أبحاث ودراسات

بدائل بن سلمان.. وسيناريوهات ما قد يحدث

بينما يسعى البيت الأبيض لصياغة شكل من أشكال ردود الفعل المناسبة على السعودية، بسبب تطورات قضية مقتل الصحفي “جمال خاشقجي” داخل قنصلية بلاده في إسطنبول التركية، يبقى الوضع في السعودية أكثر غموضا بكثير.

هل سيبقى ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان”؟ أم سيرحل؟ وهل سيتم تقييد سلطته بطريقة أو بأخرى من قبل والده الملك، أو عبر إجماع جزئي من الأسرة الحاكمة؟ أم سيصمد هو والمملكة أمام العاصفة ويعبرها دون أضرار كبيرة؟

التساؤلات السابقة كانت محور تقرير مطول لصحيفة “واشنطن بوست”، بعنوان: “ولي العهد محمد بن سلمان زعيم القبيلة المسيطر في بيت آل سعود”.

زعيم قبيلة

وتقول الصحيفة، إنه منذ أن جاء “بن سلمان”، إلى السلطة في السعودية (ولاية العهد في 21 يونيو/حزيران 2017)، مثّل احترام الأعضاء الأكبر سنا في العائلة المالكة له، مفاجأة للكثيرين.

يقول أحد كبار المسؤولين السابقين في حكومة إقليمية صديقة للسعودية (لم تذكر اسمه الصحيفة): “لقد تعاملوا مع هذا الطفل البالغ من العمر 33 عامًا كما لو كان رئيسا للقبيلة.. إنه أمر غير اعتيادي للغاية”، على حد تعبيره.

ونقلت “واشنطن بوست”، عن مسؤولين سعوديين سابقين وحاليين (طلبوا عدم ذكر أسمائهم للحفاظ على أمنهم أو علاقاتهم) قولهم، إن “الوضع لم يكن مفاجئا”، مشيرين إلى أن “هيكل السلطة الأسري الواسع والمعقد، إلى جانب الإجماع الغامض الذي حكم السعودية منذ فترة طويلة، قد انتهى منذ زمن بعيد”.

ويقول الزميل بمعهد “كارنيغي” للشرق الأوسط “يزيد صايغ”: “إحساسي هو أن العائلة المالكة ربما تكون قد هددت بما يكفي، ولم تعد قادرة على الالتفاف حول شخصية قوية، لتحل محل ولي العهد الحالي، حتى لو كانت هذه الشخصية موجودة”.

وتابع: “لقد فات الأوان على ذلك كثيرا، حيث فكك بن سلمان وأبوه الكثير من إقطاعياتهم المؤسسية أو أضعفوها”.

ماذا سيفعل الملك؟

ماذا سيفعل الملك؟.. كان هذا هو السؤال الأكثر أهمية، والذي طرحته الصحيفة الأمريكية، خلال التقرير، وأكدت أن إجابته محورية للغاية، بل “هي الأهم”.

وقالت الصحيفة إن الملك “سلمان بن عبدالعزيز”، بدا، خلال الأيام الماضية، في حالة ذهنية واعية للغاية، على عكس المتوقع والمثار من تراجع وعيه وإدراكه وحالته الصحية، حيث أكد مسؤولون أمريكيون وأجانب، أن “سلمان” بدا واعيا جدا ومتأهبا، خلال محادثاته الهاتفية الأخيرة مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وغيره من القادة العالميين، والتي تكثفت بسبب قضية “خاشقجي”.

أحد سيناريوهات السيطرة على الأضرار الناجمة عن قضية “خاشقجي”، كما قال مسؤولان غربيان سابقان للصحيفة، يمكن أن يشمل قبول ولي العهد الشاب بـ”تقاسم مؤقت” للسلطة مع قريب موثوق به.

وقال المسؤولون السابقون، إن هذا من شأنه أن ينجح فقط، إذا حصل “بن سلمان” على تأكيدات داخلية وخارجية بأنه سيكون أول من يخلف والده على العرش.

“خالد الفيصل” و”أحمد بن عبدالعزيز”

وأضافا أن الشخص الأكثر معقولية واحتمالا لتولي مهمة تقاسم السلطة المؤقتة مع “بن سلمان”، هو مستشار الملك وأمير مكة “خالد الفيصل”، والبالغ من العمر 78 عاما، وهو أحد أقرب المقربين من الملك “سلمان” والموثوقين لديه، مدللين على ذلك بإرساله مؤخرا إلى تركيا كمبعوث شخصي للملك لبحث قضية “خاشقجي”.

ومن الأسماء الأخرى التي ظهرت على السطح، بحسب ما ورد في التقرير، الأمير “أحمد بن عبدالعزيز”، شقيق الملك “سلمان”، الذي خدم لفترة وجيزة كوزير للداخلية في عام 2012، والذي دخل دائرة الضوء خلال الأسابيع الماضية، بتصريحاته المثيرة خلال تجمع في لندن عن مسؤولية الملك ونجله عن الأوضاع التي جلبت انتقادات دولية وإقليمية لـ”آل سعود”.

