اخترنا لكم

بعد خيانة ترامب… كرد سوريا يتفقون في الوقت المناسب

إن الإنقسام السياسي بعد انطلاق الانتفاضة السورية كان الأخطر داخلياً وإقليمياً وأثر سلباً على المطالب القومية الكوردية.

حدوث هذا التوافق وتحقيق التصالح بعث الأمل مجدداً بشأن تحقيق مكتسبات دستورية للشعب الكوردي في سوريا. كما أن هذا الاتفاق الكوردي السوري قد برهن مجدداً على الدور المهم للقيادة الكوردية في إقليم كوردستان العراق في توحيد الصف الكوردي. 

يعيش الشارع الكوردي في سورية حالة من الفرح والأمل بعد أن توصل طرفا الحركة السياسية الكوردية الرئيسيان، وهما المجلس الوطني الكوردي والإدارة الذاتية، إلى اتفاق أولي بشان الرؤية السياسية المشتركة والوحدة الكوردية، وذلك بعد عدة جولات تفاوضية وبدعم من قادة إقليم كوردستان العراق وبوجود الضامن الأمريكي. فبعد أن كانت الأوضاع السياسية في المناطق الكوردية تسودها حالة من الخلاف والتشرذم لسنوات عديدة في ظل الحرب القائمة في سوريا، يسود الآن شعور بالتفاؤل وأجواء من الثقة قلوب معظم الناشطين والنخبة الثقافية بعد أن شعروا مسبقاً بأن الحركة السياسية الكوردية قد خذلتهم ولم تعبرعن طموحات الشعب الكوردي ومطالبه القومية خلال سنوات الانتفاضة السورية وما شهدته المنطقة عموماً من أحداث وأزمات.

كان كورد سوريا خلال هذه السنوات يُراقبون المشهد بعين القلق في ظل غياب دور فاعل وداعم لهم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في ظل تبدل المواقف السياسية للإدارة الأمريكية وتذبذب قرارتها فيما يتعلق بتواجد قواتها في المنطقة الكوردية.

ازدادت المخاوف الكوردية حول مستقبل المنطقة بعد التطورات الميدانية الأخيرة في المناطق الكوردية والوقائع الجديدة على الأرض في أعقاب قرار الرئيس ترامب بسحب بعض من القوات الامريكية من المناطق الحدودية مع تركيا، وإفساح المجال للغزو التركي واحتلالها لمناطق رأس العين وتل أبيض. وأيضاً تزايد الرغبة الروسية بملء الفراغ وبناء موطئ قدم لها في المنطقة الكوردية الغنية بالنفط.

ازدادت الخشية لدى الشارع الكوردي من أن يتم تسليم إدارة الملف الكوردي إلى روسيا والتي بدورها لن تضحي بنظام بشار الأسد لصالح الكورد. كما أن التعاون القائم حالياً بين روسيا وتركيا في ما يتعلق بالملف السوري سيترك من دون شك تبعاته السلبية على الدور المستقبلي للكورد في رسم خارطة سوريا، بالنظر إلى الرغبة التركية الدائمة بإضعاف الكورد لصالح أطياف من المعارضة تدعمها، وهذا ما تجلى بغياب ملحوظ للأحزاب الكوردية عن اللجنة الدستورية السورية وضعف التواجد السياسي الكوردي ضمن وفود المعارضة السورية في الجولات السابقة لمحادثات جنيف بسبب معارضة تركيا.

في الحقيقة، تجمع الحركة السياسية الكوردية في برامجها السياسية على الأهداف القومية للشعب الكوردي وخصوصية هويته العرقية والتي كانت الأساس الذي نادت به هذه الأحزاب عند تشكلها في أواسط وأواخر القرن الماضي في سوريا. لكن الخلاف الموجود بين فصائل الحركة الكوردية السورية كان يتعلق بإدارة المناطق الكوردية السورية والرؤية السياسية المتعلقة بكيفية التعامل مع المعارضة السورية والتي كانت هي جوهر الخلاف والملف الأكثر تعقيداً بين الطرفين الرئيسين المُتمثلين بالمجلس الوطني الكوردي والإدارة الذاتية اللذين عاشا حرباً كلامية وإعلامية متمثلة في إلقاء اللوم وتبادل التهم إزاء الجمود السياسي الحاصل خلال السنوات السابقة.

