أعلام وتراث

«القشلة» من أقدم الساعات البرجية في العالم

تعد بناية القشلة، ما يطلق عليه (سراي الحكومة القديم) من البنايات البغدادية التراثية التي يعود تاريخ بنائها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد، يوم كانت بغداد (ولاية) تابعة للدولة العثمانية..

 

وتشير المصادر المتوافرة لدينا، إلى أن والي بغداد التركي (نامق باشا الكبير) باشر ببناء هذه البناية سنة 1861 للميلاد، لتكون مقراً للولاية ودوائرها الرسمية، وثكنة عسكرية للجيش العثماني المسؤول عن حماية وتوفير أمن بغداد، وأختير مكانها الحالي المجاور لضفاف نهر دجلة من جانب الرصافة، وسط المنطقة المركزية القديمة لبغداد، حيث ما زال باطن الأرض الذي تقع عليه بناية (القشلة) يزخر بأسس أبنية القصور والمواقع العديدة التي تعود لفترة الخلافة العباسية يوم كانت (بغداد) عاصمة الدولة العربية الإسلامية مترامية الأطراف وواسعة الأرجاء..

 

وإستمرت عمليات البناء بين الإستمرار والتوقف حسب توافر التخصيصات المالية، وحسب إنشغالات الدولة العثمانية وحروبها وعملياتها العسكرية المتصاعدة لإخماد حركة العصيان التي تشهدها أرياف ومناطق الولاية بين حين وآخر.. وظلت الحالة بين (مد وجزر) حتى مجيء (مدحت باشا) والي بغداد العثماني، سنة 1869م، الذي إتصفت فترة حكمه التي أمدها بحدود 4 سنوات ونصف السنة بالإصلاحات والمشاريع الجديدة التي لم تشهدها بغداد من قبل، وكان من بين ما سعى إليه مدحت باشا مواصلة عمليات إكمال بناء القشلة وإهتم بها إهتماماً بالغاً، بل وأشرف على مراحل بنائها الأخيرة بنفسه، وأمر بتهديم أجزاء من سور بغداد الشرقية وذلك لإنتفاء الحاجة إليه، بعد أن بدأ الجيش التركي الأسلحة الحديثة (المدافع، والبنادق والرشاشات والألغام) وغيرها، حيث تم نقل كميات كبيرة من حجارة ذلك السور للإفادة منها في إكمال بناية (القشلة) التي أصبحت بعد إنجازها، مقرأ للوالي وقائد الجيش وبقية موظفي الولاية الآخرين..

 

ولعل من المبتكرات التي إستخدمها مدحت باشا في بناية القشلة، تشييده برج الساعة (الدقاقة) التي أراد بها إيقاظ جنوده عند الصباح الباكر يومياً، ليمارسوا عملهم وتدريباتهم العسكرية المعتادة، حيث كان هؤلاء الجنود، يقيمون وينامون في قاعات وصالات البناية، وأيضاً أراد من نصب هذه الساعة الضخمة، إفادة مدينة بغداد وأهلها لمعرفة أوقات الصلاة والمواعيد، حيث كانت ساعة القشلة تدق عند بداية كل ساعدة بدفات قوية واضحة يسمعها أهل بغداد القديمة الساكنين في جانبي الكرخ والرصافة خاصة أنها كانت تعمل في التوقيتين العربي والإفرنجي، وغدت الساعة وميزتها في ضبط الوقت مثار فخر وإعتزاز لأهل بغداد، قبل 100 سنة أو أكثر، يوم لم تكن الساعات البرجية الضخمة لا تتجاوز الـ 5 ساعات فقط، منها مثلاً الساعات المنصوبة في الحضرة الكاظمية المقدسة، ومرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني، والمحطة العالمية للقطارات في جانب الكرخ، ولكن ساعة القشلة ظلت الساعة البغدادية الأشهر من بين تلك الساعات، حتى أن أفراد الناس، الذين كانوا يتقلدون الساعات في أيديهم أو يخفونها في جيوب ملابسهم، كانوا يوقتون ساعاتهم اليدوية تلك على توقيت ساعة القشلة وأصبحة هذه الساعة للبغداديين كما أسلفنا مثار إعجاب وذهب أحدهم للقول مزهواً: أهل لندن لديهم ساعة (بك بن).. وأهل بغداد لديهم ساعة (القشلة).. (في إشارة إلى الرقي والحضارة التي وصلت إليها بغداد)..!!

 

وساعة القشلة، هي من الساعات الميكانيكية الصخمة، التي تعمل بالتوقيت اليدوي عبر (مفتاح) حديد كبير الحجم، حيث يقوم الساعاتي المكلف إدارة وصيانة الساعة بالصعود إلى برجها عبر 72 درجة للقيام بتوقيت الساعة (تكويك) حيث تستمر تعمل لمدة 10 أيام وهكذا دواليك..

