فكر ديني

المرجع “السيد السيستاني يدعو إلى التركيز على الدولة المدنية في العراق

تناول حجة الإسلام والمسلمين السيد منير الخباز في الجزء الثاني والأخير من حوار “شفقنا” معه، سمات الشخصية القيادية للسيد السيستاني ومنهجه السياسي وتأكيده على المواطنة بدل العناوين الدينية، وكذلك دور علماء الدين في المجتمع ومستقبل المرجعية الدينية.

لا ينكر أحد بأن السيد السيستاني يلعب دورا مختلفا عن دور من سبقه من مراجع الدين في تاريخ العراق، فاهتمام العلماء كان ينصب على الفكر الشيعي والحوزة العلمية حفاظا على مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلا أنه بعد سقوط النظام البائد تركزت الأنظار نحو العلماء فطلب منهم لعب دور في عملية الإصلاح وحل بعض المشاكل، وعليه اختار سماحة آية الله السيستاني منهجا اعتبره البعض حدا وسطا بين منهج آية الله الخوئي وبين منهج الإمام الخميني، أما البعض الآخر فيرى بأن تغير الظروف كان يؤدي إلى تبنى المنهج نفسه من قبل الإمام الخميني أو آية الله الخوئي لو كانا اليوم في العراق.

سألنا السيد الخباز عن هذا الموضوع، وطلبنا منه إبداء رأيه وتبيين الأمر، ورد علينا بالقول:

“إن المسار السياسي والاجتماعي لشخصية السيد السيستاني القيادية، يتضح في عدة ملامح… الملمح الأول هو إن القيادة الروحية والتربوية بالمجتمع الإسلامي تحتاج إلى شخص زاهد بعيد عن المغريات الدنيوية والزخارف المادية، وهذا ما يكرره السيد السيستاني بانه يسير على خط الاقتداء بالإمام علي الذي كان يقول «ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدى به ويستضيء به نور علمه، ألا وإنَّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طُعمِه بقرصيه»…فهو يقول بأن قدوته هي أمير المؤمنين الذي ما زال التاريخ يسجل بأنه كان قائدا روحيا للأمة”.

ويضيف الخباز إن “الملمح الثاني في شخصيته القيادية ومساره السياسي هو نأيه عن الاختلافات، فالسيد السيستاني لا يقحم نفسه ولا مكتبه، في أي خلاف مذهبي سواء في داخل الأفق الشيعي أو في الأفق الإسلامي العام، فهو يبتعد عن أي نقطة تخلق الاستفزاز وتخلق جوا من الخلاف الحاد، بل إنه يوصي بتجاوزها وعدم التركيز عليها حفاظا على روح التلاقي والانسجام والارتباط بين المذاهب الإسلامية المختلفة فضلا عن أبناء المذهب الشيعي الواحد سواء كانت الخلافات دينية أم كانت اجتماعية، فهو دائما يركز على الأولويات لا الأمور الثانوية، ومنها وحدة الجسم الإسلامي فضلا عن الجسم الشيعي بوصفها عنصر قوة المسلمين ومظهر حضاري عظيم للإسلام، لذلك يبتعد عن الدخول في الخلافات الدينية بل الخلافات الاجتماعية، ولهذا استوعب الكثير حتى ممن يختلفون معه داخل العراق، فهناك تيارات في العراق لا تتفق مع رؤية السيد السيستاني لكنه نجح في استيعابها، فهو لم يجابههم ولا رد عليهم بل استقبلهم في بيته متحدثا ومقدما لهم العطف والإعانة، واستطاع أن يكسبهم إلى جانبه بمرور الوقت فحولهم إلى متعاونين معه لا متصارعين معه”.

“الدولة المدنية هي الحل في العراق”

يعتبر العلامة الخباز إن “الملمح الثالث هو تركيزه على الدولة المدنية في العراق، وهنا يتبين بأن قيادته ليست مزجا بين خط الإمام الخوئي وبين خط الإمام الخميني أو إن شخصيته عبارة عن شخصيتين بحيث لو حل الإمام الخوئي مكانه لفعل ما فعل، أو إذا حل الإمام الخميني مكانه لفعل ما فعل، بل هو تجربة أخرى بوصفه حاملا لهذه الثقافة”.

ويتابع السيد منبر الخباز إن “السيد السيستاني يرى بأن الدولة المدنية هي الحل الوحيد لتأمين حاجات المجتمع الإسلامي الذي يضم أقليات من الديانات الأخرى كالمسيحية والايزدية والصابئة فضلا عن المذاهب الإسلامية المختلفة، كما إن الشيعة وفي إطار جسم المجتمع الاسلامي العام، يعتبرون أقلية، وإن كانوا في العراق أكثرية؛ الهدف من ذلك هو أن يأخذ كل دين ومذهب حريته في ممارسة طقوسه وشعائره، والحل يتمثل في الدولة المدنية التي تقوم على صناديق الاقتراع والتمييز بين السلطات الثلاث، فما لم نركز على إقامة الدولة المدنية في العراق، لا نستطيع أن نوفر الحرية لأصحاب الأديان والمذاهب المختلفة بما فيهم المذهب الشيعي، فالإصرار على الدولة الدينية سيخلق صراعا عنيفا يبقى ويستمر مئات السنين، ولأجل ذلك يدعو السيد السيستاني إلى التركيز على الدولة المدنية وهذه سابقة لم يدعو إليها مرجع أو عالم من الشيعة بهذا الوضوح”.

