أبحاث ودراسات

امريكا فشلت في قراءة المشهد السياسي العراقي لعقدين

تؤكد نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية أن القادة الامريكيين ووسائل الاعلام الامريكية، لايزالون لا يعرفون شيئاً عن الديناميكيات السياسية المعقدة في هذا البلد. فتوقع خبراء ومحللون ونقّاد ان يفوز حزب رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الذي تدعمه الولايات المتحدة.

وبدلاً من ذلك فازت القائمة التي يرأسها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بأغلبية الأصوات. الصدر عدو لا مريكا ومعارض قديم لها، ويناهض اجندتها في الشرق الاوسط ولاسيما قواتها الموجودة في العراق. والواقع انه خلال السنوات التي اعقبت ازالة صدام حسين، كثيراً ما اشتبك أتباع الصدر مع قوات الاحتلال الامريكية.

بروز مقتدى الناشئ، هو الاكثر قلقاً بالنسبة لمسؤولي ادارة ترامب. لكن من وجهم نظرهم، يمتلك الصدر “فضيلة” واحدة هي، عداؤه للنفوذ الايراني في بلاده. موقفه، دليل على ان التضامن الشيعي لكن ليس على حساب الهوية الدينية المتبادلة، ولايزال هناك توتر تاريخي بين العرب والفرس يتجلى من وقت لآخر.

الجانب الأكثر اثارة للقلق في نتائج الانتخابات من وجهة نظر واشنطن، هو تربع قائمة الفتح في وصافة القوائم الفائزة. وتعدّ هذه الكتلة القوية وهي ائتلاف من فصائل الحشد الشعبي المزودة بأفضل الاسلحة التي حاربت تنظيم داعش بإتقان، لذلك يمكن ان نقول، ان في العراق فصيلين سياسيين مناهضين لامريكا بشدة، احدهما مؤيد لايران واخر لا. فيمكن للمرء ان يتصور نتيجة اسوأ من حيث اهداف سياسة واشنطن.

وما زاد من دهشة المراقبين الغربيين، حيازة حزب العبادي الثلث الضعيف. فإن هذا الاداء المخيّب للآمال، هو مجرد حلقة اخرى في سجل واشنطن الطويل الفاشل في اختيار ممثليها العراقيين.

افترضت ادارة جورج دبليو بوش وحلفاؤها الجدد من المحافظين، ان أحمد الجلبي، رئيس المؤتمر الوطني العراقي الراحل، سيكون قائداً للعراق بمجرد الاطاحة بنظام صدام حسين.

لكن الواقع، قدمت واشنطن ملايين الدولارات الى لجنة التفاوض الحكومية الدولية في السنوات التي سبقت الاحتلال عام 2003، وحين اُجريت الانتخابات حصل الجلبي على نسبة 0.5 في المائة من الأصوات.

كان رجل امريكا الثاني نوري المالكي الذي تميزت فترة ولايته بحملة لا هوادة فيها لتهميش الاقليمات، ليؤسس من حيث لا يدري قاعدةً لحزب البعث. وممهّداً الى جانب الفساد الاسطوري لادارته البلاد، ظهور تنظيم داعش واستفحلال الحرب الاهلية في العراق.

لم تكن نتائج الانتخابات الاخيرة في العراق ككل تشكل نكسة كبرى لسياسة الولايات المتحدة في بغداد، بل في كردستان المثيرة للقلق هي الأخرى. كانت اقليم كردستان حليفاً قوياً لامريكا في الحرب ضد داعش، وكذلك القوى الكردية عبر الحدود في سوريا.

واعتبر بعض الخبراء وخبراء السياسة الاكراد (الى جانب اسرائيل)، ان تحرك واشنطن نحو تعزيز العلاقات مع كردستان، سيضر بنفوذ واشنطن في بغداد، فضلاً عن انزعاج الحكومة المركزية في الآونة الأخيرة.

أعاق قرار مسعود بارزاني القاضي باجراء الاستفتاء حول الاستقلال الكامل، التحالف مع واشنطن، واثارت خطوة البارزاني غضب كل الدول المجاورة تقريباً وابرزها امريكا وتركيا فضلاً عن بغداد. وسحب القادة الامريكيون دعمهم لاقليم كردستان، واطلق الجيش العراقي حملة كبرى لقمع الوجود الكردي العسكري في كركوك، المحافظة المتنازع عليها.

من خلال الافراط في الانفاق، فقد القادة الاكراد السيطرة على مدينة كركوك، وفقدوا الكثير من وضع الحكم الذاتي الذي حققوه في السنوات التي اعقبت الاطاحة بنظام صدام.

تواجه واشنطن اليوم وضعاً رفض فيه الناخبون العراقيون ممثل امريكا السياسي الرئيس على المستوى الوطني، كما أن التعاون الذي كان واعداً في السابق مع كردستان المؤيدة لامريكا اصبح في حالة يرثى لها. ولكن حتى في هذه البيئة المتدهورة، يبدو ان مسؤولي ادارة ترامب يعتزمون الاحتفاظ بوجودهم العسكري في العراق لاجل غير مسمى.

مثل هذه السياسة الامريكية المتبعة في العراق، وهي الاقل ما يقال عنها منطقية، يعني ان صُناع القرار السياسي الامريكي كانت لديهم افتراضات خاطئة حول العراق منذ ما يقرب من عقدين. فإن الاعتقاد الذي تبنته ادارة بوش وتبنته تباعاً ادارتي اوباما وترامب، بأن العراق يمكن ان يصبح معقلاً مستقراً وموحداً وديمقراطياً مؤيداً لامريكا والشرق الاوسط، امر مخادع على مستويات متعددة.

فقد حان الوقت للاعتراف بحدود نفوذ الولايات المتحدة واعادة تقييم سياستها الكارثية في العراق. وتحتاج ادارة ترامب الى تطوير استراتيجية خروج سريعة من هذا المأزق العراقي.

المصدر: National Interest

ترجمة: وان نيوز

السابق
لماذا يعتبر انتخاب العراق انتصارا رائعا للديمقراطية… بقلم رئيس الوزراء حيدر العبادي.
التالي
الحبس للمدير السابق لمصرف الرشيد فرع الرمادي

اترك تعليقاً