العراق

بعد الموصل: روسيا و “القضية الكردية” في العراق

بينما يبدو أن الحملة التي استمرت ثلاث سنوات لإزالة الدولة الإسلامية بالقوة من الحدود العراقية قد تحولت لصالح بغداد، من المتوقع أن تتكرر القضايا الدائمة المرتبطة بالدولة الكردية في ظل نظام إقليمي سريع التغير. في أوائل حزيران / يونيو 2017، أعلن مسعود برزاني – رئيس حكومة إقليم كردستان العراق – أن استفتاء كردستان العراق علي الاستقلال المتوقع سيعقد في 25 أيلول / سبتمبر، يليه الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني / نوفمبر. ومن المقرر أن يشمل الاستفتاء أيضا الأراضي المتنازع عليها التي استولت عليها حكومة إقليم كردستان من تنظيم الدولة الإسلامية.

وعلي الرغم من ان الكفاح المشترك ضد الدولة الاسلاميه كان بصفه مؤقته تابعا للخلافات الطويلة الأمد بين الحكومة المركزية في بغداد ومنطقه كردستان شبه المتمتعة بالحكم الذاتي في أربيل ،فإن هناك القليل مما يشير إلى أن النزاعات الإقليمية والاقتصادية والسياسية ستبقى نائمة. ستستمر الصراعات التي لم تحسم بشان تقاسم عائدات النفط والمطالبات الاقليميه المتداخلة في المناطق الغنية بالموارد مثل كركوك في تفاقم الصراع العميق الجذوروالمتعدد الجوانب الذي كان قائما بالفعل لبسط السلطة بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية العراقية.

ويواجه الاستفتاء معارضة شديدة من الحكومة المركزية في بغداد والدول المجاورة كايران وتركيا الذين أعربوا عن قلقهم من أن الاستقلال يمكن أن يلهم الادعاءات الانفصالية  لسكانها الأكراد. ويمكن لمعارضة الاستقلال الكردي أن تزيد من تفاقم التوترات بين هذه البلدان، التي كانت تتعارض تاريخيا مع القضايا الإقليمية. وفي هذا السياق، تحتل موسكو موقعا متميزا ليس بسبب علاقاتها مع أربيل وبغداد فحسب، بل أيضا مع طهران وأنقرة.بالنسبة لموسكو ، تمثل المفاوضات الرئيسية باعتبارها وسيطا بناء بين كردستان العراق والحكومة المركزية العراقية أفضل نهج لهذه القضية.. وعلاوة على ذلك، فإن حل “المسألة الكردية” في العراق يمكن أن يلقي الضوء على التطورات المستقبلية في سوريا ويقدم لموسكو اقتراحا ملموسا بشأن وضع الأكراد السوريين.

 

وفي 1991 ، توج إنشاء منطقه حظر الطيران في شمال العراق خلال حرب الخليج الاولي الحكم الذاتي الفعلي للأكراد في شمال العراق.حصلت حكومة إقليم كردستان على اعتراف رسمي بأنها منطقة شبه مستقلة في الدستور العراقي لعام 2005. و مع صعود الدولة الإسلامية، لعبت القوة العسكرية الكردية، البشمركة، دورا أساسيا في ساحة المعركة في وقت انسحبت فيه القوات العراقية من خط المواجهة. والواقع أن الانتصارات العسكرية التي تحققت في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية قد شجعت دعوات حكومة إقليم كردستان لإقامة دولة، حيث نمت أربيل بشكل متزايد عن الحكومة المركزية. في عراق ما بعد صدام، استغلت حكومة إقليم كردستان حكومة مركزية مختلة، مشتتة عن طريق تطوير قطاع الطاقة الخاص بها، وتأكيد سيطرتها على الأراضي المكتسبة من الدولة الإسلامية، وإقامة علاقات مع الدول الأجنبية بما فيها روسيا.