 

وكانت الساعة تعاني كثيراً من دخول الأتربة والمخلفات إليها جراء العواصف الترابية أو قيام بعض الطيور الصغيرة في بناء أعشاش لها وسط منظومة عقاربها، مما يؤثر أحياناً في توقفها، أو إختلال ضبط توقيتها، مما يدفع المكلف بصيانتها وتشغيلها للصعود ثانية إلى أعلى الساعة لتنظيفها وإعادتها للعمل ثانية، وتلك مهمة شاقة ومتعبة..

 

وكانت تروى العديد من الحكايات والأساطير الشعبية بين الناس عن ساعة القشلة وبرجها وسلمه الحلزوني، الذي يصاب بالإجهاد والدوار لمن يصعده للمرة الأولى.. حتى أن إشاعات كانت تدور بين الناس فحواها وجود أفعى ذات حجم كبير (عربيد) مختبئة وسط (بايات) السلم الحلزوني، تهجم على أي شخص غريب يريد أن يرتقي سلم الساعة، ولا يسلم من لدغتها سوى الشخص المكلف بصيانتها.. ولا ندري صحة هذا الكلام من عدممه..!!

 

وكانت بناية القشلة في أول تشييدها مكونة من طابق واحد، ولما جاء مدحت باشا شيد طابقاً ثانياً لإستيعاب حاجة مقر الولاية لذلك..

 

ويقول عنها الباحث زين أحمد النقشبندي أن برج الساعة لم يتضرر، فقد تم ترميمه في الثلاثينيات من القرن العشرين وبقي المبنى مشغولاً ومستعملاً وضيقاً منذ نشأته حتى وقتنا الحاضر، غير أن وظائفه تغيرت بتوالي الأحداث، فقد رفع العلم البريطاني فوق برج الساعة عام 1916 مثلاً ثم أستعمل المبنى عام 1917 مسكناً للضباط الإنكليز وعوائلهم.. وتوج الملك فيصل الأول في ساحة المبنى عام 1921، ومع

 

تشكيل الدوائر والوزارات في الدولة العراقية إتخذت من مبنى القشلة مقراً لبعضها، ويقول النقشبندي، إن هناك إشارة بشأن ميلاد المتحق العراقي في إحدى غرف الطابق الأول من المبنى عام 1923، وإستمر إستثمار في أغراض رسمية، حتى إتخاذ قرار كونه مبنى تاريخياً وتراثياً عام 1989، وتعد القشلة واحدة من أهم البنايات التاريخية على ضفاف نهر دجلة، ومن هذه الأبنية، وزارة الدفاع وقصر العباسي وقصر الثقافة والفنون ودار الوالي وقبة السري والمحاكم القديمة وجامع الوزير وإنتهاء بالمدرسة المستنصرية.

 

ويقول الحاج محمد الخشالي، صاحب مقهى الشابندر وأقدم سكان المنطقة المحيطة بالقشلة، إضافة إلى كونه موسوعة تراثية، إن أقدم الدوائر العراقية التابعة للحكومة منذ نشأتها قد شغلت بناية القشلة، وقد كانت فيما مضى الثكنة الشمالية للجيش العثماني، وهي مركز القيادة للدولة في بغداد، وقد شغلتها فيما بعد وزارة العدل والمحاكم والإستئناف وجميع المحاكم الجزائية والبدائية والدوائر التابعة لها ومديرية المعارف، التي تحولت إلى وزارة المعارف ثم التربية، وفي القشلة كانت وزارة الداخلية ومديرية الشرطة العامة، ويؤكد الخشالي أن القشلة شهدت أحداثاً إجتماعية وسياسية كثيرة، ففي المناسبات الدينية كانت تقام فيها إحتفالات كبيرة ويخرج الجوق الموسيقى من الباب المعظم في مواكب إلى القشلة حيث تم توزيع الحلوى ويقدمون الخدمات للمواطنين، وكانت الحلاوة المقدمة هي (المستكية).

 

وعند تشكيل أية وزارة جديدة كان يقام إحتفال كبير وتلقى الخطب، كما كانت تخرج التظاهرات في المناسبات السياسية ويتجمع المتظاهرون أمام مجلس الوزراء في القشلة، وعندما حولت الدوائر الحكومية من القشلة إلى مكان آخر أصبحت في القشلة حدائق، يقوم على العناية بها مجموعة من الفلاحين.. وفي أيام الفيضان كان أهالي بغداد كلهم يأتون إلى القشلة يسألون عن منسوب المياه إن كان صاعداً أم في نزول.. ويقول أهالي بغداد الأصليون إن ساعة القشلة كان يشرف عليها شخص يسمى لطيف الشايب، وهذا الرجل كان يقوم بالعناية بها وتوقيتها كل يوم، ويقول بعضهم أنه كان يفعل ذلك كهواية من دون مقابل..