وحول الملمح الرابح، يقول الخباز إن “الملمح الرابع من ملامح مسار السيد السيستاني السياسي هو قلة الكلام وعدم الكثرة من التصريحات والأحاديث، فالحكمة تقتضي أن تكون القيادة فاعلة مؤثرة ولأجل ذلك عليها الاقتصار في الخطاب والتقليل من الظهور والتصريحات حفاظا على تأثيرها وفاعليتها في نفوس الشعب، والسيد السيستاني يجسد هذه الحكمة، ودائما ما يقول إن «من كثر كلامه كثر غلطه» فكلما قل الحديث كان أكثر تأثيرا وفاعلية فـ «كثرة الصمت تدل على وفور العقل».. فسكوته ليس صمتا، بل سكوت يدل على قراءة المواقف واتخاذ التدابير اللازمة بما يتناسب معها”.

ثم يتابع إن “الملمح الأخير للمسار السياسي والقيادي للسيد السيستاني هو لغة العمل، فهو دائما ما يؤكد على ضرورة العمل أكثر من القول، فالمجتمع الإسلامي يطلب منا عملا لا قولا، وعندما دخل عليه كثير من قادة الأحزاب السياسيين وتحدثوا معه عن الوحدة بين الشيعة والسنة وعن الوحدة بين أبناء الشعب العراقي، قال لهم بكلمة واضحة أنا لا أمارس الوحدة قولا وإنما أمارسها عملا؛ فمكتب السيد السيستاني هو الذي احتضن اللاجئين من الايزيدية والصابئة والمسيحية واحتضن اللاجئين من السنة ووفر لهم السكن والراتب والطعام والشراب، وبعث معتمديه إلى جبهات القتال لمشاركة الناس ومشاركة العشائر الشيعية والسنية في القتال”.

إن “السيد السيستاني، وفي فتواه للجهاد الكفائي وفي وصاياه للمقاتلين، ركز على المواطن والمواطنة، لا على العناوين الدينية والمذهبية، فهو قد مارس الوحدة عملا أكثر مما مارسها قولا وبذلك خلق جوا من التآلف والتلاقي بحكمته وبخطواته العملية المدروسة”…يقول الخباز، وحول دور العلماء ووظائفهم بالدولة المدنية، يوضح بأن:

“السيد السيستاني يطرح الدولة المدنية من المنطلق السياسي والاجتماعي، لا لأنها الدولة الشرعية الإلهية، ولكن كحل اجتماعي سياسي حتى يعيش الناس بأمان وسلام ويمارس كل دين حريته وطقوسه وحقوقه”.

“دور العلماء في الدولة المدنية هو النصيحة والإرشاد وليس التدخل”

ويتابع الخباز إن “السيد السيستاني دائما ما يركز على إن العمامة يجب أن تبتعد عن الحكم والسياسة وعن الدخول في الأحزاب وممارسة الوظائف الحكومية حتى يحتفظ رجل الدين بنزاهته ووثاقته وموقعه في النفوس ويظل رمزا روحيا وليس رمزا سياسيا خاضعا للنزاع والجدال والتنافس والتزاحم؛ فلكي يحافظ رجل الدين على موقعه الروحي الذي يتسم بالنزاهة والمحبة، عليه الابتعاد عن الدخول في دهاليز الأحزاب والسياسة والوظائف الحكومية، إذن دور العلماء في الدولة المدنية هو النصيحة والإرشاد وليس التدخل، ولذا نرى بأن السيد السيستاني يبتعد عن الدخول في التفاصيل بل يتركها لأهل الاختصاص في الحكومة، كل بحسب موقعه”.

سألنا حجة الإسلام والمسلمين السيد منير الخباز عما تشهده حوزة النجف الأشرف من نشاط علمي وتزايد في عدد الطلاب بشكل عام، وفي الوقت نفسه عن انخفاض عدد الطلاب الإيرانيين وأثره في مستقبل الحوزة، فالعديد من العلماء الذين تحدث عنهم كان لديهم أصول إيرانية، فأجاب بالقول إن:

“السيد السيستاني يسعى لأن تكون حوزه النجف حوزه جامعة وأن يأخذ الطلاب الإيرانيون والباكستانيون والأفغان والعرب غير العراقيين، كل يأخذ موقعه في حوزة النجف الأشرف عبر كفاءته وجدارته لا عبر شيء آخر، كما إن النسبة القليلة للطلبة الإيرانيين في النجف حاليا سببها الظروف غير المستقرة التي تحكم العراق لا لسبب آخر”.

وحول مستقبل المرجعية بعد السيد السيستاني وإمكانية استمرار الوضع بهذا الشكل، يقول العلامة الخباز إن “هذا الكم من السمات العلمية والثقافية والقيادية لشخصية السيد السيستاني لا يوجد حاليا في الحوزة العلمية وحتى بعد مرحلة طويلة منه، ولا أظن بأن حوزة النجف ستنتج شخصية علمية قيادية بهذا المستوى في مرحلة قصيرة، بل تحتاج النجف إلى مدة طويلة حتى تكون قادرة على إعداد مثل هذه الشخصية العملاقة”.

وختم الخباز حديثه مبينا إننا “إذا نظرنا إلى المقاييس الطبيعية وإلى الظروف نظرة اجتماعية، لا أتوقع أن تبقى المرجعية بصورتها المعروفة المؤثرة في عموم الناس، ولكن إيماننا ومنظورنا يأتي عبر المقاييس الإيمانية لا عبر المقاييس الطبيعية، فالله يحفظ دينه «وإن للكعبة رب يحميها» كما قال عبد المطلب رضي الله عنه، وإن بركات صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف تمنح التشيع ما يحفظه ويحفظ الدين ويحفظ تواصل الأمة مع رجال الدين تواصلا روحيا مفيدا مثمرا إن شاء الله تعالى، والحمد لله ربنا.

السابق
العبادي سيحصد مقاعد المالكي البرلمانية في هذه المحافظات
التالي
محمد البرادعي :حسني مبارك حرض الامريكان على غزو العراق

اترك تعليقاً