، وقد يطالبونه بتطبيقها. وهذا ما تشي به تحرّكات مشبوهة، شرعت تظهر إلى العلن في وسط العراق وجنوبه. وفي عقدةٍ مكملةٍ ربما تحفز دوافع شريرة لدى قادةٍ كرد، يرتبطون به بعلاقات شخصية وثيقة، لاستغلال الفرصة التي قد لا تتكرّر، ومشاركتهم الحماس لخطته، يحدوهم الأمل في أن ينفتح الباب أمامهم للدخول في خانة الدول المستقلة تحقيقا لحلمهم الموءود.

هنا يبدو جدول أعمال بايدن غارقا في منعطفاتٍ حسّاسة تجعل من العلاقة بين واشنطن وبغداد أسيرة لسلسلة من تشابكاتٍ تلقي بظلالها على مجمل الوضع الإقليمي والدولي، خصوصا إذا ما أدركنا أن ثمّة قضايا أخرى، عراقية وإقليمية، سوف تتقدّم إلى الواجهة، هي الأخرى، لتتقاطع معا: الوجود العسكري الأميركي في العراق الذي يسعى العراقيون إلى إنهائه، الوجود المليشياوي المتصاعد في العراق والمرتبط بإيران، الاتفاق النووي الإيراني الذي يحبّذ الديمقراطيون العودة إليه، التوغل الإيراني في المنطقة، مصالح أميركا والغرب الاستراتيجية في الأقليم، كون المنطقة خزين طاقة ماثلة وواعدة، “صفقة القرن” والتطبيع والعلاقة بين العرب والدولة العبرية .. إلخ. 

تعلم بايدن من خبرته السياسية الطويلة كيف يكون أكثر عقلانية، وكيف يضبط الإيقاع من دون ضجّة

وإذ يتحسّب العراقيون من أن يشرع بايدن في تطبيق خطته لتقسيم بلادهم، وما يمكن أن تجرّه من ويلاتٍ عليهم، فان بعضهم يرى في نيته تخفيف قبضة واشنطن على نظام طهران، ورفع القيود التجارية المفروضة عليه، والعودة إلى الاتفاق النووي أن إيران من جانبها سوف تستأسد أكثر، وستزيد من قبضتها على العراق، وسيتوفر لمليشياتها المجال الأرحب لتعزيز وجودها السياسي وسيطرتها على القرار.

وفي كل الأحوال، تظل الأسئلة الملغزة قائمة: هل سيعالج بايدن الملفات المفتوحة على نحوٍ يختلف عن سلفه دونالد ترامب؟ وهل سيستعيد رؤية أوباما بخصوص مشكلات المنطقة؟ هل ستسمح “المؤسسة الأميركية” التي تحدّد ثوابت الدولة، وتدير مصالحها الاستراتيجية، بإحداث تغييرات سريعة ومفاجئة كالتي يتحسّب لها العراقيون ويخشونها؟ 

طرحت هذه الأسئلة على دبلوماسي عربي عمل فترة طويلة في واشنطن، وأصبح خبيرا بسياساتها، كان جوابه: كل الاحتمالات واردة، وكل شيء يمكن أن يمرّره بايدن بسلاسة وهدوء، وقد تعلم من خبرته السياسية الطويلة كيف يكون أكثر عقلانية، وكيف يضبط الإيقاع من دون ضجّة، فيما كان سلفه دونالد ترامب قد اكتسب من خبرته في تجارة العقار وبرامج ملكات الجمال أن يحترف التهريج إلى درجة صنعه ضجةً من دون إيقاع. وفي كلا الحالين نكون، نحن العرب، أول الخاسرين! 

العربي الجديد

السابق
قرارات مجلس الوزراء لجلسة اليوم
التالي
أولوية الاهتمام الأميركي بالعراق بين تداعيات الانتخابات والتوقعات الجيوسياسية

اترك تعليقاً