فكر ديني

الولاية نعمة الحريات والحقوق

اسمحوا لي في حدود معرفتي وما تخولني هذه المعرفة من التطرق الى بعض المفردات في الاية الكريمة التي هي محط اهتمامي وتاملي، وذلك بداعي اكتشاف معنى وافق اخر على ضوء ما يتيحه لي فهمي… اتممت لكم نعمتي… والتي تمت بتنصيب علي لمقام الخلافة والولاية.

ان الادبيات الإسلامية مليئة بالايضاحات والتفسيرات للفظة النعمة: من نعمة الوجود الى نعمة الايمان ثم نعمة الولاية وغيرها من النعم الإلهية.. والتي ظلت محكومة للاطار الغيبي والميتافيزيقي، وحصرته في ذلك الجانب، ونحن هنا لا نقلل من أهميته، لكن ان يبقى الفهم الديني محصورا في ذلك الجانب دون الاخذ في عين الاعتبار القيم التي لها علاقة مباشرة في حياة الكائن هو الامرالمستغرب؟! وخصوصا مع مقولة ان الإسلام دين حياة لا دين موت!

يجب علينا كمسلمين وخصوصا في هذه المرحلة، ان نعيد فتح الإشكاليات والاسئلة التي ترتبط بقيم الانسان اليومية، والتي باتت تشكل همه الأساسي، والسعي الى تأصيلها وتوضيحها وفهمهما ، واستشراف الافق التي يصب في خدمتها.

لقد حان الأوان ان تولي الفلسفة الإسلامية للنزعات الإنسانية اهتماما جديا بدل الاستغراق في قضايا الوجود والميتافيزيقا فحسب، ووفقا لهذه الرؤية اسمحوا لي ان اركز على هذه الناحية، ان نرى القيم الإنسانية في الخطاب القراني، باعتبارها قضايا جوهرية لدى الانسان، ، ولنفتح النص على معان متجددة تنسجم مع مكانته الوجودية التي لا تستفذ مضامينها، وتليق بمكانة الانسان.

ان الولاية ترتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الحرية، لان الولاية معناها إعادة الارتباط بالله سبحانه وتعالى ، والارتباط بالله لا يتم الا بفعل الاختيار، لان الارتباط بالله لا يقوم الا على أساس المحبة والعشق ، فالحرية جوهر الارتباط بالمعشوق الأول، وخصوصا في الادبيات العرفانية، فلماذا لا تلحظ هذه المفردة في التفسيرات، اليست الحرية جوهر وجود الانسان وجوهر مشروع استخلافه؟؟الا يليق بهذا الكائن ان نلتفت الى القيم التي ترتبط باصل وجوده؟؟ نعم ان الامام علي قد اعتبرها قيمة أساسية، ترتبط باصل وجوده، وهي قيمة لا يحق لاحد ان يسلبها منه على الاطلاق، ها هو يقول لولده الحسن: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حُرّاً).

ان الامام علي باعتباره القران الناطق، فان التمسك به في قبال الاخرين يحيلنا الى نمطين وجوديين من المعرفة والسلوك، نمط يستلهم مفاهيمه من القران مباشرة، ونمط يشكل معارفه على ضوء الاجتهاد البشري، قيمة الأول والتي تجسد في علي يثري الجانب الروحي ويعزز من مكانة الانسان، ويسعى الى التسامي بالإنسان نحو المطلق، اما الثاني فانه يعزز من الحضوري البشري واكراهاته، وبعبارة فلسفية على مستوى رؤية الحقيقة والسلوك ” وحدانية الحقيقة المتجلية في القرآن والتي تجسدت في علي ليست هي عينها المتجلية داخل الأنظمة التيولوجية المشكلة بواسطة المبادئ المنطقية ففي حين نجد ان القرآن يغذي الشعور والحنين نحو المطلق والواحد الأحد والنزعة التوحيدية والعدالة والخلود، ونهج البلاغة حافل بها، هذه الرؤية تعزز مكانة الانسان، نرى هنا داخل هذه الأنظمة التيولوجية قد تحولت انساقا وأنظمة صارمة من الإيمان واللإيمان، الذي يعزز الحضور البشري بكل أحقاده تجاه الاخر بدل الارتفاع بالإنسان والسموبه نحو المطلق”. يقول امير المؤمنين:(الحرّية مُنزّهة من الغلّ والمكر).

الا يمكن ان تكون الولاية والمتجسدة في شخص علي مصدرا لاتمام النعمة باعتبارها توفر كل الشروط الاجتماعية والتاريخية من قيم الحرية والعدل والتسامي نحو المطلق لانجاز مشروع الاستخلاف .

اليس الامام هو الهادي ! فاولى به الالتفات الى هذه القضايا، ان الامام علي وخلافا لمن سبقوه لم يعتبر السطة هي الأساس والضامن لاستمرار الرسالة الإسلامية، ولاستمرار تعاليمها وقيمها، كما ادعى من قبله، أي ان الحاكم لا يستمد مشروعيته من نفس كونه خليفة او رئيس، انما يستمد مشروعيته من خلال تجسيد قيم الإسلام وعلى راسها قيمة الحرية والعدل باعتبارهما ضامن روحي واخلاقي ها هو يصرح امام الملأ اجمعين، لما جاء المسلمون لمبايعته بالخلافة، فقد دخل عليه ابن عباس يوماً فوجده يخصف نعله فعجب ابن عباس من أن يخصف أمير المؤمنين نعله بنفسه، وهو يحكم مناطق شاسعة من العالم القديم، فقال لابن عباس:

(ما قيمة هذه؟) – مشيراً إلى نعله – قال: لا قيمة لها.

فقال الإمام: (والله لهي أحب إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً).