لقد ناضلت فصائل الحركة الكوردية السورية لنصف قرن في ظل قمع حكم عائلة الأسد، وكانت سباقة في ممارسة العمل السياسي والوقوف بوجه نظام البعث الإقصائي، الذي يتبع التيار الواحد في الحكم، ولعب حجم الاضطهاد السياسي والأمني الذي تعرضت له الحركة الكوردية السورية دوراً في زيادة الانقسام.

إن الإنقسام السياسي بعد انطلاق الانتفاضة السورية كان الأخطر داخلياً وإقليمياً وأثر سلباً على المطالب القومية الكوردية، يجمع الشعب الكوردي في سوريا بكل أطيافه السياسية على أن حقوقه في سوريا المستقبل يجب أن لا تقتصر على مجرد حقوق ثقافية واجتماعية بل يجب أن تبقى مسألة الفدرالية وتثبيت هوية الشعب الكوردي على الدوام قضية مصيرية – ويعتبر الكورد في سوريا أنفسهم جزءاً من أمة قسمت على حدود أربع دول وتعيش على أرضها التاريخية.

بقيت كل من المعارضة والنظام رافضة للمطالب القومية للكورد واستفادا من عدم وجود تحالف كوردي سياسي متكامل ومنسجم مع طموحات الشعب الكوردي.

لغاية هذه اللحظة ما زال النظام ينكر الحقوق السياسية الكوردية وبقي متمسكاً بعقليته الإقصائية التي ترفض أي اعتراف بوجود الشعب الكوردي تشاركه في ذلك المعارضة ذات الصبغة الإسلامية التي تتحكم فيها تركيا وهي ترفض تماماً أي شكل من أشكال الحكم الذاتي للكورد.

بينما بقي موقف كل من روسيا وأمريكا ضبابياً حول مسألة المطالبة الكوردية بالفدرالية، لكن موقفهما قد يتغير عند وجود إجماع سياسي كوردي بشأن هذه القضية الحساسة والمهمة لدى الشعب الكوردي.

تعد مرحلة ما بعد انتهاء الحرب في سوريا، أي بدء العملية التفاوضية المتعلقة بمستقبل البلد والتسوية السياسية، مهمة لمستقبل الكورد في سوريا.

الآن وأكثر من أي وقت مضى ينبغي على ساسة كورد سوريا أن يضعوا خلافاتهم وانقساماتهم جانباً، وأن ينهضوا بتحديات المرحلة ومواجهة التهديدات الإقليمية التي لا تتوقف ضدهم. عليهم أن يمارسوا السياسة بطريقة بارعة، وأن يقرأوا مجريات الأحداث بطريقة دقيقة، لأن المعركة لن تكون سهلة في ظل إجماع النظام والمعارضة على رفض المطالب القومية للكورد. وينبغي عليها التفاوض مستقبلاً مع كافة الأطراف السورية لطرح المطالب القومية للشعب الكوردي في سورية بالصورة الأمثل التي تضمن حقوقهم في الدستور وعدم تصديق الشعارات والتصريحات الرنانة التي تطلقها جهات من المعارضة فقط في الإعلام فيما يخص بدور الكورد المستقبلي.

صحيح يصعب التكهن عموماً بمسار الأحداث في سوريا، إلا أن حدوث هذا التوافق وتحقيق التصالح قد بعث الأمل مجدداً بشأن تحقيق مكتسبات دستورية للشعب الكوردي في سوريا. كما أن هذا الاتفاق الكوردي السوري قد برهن مجدداً على الدور المهم للقيادة الكوردية في إقليم كوردستان العراق في توحيد الصف الكوردي. يؤمل بأن تفتح هذه الاتفاقية الباب لمزيد من الدعم الأمريكي للكورد، وهو ما سيعزز الموقف الكوردي في أي مفاوضات مستقبلية.

تمر حسين

رووداو عربي

السابق
المشهد الكردستاني حزيران 2020.. الحصاد المر للمصالح الحزبية
التالي
اشتباك كردي إيراني بالعراق.. طهران تهدد بوابل من الصواريخ

اترك تعليقاً