وقالت الصحيفة الأمريكية، إن اسم “أحمد بن عبدالعزيز” تم تداولة بقوة، خلال اجتماعات لكبار أفراد العائلة المالكة السعودية، في منازل خاصة بالرياض وخارجها، خلال الأشهر القليلة الماضية، على أنه يمكن أن يلعب دورا في “تمييع” سلطة ولي العهد، وذلك وفقا لشخص حضر ثلاثة من تلك الاجتماعات.

وتنقل “واشنطن بوست”، عن مسؤول سعودي حالي، قالت إنه غير متعاطف مع “بن سلمان”، قوله: “السبب في أننا لم نشهد الكثير من الحركة داخل الأسرة، أن كبار الأشخاص الذين لم يكونوا جزءا من سجناء فندق الريتز كارلتون، لم يتحركوا”.

وأضاف: “السبب في أنهم لم يفعلوا ذلك، أنهم ينتظرون رؤية ما سيفعله الملك، وما سينم عنه الضغط القادم من الولايات المتحدة”.

وعلقت الصحيفة بأنه حتى لو اختارت إدارة “ترامب” أن تتصرف، فليس هناك ضمان أن يحدث تغييرا كبيرا.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي غربي سابق يتمتع بخبرة طويلة في السعودية (لم تذكر اسمه) قوله إن استبدال “بن سلمان” غير محتمل إلى حد بعيد.

وأضاف، خلال مقابلة مع مندوب للصحيفة في الرياض: “لا يوجد في الواقع بديل لولي العهد الحالي، وإذا كان هناك، لكانوا قد خرجوا إلى النور منذ فترة طويلة، وكان الناس سيتجمعون حوله”.

“سلمان غزالان”

لكن الصحيفة، لفتت إلى بديل قد يكون جيدا لـ”بن سلمان”، وهو الأمير الشاب “سلمان بن عبدالعزيز سلمان بن محمد آل سعود”، البالغ من العمر 38 عاما.

وأشارت تقارير إلى أنه كان من بين 11 أميرا شابا تم اعتقالهم في قصر الحكم بالرياض بعد أن تظاهروا داخله ضد ولي العهد، بسبب ما قالت وسائل إعلام سعودية إنه اعتراض على مدفوعات للكهرباء والمياه، في قصة حازت على تشكيك واسع بين معارضي “بن سلمان”.

وتشير مصادر إلى أن الأمير “سلمان” تم استدعاؤه إلى القصر الملكي، بعد منتصف الليل، وتم ضربه، ثم اعتقاله.

وبعد مرور نحو 9 أشهر من تلك الواقعة، فإن الأمير “سلمان بن عبدالعزيز” لم يخرج من معتقله، بل إن والده الأمير “عبدالعزيز سلمان” قد تم اعتقاله أيضا بعد يومين من اعتقال ابنه، ولم توجه له أية اتهامات.

وقالت المصادر المقربة من البلاط الملكي، إنهم لا يعرفون سبب اعتقال الأمير الشاب، الملقب بـ”غزالان”، لكنهم يشيرون إلى “حالة غيرة” كبيرة يكنها “بن سلمان” ناحيته، حيث يعد الأمير “سلمان” وجها عالميا شابا مثقفا أكثر حداثة وتميزا من ولي العهد، فهو طويل ووسيم، ويتقن 3 لغات، وحصل على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة السوربون الفرنسية.

ويقول التقرير إن الأمير الشاب “سلمان” رجل مثقف ومتميز، ومثل صورة معززة للثقافة السعودية في جميع أنحاء أوروبا، وكان على اتصال بأهم النخب السياسية في القارة، لا سيما فرنسا، التي يتمتع فيها بقبول كبير.

وقد بدا أيضا أن “سلمان غزالان”، يحظى بمتابعة واهتمام من الرأي العام السعودي، لاسيما الشباب، حيث حصل مقطع فيديو لجزء من حفل زفافه على أكثر من نصف مليون مشاهدة على موقع “يوتيوب”، عند رفعه عليه قبل نحو 6 سنوات.

حداثة السعودية

ورغم كل ما سبق، قالت “واشنطن بوست” إنه لا يزال هناك رغبة أمريكية وغربية أيضا في عدم الإطاحة بـ”بن سلمان”، باعتباره قد “جلب السعودية إلى العالم الحديث، وصادق في محاربة الإرهاب، واستمراره في السلطة مهم لاستقرار العالم العربي”، كما يقول مسؤول استخباراتي غربي مهتم بالشرق الأوسط. (لم تذكر الصحيفة اسمه).

