اخترنا لكم

انتخابات العراق… التغيير يحتاج الى معجزة

بغض النظر عما ينطوي عليه قانون الانتخابات الجديد من تغييرات، فإن الأحزاب الكبيرة في العراق تثق بأنها لن تخسر السلطة في أي حال من الأحوال، وهي على يقين من أن الواقع السياسي الذي وضع السلطة في قبضتها لن يتغير ولا يمكن تغييره من خلال توسيع الدوائر الانتخابية أو تصغيرها.

وإذا ما كانت الأحزاب الكبيرة هي عبارة عن تجمعات هلامية لا يمكن التعريف بها باعتبارها كتلاً حزبية متماسكة ذات امتدادات شعبية متجذرة، فإن الحياة السياسية الحالية في العراق تخلو تماماً من حزب يمتلك قاعدة جماهيرية واضحة باستثناء “الحزب الشيوعي” الذي وضع نفسه في خدمة تيار ديني بعد أن انخرط في قافلة مؤيدي الاحتلال الأميركي قبل وقوعه.

صار “الحزب الشيوعي” يستفيد من المنافع القليلة التي يدرها عليه انتسابه إلى ما يُسمى بالتيار الصدري وهو تيار ديني أصولي موالٍ لإيران. ذلك ما جعله يختار موقف النأي بالنفس بعيداً من كل مطالبة بإحداث تغيير في الحياة السياسية رغم أن قواعده تنتمي إلى الطبقات الأشد فقراً.

ما صار “الحزب الشيوعي” يتعامل معه بأسلوب عملي وبواقعية سياسية تنطوي على قدر واضح من التنازل انما يكشف عن سياق عام لتركيبة النظام التي أنشأها الأميركيون ولم يطورها العراقيون. تلك التركيبة التي تستند الى مركزية الكتل السياسية الكبيرة التي هي ليست كبيرة من جهة قواعدها الشعبية بل من جهة إمساكها بالسلطة وتحكمها بمفاصل الدولة.

وإذا ما كانت تلك الكتل قد فشلت في المرة الأخيرة في تعيين رئيس للحكومة يكون مقرباً منها، فإن ذلك لا يعني أن الأوضاع خرجت عن نطاق سيطرتها، اذ صار واضحاً أن رئيس الحكومة سيكون مقيداً بالشروط التي فرضتها تلك الكتل الحزبية على الدولة من أجل أن تكون الحكومة قادرة على الاستمرار في العمل.

ذلك ما شكل عنصر إحباط للمحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع منذ أكثر من سنة على أمل أن تؤدي احتجاجاتهم إلى تبديد مركزية النظام وصنع خرائط سياسية جديدة. كان من اللافت يومها أن الأحزاب الكبيرة تعاملت بقدر من الإهمال مع المطالب التي رُفعت ولم تعلق عليها إلا من خلال خطب رجال الدين التابعين لها. أما ما فعلته الميليشيات من أعمال قتل وضرب وترهيب وخطف وتشتيت للتجمعات البشرية فإن الجزء الأكبر منها قد حدث بتوجيه إيراني مباشر وبإشراف “الحرس الثوري” الإيراني.

عبر أكثر من خمسة عشر عاماً أجريت فيها أربعة انتخابات اكتسبت الأحزاب الكبيرة أساليب خاصة في التعامل مع الديموقراطية، بحيث أن أي فريق مراقبة دولي لا يمكنه أن يجد خطأ في عمليات الاقتراع. أما نسبة الإقبال على الاقتراع فإنها لن تكون ملزمة في بلد كالعراق. فالإرهاب سيكون سبباً جاهزاً لتعليق الانتخابات في مدن عديدة وهو ما حدث في الانتخابات الأخيرة التي صعد من خلالها ممثلو الميليشيات إلى مجلس النواب.

لن يتغير شيء وسيبقى النظام السياسي على ما هو عليه.
تلك نتيجة بائسة بعد أكثر من سبعمئة قتيل وآلاف الجرحى الذين خلفتهم الاحتجاجات الشبابية التي بدأت منذ أكثر من سنة.

لقد اسقطت الاحتجاجات حكومة عادل عبدالمهدي ولكنها لم تسقط الآلية التي جعلت من عبدالمهدي رئيساً للحكومة. أما حكومة مصطفى الكاظمي التي اعتبرتها الأحزاب جائزة ترضية فإنها حكومة قاصرة تعجز عن صرف رواتب موظفيها الشهرية. لذلك لا يعول عليها في مسألة احداث تغيير جذري في قانون الانتخابات.

وليس من الواضح أن شباب الاحتجاجات الداعين إلى تغيير النظام بالوسائل السلمية قد نجحوا في تنظيم صفوفهم والوصول إلى صيغ تضمن قيام تجمعات حزبية صغيرة، يكون في إمكانها المشاركة في الانتخابات المبكرة القادمة. فالناشطون المعارضون ممن عُرفوا بوعيهم السياسي المتقدم بعيداً من الهتافات المباشرة تمت تصفية معظمهم ولم تتمكن الحكومة من فك أسر المختطفين منهم. اما مَن تبقى على قيد الحياة فإنه صار يتوخى الحذر في ظهوره واتصالاته العلنية.

لذلك يمكن القول إن الخريطة السياسية لا تزال كما كانت من قبل ولم يطرأ عليها أي تغيير ولا أحد في إمكانه أن يتوقع حدوث أي تغيير في المشهد الذي تمثله النسب المحسومة للكتل السياسية.

اما لو قرر الشعب، على سبيل الجدل، مقاطعة الانتخابات وهو ما فعله في الانتخابات الأخيرة، فإن ذلك لن يؤثر في النتائج. فمهما تدنت نسبة المقترعين فإن الانتخابات في العراق ستكون شرعية إذا ما تعلق الأمر بالعراق.

ففي انتخابات عام 2018 اقتصرت المشاركة في الاقتراع على منتسبي الأحزاب والكتل الدينية ومناصريها وهم لا يشكلون النسبة التي يمكن من خلالها أن تحظى تلك الانتخابات باعتراف دولي بشرعيتها.

وكانت هناك مخالفات يمكن أن تبطل أي انتخابات تُجرى في أي مكان في العالم. ومع ذلك فقد أُقرت النتائج وجلس ممثلو الميليشيات على مقاعدهم في السلطة التشريعية وسط مباركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
هناك كما يبدو وصفة خاصة بالعراق.

تلك وصفة صارت معتمدة بالنسبة الى جهات عديدة راعية لشفافية الانتخابات ونزاهتها في العالم. ولكن ذلك ما لا يمكن التورط فيه زمناً طويلاً. ذات يوم سيخترق صوت ما تلك الحجب المتواطئة ليقول الحقيقة. ذلك ما يراهن عليه العراقيون بعد أن انحسرت موجة الاحتجاج بسبب ما واجهته من عنف منظم. وهو رهان يحتاج إلى نفس طويل ويتطلب القبول بخسائر كبيرة مضافة.

فاروق يوسف

نقلا عن “النهار”

السابق
الاتحاد الكردستاني: الكرد ينتظرون من حكومة الإقليم رغيف الخبز لا الشعارات القومية
التالي
محاولات النهوض الاقتصادي في العراق تواجه عراقيل الجماعات الموالية لإيران

اترك تعليقاً