 

وبمرور الزمن وتغير الأوضاع في البلاد إنتفت الحاجة التي كان يلبيها مبنى القشلة وظهرت إحتياجات جدية، وهكذا تغيرت الوظائف للمبنى، والموراد هنا توضيح نقطة معينة هي أن التعامل مع مبنى بعد إنتهاء وظيفته الأصلية خلال حقبة الزمن الماضية كان لا بد من أن يكون بصيغة تلائم الهدف في عملية صيانة وظيفته الجديدة والتي تختلف عن الوظيفة الأصلية تماماً، وأنه يجب أن تراعى نقاط عدة من أجل الحفاظ على المبنى والإبقاء على معالمه أن تنوع تضاداته، التي تعبر عن إختلاف الزمن عليه، كإدخال نوع من التعبيرية الهادئة في التعامل من خلال المنهاج التصميمي وإحياء الفن المعماري من خلال إعطاء روح وحياة جديدة بالمحافظة على القديم، وقال خورشيد إن الواقع الحالي يشير إلى تدهور أهم منطقة تراثية في جانب الرصافة في بغداد، ومرد ذلك إلى إنعدام الوعي الثقافي بأهمية التراث، وكذلك الإرتجال والتسرع، وهناك تأثيرات معمارية عدة طرأت على هذا المبنى، ففي فترة الحكم العثماني بني الطابق الأول، وفي فترة الإحتلال البريطاني أستعملوا في العادة الطابوق والشيلمان للطابق الأول مع ترميم الجزء العلوي برج الساعة وأضيف جناح آخر للأشغال العامة، وفي فترة الحكم الوطني أدخلت على المبنى قواطع وسقوف ثانوية بأسلوب توزيع الكتل وتأطيرمشهد الساعة، كل ذلك أدى إلى تغير في البنى المعمارية التي تؤثر في تراثية هذا المبنى، أما العلاج لكل ذلك فهي دراسة منهاج تصميمي لمركز ثقافي أو مدرسة للفنون الجميلة أو متحف متخصص كان يكون للعملات، إذ ينبغي أن يتم التعامل مع هذا المبنى بمنتهى الرقة، وعلمنا أن وزارة الثقافة بالتعاون مع منظمة اليونسكو تقوم حالياً بدراسة صيانة مبنى القشلة والسراي القديم الذي طاله التخريب وخصوصاً بعد إنتزاع الباب الرئيس للقشلة وسرقته الذي يصل إرتفاعه إلى 16 متراً..

 

وقد شهدت بناية القشلة أحداثاً عدة، منها قراءة (الفرمان) الصادر عن السلطان العثماني في (إسطنبول) بتعيين والٍ جديد لبغداد خلفاً لوالي سابق وذلك بمراسيم عسكرية ودينية خاصة يحضرها سراة القوم وأعمدة المجتمع وكبار موظفي الولاية من المدنيين والعسكريين..

 

وفي شهر آب 1921، شهدت القشلة أيضاً عملية تتويج أول ملك في تاريخ العراق الحديث الملك فيصل الأول، حضره القادة البريطانيون (المحتلون) وكان على رأسهم السير برسي كوكس والموظفين وقادة المجتمع العراقي من الرؤساء والوجهاء ورجال الدين..

 

وفي شمال بناية القشلة، تقع (دار الوالي) التي كانت تستغل لسكن والي بغداد التركي، وهي دار شرقية واسعة الأرجاء تضم العديد من الغرف والقاعات الكبيرة المشيدة وفق العمارة البغدادية التقليدية وتتوسط باحة الدار بعض أشجار النخيل وغيرها..

 

وقد إستغلت بناية دار الوالي في السنوات التي سبقت أحداث 2003 مقراً لـ(مجلس شعب بغداد) الذي يعادل (مجلس محافظة بغداد) اليوم، وقد تركت هذه البناية التراثية طيلة السنوات السبع الماضية من دون إستغلال والتي بالإمكان إستغلالها في الجوانب والفعاليات التراثية والثقافية والسياحية..

 

عادل العرداوي/ الأرشيف- العدد الرابع/ السنة الأولى 1431هـ/2010م

السابق
هل الحرب في غزة لا مفر منها؟
التالي
بماذا اخطأالغرب في سوريا؟

اترك تعليقاً