فكر ديني

المقارنة بين عبادة الطاغوت والتوحيد

يقول الله:”اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”.

ان حقيقة الايمان نور واحد في طبيعته وماهيته, بينما الكفر والطاغوت ظلمات متعددة لا حصر لها, كل في طريق, كل في اتجاه, كل في خط ,لان الاهواء والرغبات اذا اطلق الانسان العنان لها فلا حصر لها وبالتالي كل يريد تحقيق نصيبا منها, وكل على طريقته الخاصة التي يراها تنسجم مع تحقيق تلك الرغبات,من هنا كانت متعددة, بينما الطريق الى الحق واحدة, واضحة المعام, بينة الخطى,لاغبار عليها,يقول الله:” وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ “. انه سبيل واحد , من يتجاوزه فقد تعدى حدود الله “ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ” واي ظلم اكبر من هذا,ونحن نقارن ونقايس بين نمطين من الحياة, ونمطين من التصور والاعتقاد.

فالذي يعيش في كنف العبودية لله يعيش الايمان الذي يشرق نورا في قلبه, ونورا في بصيرته تتكشف من خلاله,حقائق الاشياء من حوله, فيراها ناصعة واضحة, تورث في قلبه الاطمئنان , وتفتح له ابواب الايمان وطرق السعادة, فيمضي الى الله في علاقة فريدة, تنفتح على عوالم الغيب التي لا حدود لها, ويشعر معها المؤمن بسعة الوجود ومظاهره, انه عالم الغيب والشهادة, فتوقظ في نفسه تلك التطلعات والامال نحو عالم اخر,عالم مفارق يحتضن المعنى النهائي والحياة الابدية, فيزهد بما بين يديه من متاع محدود, ولا يعود اسير العالم المادي والقيم الارضية.

ماذا يقابله في الجانب الاخر؟؟

حياة غارقة في بحر من الظلمات, ظلمة الشهوة, وظلمة الشرود, وظلمة الضعف والمسكنة والذلة, وظلمة الطمع والشك, وفقد الطمأنينة والضياع, والانجراف وراء عوالم من الاهواء والرغبات,لان الدنيا بالنسبة لها فرصتها الاولى والاخيرة, وهذا سوف يرهق كاهل الكائن البشري, ويدخله في عوالم من التيه والضياع, لا ينتهي امده, انها ظلمة الطغيان والكِبْر, والخروج عن طريق الله نحو طرق الشيطان المتعددة.

هذا بالاضافة الى ان الايمان بالله هو فعل يقوم على الاختيار”َلا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”, لان الايمان فعل قلبي, ويستحيل في الامور القلبية ان يتم الاعتقاد بشيء بالاكراه,

ان الحرية مضمونة في الاسلام, بل يجب ان تكون مضمونة في كافة الاديان التوحيدية, وهذا يحتاج منا ان نعيد ترتيب الاولويات في الامور الدينية, وفي جوهر الدين نفسه, ان الدين جوهره واساسه هو تشييد وبناء تجربة روحية واخلاقية لدى الكائن البشري, وهما تكمن قدرة الدين الهائلة, هنا منابع القوة في الدين, حينما يشيد هذه الجوانب الروحية بقوة, لانها وحدها القيم الاخلاقية, والجوانب الروحية,ضامن لاستقرار الانسان, وتأكيد حريته وكرامته,” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”, “انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق”.

والاسلام حينما يدعونا الى نبذ الطواغيت بكل مظاهرهم , ومحاربة الطاغوت, انما يرمي من وراء ذلك الى استعادة انسانيتنا, ممن قد سلبها منا, من اجل انقاذ كرامتنا وحريتنا وحقوقنا وكياننا التي تم استلابه, من الذي صادره منا. اذا كان الايمان فعل اختيار, والعلاقة مع الله هي علاقة تكامل وكمال, فان الطواغيت يمارسون كل انواع الاستغلال والعبودية في حق الانسان , ان الطواغيت يسخرون كل القوى والطاقات, وكل الامكانيات من اجل ترسيخ ذواتهم, بل من اجل الاعلاء من شأنها حد التأليه, انهم يبددون امكانيات المجتمعات من اجل تكريس هذا الشيء , هذه الامكانيات لو صرفت في مكانها الطبيعي والسليم, في عمارة الاوطان, وترقية الحياة البشرية, لعاد على البشر بالخير الوفير, من هنا نكتشف حجم الخسارة الهائلة, لا سيما في الاموال والارواح,وبعثرة الجهود, وتبديد الطاقات, من اجل ترسيخ الوهيته, من هنا نرى حجم الظلم الذي تتسبب به عبادة الطواغيت, واللجوء الى كنفها, والارتماء في احضانها.

لذا ليس غريبا على القران الكريم, ان يعبر عن هذه التصرفات بانها تصرفات طاغوتية, لان الطاغوت والذي هو مبالغة من الطغيان كالجبروت والملكوت, معناه تجاوز الحدود الطبيعية للاشياء, سواء في الافراط او التفريط, والطغيان يشمل الجوانب النفسية والجوانب الاجتماعية.

السابق
اسباب النصر العراقي العظيم
التالي
كم سيموت من الأمريكيين إذا أرسلت إليهم كوريا الشمالية صاروخا نوويا ؟

اترك تعليقاً