ويضيف المسؤول: “لقد ارتكب بن سلمان أخطاء.. نعم، ولكن إذا تم إقصاؤه، فربما يصل إلى الحكم شخص ما من العقل السعودي القديم وغير الحداثي”.

واعتبر المسؤول الاستخباراتي أن هناك قلقا إقليميا ودوليا من أن “إخراج بن سلمان من المعادلة قد يخلق مشاكل أكثر للجميع”.

لكن الصحيفة تعود وتنقل عن مسؤول سعودي غير متعاطف مع “بن سلمان”، قوله إن “ولي العهد أخذ المملكة رهينة لحساباته المندفعة، وارتكب أخطاء كبرى، وأنه لن يكون أبدا شريكا موثوقا به على المدى الطويل للولايات المتحدة أو بقية الغرب”.

وأوضحت الصحيفة أن عملية الإطاحة بالأمير “محمد بن نايف” من ولاية العهد، لصالح الشاب “بن سلمان” مثلت صدمة للكثيرين داخل المملكة وخارجها، نظرا لسجل “بن نايف” المخضرم في عمليات الاستخبارات والأمن الإقليميين والدوليين، وكان يعد حليفا مقربا من الولايات المتحدة.

ولم يضع “بن سلمان” وقتا، فبعد توليه أول حبل السلطة بقرار من والده الملك الذي يؤمن به ويرغب في إحلاله مكانه، وضع يده على مفاصل التنظيمات الأمنية الرسمية في السعودية، من الجيش والقوات الأمنية، وحتى الحرس الوطني تابعا مباشرة له، بعد أن كان محسوبا على الأمير “متعب بن عبدالله”، وهو مخضرم أيضا.

وضمن “بن سلمان” بذلك سيطرة فعلية على الشؤون العسكرية، والأهم عقود شراء الأسلحة، وهو أمر شديد الأهمية.

وحتى في الوقت الذي كان فيه مسؤولون أمريكيون يخشون من تبعات إقالة “بن نايف”، وقلقون من الحرب التي شنها “بن سلمان” على متمردين مدعومين من إيران في اليمن المجاورة (الحوثيون)، لكنهم كانوا معجبين بما يصفونه بـ”ذكاء بن سلمان وانضباطه”.

بالتوازي مع ذلك، بدأ “محمد بن سلمان” في إقرار تغييرات اجتماعية في المملكة، ليصنع منها نموذجا على الطريقة الإماراتية، “ملكية عربية ليبرالية تتمتع فيها النساء بحقوق متزايدة وتهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتنويعها”.

لكن محللين، قالوا إن كل تلك التطورات منحت “بن سلمان” ثقة تحولت إلى غرور غير متناه، وصل به إلى شن حملة صريحة وشرسة على أمراء داخل العائلة المالكة، واحتجزهم مع العديد من رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين في فندق “الريتز كارلتون” بالرياض، بعد أن حوله إلى مقر احتجاز فخم.

مكتسبات السعوديين

وتشير “واشنطن بوست” في ختام تقريرها، إلى أن تفاصيل أزمة “خاشقجي” المتصاعدة دوليا، لا يبدو أن لها أثرا كبيرا داخل المملكة، وبدا أن الشعب السعودي بالكاد يلاحظها، فخلال عطلة نهاية الأسبوع، كانت مراكز التسوق الكبرى في الرياض مليئة بالعائلات التي استمتعت بقهوة “ستاربكس”، والعشاء الفاخر، ودور السينما التي انتعشت في المملكة بقرارات من “بن سلمان”.

وأضافت أن النساء الآن، يقدن السيارات في المملكة، دون أن ينتبه لهن أحد أو يلاحقهن شرطي أو مسؤول.

وتنقل الصحيفة عن دبلوماسي غربي سابق في الرياض قوله: “إن إجراءات بن سلمان أحدثت تغييرا حقيقيا في بعض جوانب حياة الناس.. إنهم لا يريدون المخاطرة بحرياتهم وفرصهم الجديدة، خاصة النساء”.

وقال صحفي بارز آخر: “عليك أن تفكر فيما سيحدث إذا تم تخفيض صلاحيات الأمير أو سحبها.. لا أريد أن أعيش في هذا البلد إذا عادت الشرطة الدينية”.

وقالت الصحيفة، إن العديد من السعوديين الذين قابلتهم في الرياض يعتقدون أن الأمير “بن سلمان” ليس له علاقة بمقتل “خاشقجي”، وهو ما يمكن أن يشير إلى تأثير حقيقي للإعلام السعودي الذي غطى قضية “خاشقجي” على نطاق واسع، لكن بطريقة جعلت ولي العهد “ضحية” وليس “قاتلا محتملا”.

السابق
بالفيديو:القوات الامريكية تنقل دواعش عند الحدود السوريه العراقيه
التالي
دعوى قضائية ضد وزير الصناعة الجديد بشبهات فساد

اترك تعليقاً