اخترنا لكم

بغداد طهران واشنطن.. حبس الأنفاس

من العراق وإليه، تتسارع الزيارات ذهابا وإيابا، وتزداد معها التصريحات والشائعات والتهديدات المتبادلة، واستدعاء لقوات وعتاد جعل العراقيين يحبسون أنفاسهم انتظارا لأزمة تلوح بالأفق أو انفراجة تحافظ على التسوية. حتى الآن وبرغم السقف العالي للتصريحات واستعراضات القوة لم تزل الأطراف المعنية معنية بالتسوية، هذا التمسك ليس بسبب عقلانية مستجدة أو مراجعة لموازين القوة بل لأن التهديدات جدية وحاسمة وغير معروفة الحجم والجغرافيا.
ولأن الجغرافيا الإيرانية مهددة فعليا، ولأن نظام طهران يفضل سلامته في هذه المرحلة، ويراهن على فرصة تفاوضية في المرحلة المقبلة، يمكن القول بأن الأمور ممسوكة إلى حد ما، إلا إذا أخطأ أحد الأطراف أو الأتباع في حساباته، أو إذا كانت الجهة الاخرى ستتصرف من دون الحاجة إلى مبررات كما فعلت فجر الثالث من كانون الثاني العام الفائت.
حتى اللحظة يبدو أن واشنطن تتحفظ على ساعة الصفر، وحدها من يحدد الزمان والمكان، لكنها حذرت طهران وميليشياتها في العراق من أي إعتداء ضد مصالحها يؤدي إلى سقوط ضحايا أميركيين، فالبيت الأبيض الذي رفع سقف التهديدات لم يزل ملتزما ضبط النفس ولم يرد لا على الصواريخ التي تستهدف سفارة بلاده في بغداد ولا على الهجمات التي تتعرض لها قوافل تابعة للتحالف الدولي، كما أنه أعطى أوامر بسحب حاملة الطائرة (نيمتس) من مياه الخليج العربي، ولكن المحير في تصرفات واشنطن أنها عادت واستقدمت مزيدا من القاذفات الإستراتيجية 52 B، كما أكد البنتاغون أن إجراءاته ردعية بعد معلومات بأن طهران تحضر للإنتقام من مقتل سليماني، حيث إتهم مسؤول عسكري أميركي طهران بأنها تحضر لهجمات في العراق وأنه تم رصد تدفقا كبيرا للسلاح، وهذا ما دفع قيادة العمليات المركزية إلى اعتبار التهديدات جدية.
في المقابل تصر طهران على تجنب المواجهة، ولجأت إلى وسطاء عراقيين وإقليميين لنقل رسائل التهدئة بينها وبين واشنطن، وأظهرت تعاملا جديا مع التهديدات، وسارعت إلى ضبط أتباعها في العراق، وحرصا منها على عدم إعطاء واشنطن ذريعة للقيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، أو ضد مصالحها في الخارج، خصوصا بعد الهجوم الأخير على السفارة الأميركية، أوفدت قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد بهدف ضبط الجماعات الموالية لها، التي كادت أن تتسبب بمواجهة مع الحكومة العراقية، وعلى ما يبدو أن طهران فضلت نقل كافة قادة الفصائل الولائية إلى أراضيها خوفا على سلامتهم من جهة ومن جهة أخرى من أجل ضمان تعهداتها للحكومة العراقية بوقف استفزازاتهم.

ليس مستبعدا أن تكون طهران قد عملت على خطين، الأول دبلوماسي تبنى خطاب التهدئة واتهم واشنطن بالتخطيط لضربها، والثاني عبر بعض الفصائل العراقية غير المنضبطة التي يمكن من خلال القيام باحتكاكات خشنة مدروسة بهدف قياس حجم ردة الفعل الأميركية، ولكن تصرفات هذه الفصائل كادت أن تؤدي إلى مواجهة مع الحكومة العراقية التي بادرت هذه المرة إلى التلويح بما لديها من قوة ولو محدودة بخيار المواجهة، وهذا ما أكده رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بقوله ” لقد اتخذت قراري النهائي بعدم السماح بالتجاوز على الدولة “.
تبدو طهران في سباق مع الوقت، لا تريد استفزاز واشنطن قبل خروج ترامب من البيت الأبيض، لذلك سحبت فكرة الرد حتى لا تدفع ثمنا عسكريا، ولكنها أيضا ستتجنبه مع إدارة بايدن لأنها ستدفع ثمنا دبلوماسيا ومن الممكن عسكريا إذا قامت بما لا يمكن تجاوزه في واشنطن، خصوصا أن إدارة بايدن الديمقراطية تختلف عن سلفه أوباما الذي تغاضى عن اعتقال جنود المارينز في مياه الخليج حفاظا على مسار المفاوضات السرية حينها.

من العراق والله سيستمر حبس الأنفاس، ستتملص طهران من أي احتكاكات قد تستغلها واشنطن، سيستمر قادة الحرس الثوري في إطلاق التهديدات الفارغة، فيما بغداد ستحاول تجنب أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الحالية واللاحقة، إلا إذا قررت طهران أن تنقل أزمتها الداخلية إلى بغداد وتقايض سلامتها باستقرارها.

مصطفى فحص

السابق
ستقابل برد سريع.. أميركا والعراق تحذران إيران من أي “مغامرة”
التالي
اللجنة المالية..سنعمل على خفض نسبة الاستقطاع في رواتب الموظفين

اترك تعليقاً