فالسلطة تعني عنده – إذن – إقامة الحقوق، ومقاومة الباطل وأهله.

اذن محور مسؤوليته هي توفير الظروف اللازمة، لايصال الحقوق الى أهلها، فالمسلم مسؤولٌ عن حقوق الآخرين. فيجب على الإنسان المسلم أن يُؤدّي هذه الحقوق، وكما أنّ للآخرين حقوقاً عليه، فإنّ له حقوقاً عليهم، ونتيجة لهذه الحقوق المتبادلة يقوم نظام العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. أمّا حقّ الله فهو الدائرة الواسعة التي تشمل حقّ المجتمع، فهو غير منفصل عن حقوق الناس، بل هو تبعٌ لحقوق الناس، وليس العكس. وهذا ما يقوله أمير المؤمنين(عليه السلام): “جعل الله سبحانه حقوق عباده مُقدِّمة لحقوقه”. لذا كان أفضل ما يقوم به الإنسان هو أن يُوصل الحقوق إلى أهلها، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): “أفضل الجود إيصال الحقوق إلى أهلها”

اذن ليس عبثا ان يركز امير المؤمنين على حقوق الانسان والمجتمع، ويعتبر توفيرها والالتفات اليها لهي طريق من طرق الوصول الى الله، من هنا كانت ضرورة احياء هذه المفاهيم، وإعادة النظر فيها من اجل بلورتها وصياغتها على ضوء تعاليم الإسلام.

وانما كان تركيزي على قيمة الحرية باعتبارها الحق الاسمى للإنسان، ولان لها ارتباط وثيق في مشروع الاستخلاف، اذ ان اللهُ خلق الإنسان ليكون خليفته في الأرض، وحمّلهُ مسؤوليات جسام أبت الجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وكان لابُدَّ من أن يُكرَّم هذا الإنسان على تحمّله المسؤولية الكبيرة. ومن اجل تحقيق مشروع الاستخلاف ، لا بد من توفير جملة من العوامل الاجتماعية تليق بالإنسان ، وتليق بتكريمه من قبل الله، واهم هذه العوامل توفير وصون جانب الحرية لدى الانسان، باعتباره الشرط الأساسي لبناء وإنجاز الاستخلاف ، اذ لكل موجود وفق الرؤية الفلسفية الإسلامية أصول وشروط وغايات حتى يتحقق الهدف من وجوده، لقد اشتغل الفكر الإسلامي، واستفذ قدراته في البحث عن الغاية فيما يرتبط بالانسان، التي هي السير نحو الله، دون ان يولي أية أهمية تذكر في شروط الاستخلاف التي أهمها شرط الحرية، والحرية هي الضامن -كشرط اجتماعي- لصيانة حقوق الانسان، والوصول اليها، كي لا تبقى حقوق معطلة ومؤجلة الى امد لا يعلمه الا الله، ومن هنا نفهم معنى الاختيار التي منحه الله لهذا الانسان. وليس الاختيارالا الحرية التي أعطيت للكائن الإنساني في تفعيل قدراته واستعداداته من اجل تجسيد تلك العلاقة الفريدة مع الله.من هنا كان التركيز من قبل الامام علي على هذه القيمة.

وأخيرا سأكتفي بضرب مثال يبين كيف نظر علي الى الحقوق التي ترتبط بالإنسان وكيف عالجها، والى أي حد اجتهد في ان يصوغ نموذجا إنسانيا راقيا في التعامل مع حقوق الناس.

في احدى الوقائع: ((أتاه رجلٌ بالكوفة فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّي زنيت فطهّرني، قال: فمن أنت؟ قال: من مزينة، قال: أتقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: بلى، قال: فاقرأ، فقرأ،… قال: أبك جنّة؟ قال: لا، قال: فاذهب حتى نسأل عنك، فذهب ثمّ عاد، فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): ألك زوجة؟ قال: بلى، قال: فمقيمة معك في البلد؟ قال: نعم، فأمره أمير المؤمنين(عليه السلام) فذهب وقال: حتى نسأل عنك، فرجع ثالثة، ثمّ رابعة، فغضب أمير المؤمنين منه ثمّ إنّه قال: ((ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملاء، أفلا تاب في بيته؟ فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ)). نستخلص من هذه الحكاية الأمور التالية:

1ـ رغبة الإمام في انصراف الرجل عن قراره بإقامة حدّ الرجم عليه من خلال صنع أجواء تعلّقه بالدُنيا. 2ـ كان الإمام يُحاول أن يجد طريقاً لدرء الحدّ عنه، فكان يسأله أسئلة مختلفة علَّه يجد سبيلاً لإنقاذه من الرجم.

3ـ لا يكتفي الإمام بمنح الرجل فُرصة للعيش، بل للعيش الكريم أيضاً؛ أي أن يبقى مستوراً لا يعلم بما فعله أحد.

4ـ قول الإمام: ((فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ))، عبارة عن قاعدة ذهبية سبق بها أمير المؤمنين الشرائع الحديثة في مجال حقوق الإنسان. وتحمل هذه القاعدة إقراراً صريحاً بأنّ الحدود ليس الهدف من إقامتها الانتقام، بل الهدف هو إصلاح الإنسان والمجتمع، فإذا صلح الإنسان بغير العقاب فلا ضرورة لإقامة الحدّ عليه.وهذا التصرف فيه من الاحترام للإنسان ولكرامته في ذاك الزمان ما لم يمكن ان نتصوره.

(الشيخ محمد ضيا)

 

 

السابق
وهل الدين إلّا الحب؟!
التالي
أثر بيئة النجف الأشرف في بناء شخصية الشيخ الوائلي

اترك تعليقاً