 

التوازن فى دور موسكو

على الرغم من انخراط موسكو مع الأكراد العراقيين يعود إلى الحقبة السوفياتية، إلا أن صعود تنظيم الدولة الإسلامية أدى إلى مشاركة روسيا المتزايدة مع الحكومة شبه المستقلة في أربيل. في خريف عام 2015، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو تقدم “أسلحة للأكراد من خلال الحكومة العراقية” لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وكشف أيضا أن الأكراد ممثلون في مركز المعلومات الاستخباراتية في بغداد إلى جانب روسيا والعراق وإيران وسوريا. وبالإضافة إلى توسع العلاقات الأمنية، فإن الشركات الروسية تستثمر في قطاع الطاقة في كردستان العراق.

في شباط / فبراير 2017، أصبحت شركة روسنيفت العملاقة للنفط الروسية أول شركة نفط عالمية تدفع ثمن النفط الخام في إقليم كردستان. وبموجب اتفاق فبراير 2017، وافقت روزنيفت على دفع 3 مليار دولار أمريكي في شكل قروض مقابل 15-25 مليون برميل من النفط حتى عام 2019. وبعد عدة أشهر، وعلى هامش منتدى سان بطرسبرج الاقتصادي في يونيو 2017، وقعت روزنيفت عقد طويل الامد لتطوير أنظمة البنية التحتية في كردستان العراق وكركوك. وقبل الاجتماع، اشار وزير الخارجية لافروف الى رغبة موسكو فى حل التطورات فى كردستان العراق “بالطريقة المقبولة لجميع اللاعبين الرئيسيين”.

وبينما أقامت روسيا علاقات قوية مع حكومة إقليم كردستان، بذلت جهودا للحفاظ على علاقة مع بغداد. وعقب اعلان الاستفتاء، زار نائب الرئيس العراقى ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي روسيا فى اواخر يوليو عام 2017 لتعزيز العلاقات بين البلدين على ما يبدو. وخلال اجتماعه مع الرئيس فلاديمير بوتين فى سان بطرسبرج دعا المالكي الى زيادة المشاركة الروسية فى العراق والمنطقة مؤكدا على عزم بغداد على مواصلة تحسين علاقاتها الثنائية مع موسكو.

وأكد المالكي علي “الإمكانات الكبيرة من حيث التعاون والتي ترتكز علي فهم الدور الهام الذي تلعبه روسيا في المنطقة وفي العراق”. وقد ترددت هذه المخاوف في المناقشات التي جرت مع وزير الخارجية سيرغي لافروف والتي أشار فيها المالكي إلى ان مصالح بغداد تتطابق مع وجود روسي لموازنة تاثير القوي الخارجية “من خلال التفاعل في مجالات الطاقة والتعاون العسكري-التقني والقضايا السياسية” وإذا قبلت روسيا دعوه المالكي لمزيد من المشاركة في العراق ، فانه يجب علي موسكو الا توازن بين الأطراف الفاعلة الاقليميه فحسب ، ولكن التاثير على الفصائل الداخلية بحيث يجب ان يظل الاستقرار هوالسائد.

يحظى المالكي بدعم من الشيعة العراقيين والحكومة الإيرانية ويحظى بقدر كبير من النفوذ في العراق. ويعتقد أن المالكي يأمل أن يحل محل رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في الانتخابات العراقية المقبلة في عام 2018. انتصار المالكي سيكون مفيدا لكل من روسيا وإيران. ولكن سيكون له أيضا آثار سلبية على الأكراد الذين خضعوا لاستراتيجيات “الانقسام والقهر” خلال فترة ولاية المالكي. وفي ظل المالكي، تحولت العلاقات بين أربيل وبغداد إلى عداء حيث حاولت الحكومة المركزية إحباط صادرات النفط من كردستان العراق عن طريق وقف دفع 17٪ من العائدات الاتحادية إلى كردستان.وتوحي هذه المناورات المقترنة بشعور حاد بالتهميش بين السكان الأكراد والأقليات السنية بان عوده المالكي ستقابل بتوترات سياسيه متصاعدة. وعلاوة علي ذلك ، وبدون حل تفاوضي لكردستان العراقي ، فان الصراع الطائفي والعرقي الذي ظل لفتره طويلة عائقا امام السلام سيظل يحول دون تحقيق الاستقرار في المنطقة حيث تسعي الجهات الفاعلة الخارجية إلى الاستفادة من الصراعات الداخلية.

 

مستقبل كردستان العراق

وعلي الرغم من انه من المتوقع ان تصوت اغلبيه ساحقه من السكان الأكراد لصالح الاستفتاء ، فان السيناريو المحتمل لن يؤدي إلى انفصال فوري عن العراق أو دوله كرديه مستقله. ومع مرور اقل من أربعه أشهر علي الاعداد للتصويت ، فان قرار بارزاني باجراء استفتاء في سبتمبر يشير إلى بذل جهود منسقه لرفع موقف أربيل التفاوضي في المفاوضات المستقبلية مع بغداد. وبدلا من الإعلان الأحادي الجانب لكردستان العراق المستقلة ، أكد هوشيار زيباري كبير مستشاري الرئيس بارزاني “اننا لا نتحدث عن الاستقلال وانما نتحدث عن الاستفتاء”. بالتالي فان الاستفتاء يعني الخطوة الاولي في تعزيز وضع الأكراد بوضع الأساس للمفاوضات المستقبلية مع بغداد.

وقد أثبت الأكراد أنهم شريك عملي ومستقر وموثوق به في منطقة محاطة بالصراعات؛ ومع ذلك، لا يمكن الحفاظ على حل لوضع كردستان العراق على المدى الطويل دون مفاوضات تأخذ في الاعتبار احتمال مشاركة الجهات الفاعلة الإقليمية. وبدلا من الاستقلال، فإن الترتيب البديل الذي تم وصفه هو ترتيب كونفدرالي للعراق يمنح المزيد من الحكم الذاتي لكردستان العراق مع ضمان مكانة أربيل كشريك على قدم المساواة مع بغداد. وبغض النظر عما إذا كانت أربيل وبغداد قد اختارت الطريق إلى الاستقلال الكامل، أو بدلا من ذلك اختارت الترتيب الكونفدرالي، فإن مستقبل العراق لا ينبغي أن يظهر كحرب إضافية بالوكالة بين الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية.

في الوقت الذي لا تزال فيه إدارة ترامب متورطة في فضائح في الداخل، فإن القضايا الداخلية بين بغداد وأربيل توفر للقوى الخارجية أرض خصبة للتأثير على مستقبل العراق خارج رعاية القيادة الأمريكية. وفي هذا السياق ، تتخذ موسكو موقفا مفضلا لزيادة علاقاتها المتوسعة في الشرق الأوسط والعمل كوسيط بين أربيل وبغداد وشركاءها الإقليميين الذين لهم مصلحه راسخة في مستقبل العراق. وباقامه وادامه علاقات مثمرة مع أربيل وبغداد وطهران وانقره ودمشق ، يمكن لروسيا ان تيسر المفاوضات المماثلة لعمليه آستانا ، وان تعزز في الوقت نفسه مصالحها في الشرق الأوسط الكبير.

 

نيكول غراجوسكي

المجلس الروسي للشؤون الدولية

8 أغسطس 2017

 

نيكول غراجوسكي هي مرشحة في الدراسات الروسية وأوروبا الشرقية في جامعة أكسفورد حيث تركز على علاقة روسيا مع إيران في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وقبل أكسفورد، عملت نيكول في سي ان ان  فريد زكريا  ج ب س CNN’s Fareed Zakaria GPS في مركز التحليل السياسي العسكري في معهد هدسون. تخرجت نيكول مع مرتبة الشرف من كلية إليوت للشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، وشهادة في الشؤون الدولية والسياسة الأمنية ودراسات الشرق الأوسط. وقد قامت بعمل ميداني في روسيا وكازاخستان وإسرائيل وقبرص وتتحدث الإنجليزية والفرنسية والفارسية (الفارسية والطاجيكية) والروسية.

السابق
توقف عن نكز الدب الروسي
التالي
تقرير سري للأمم المتحدة يشير إلى فشل التحالف بقياده السعوديه في اليمن

اترك تعليقاً