أعلام وتراث

بيئة آسيا الصغرى وأثرها في الحضارة العراقية

كانت بيئة آسيا الصغرى بمثابة موطن مستمر لبعض القبائل الأغريقية منذ العصور القديمة، ويحاول بعض المؤرخين أن يرجع ذلك إلى حوالي القرن العشرين قبل الميلاد، معتمداً في هذا على جانب كبير من الحدس والتخمين ولعل الواقع يخالف ذلك تماماً، إذ أن سبيل الإنتقال ممهد منذ آلاف السنين، وضرورة الإنتقال كذلك موجودة منذ عهد بعيد.

لهذا فإن تحديد التاريخ في مثل هذه المسائل يكاد يكون عسيراً من ناحية، ولا تترتب عليه نتائج خطيرة، من ناحية أخرى، بالنسبة لهذا البحث الذي نحن بصدده ما دمنا لا نجد للأغريق في هذه الفترة من الزمن أي أثر على أو أدبي أو فني، لنترك إذن هذه الفترة التي تسبق الأحداث التاريخية، ولنتناول العصر الذي يحدثنا عنه التاريخ في شبه ثقة وإطمئنان.

في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد قامت في شبه جزيرة اليونان حركة سياسية تهدف إلى تكوين دولة موحدة عامة من كل القبائل الأغريقية التي كانت تعيش منعزلة تماماً في شبه حياة قبلية، شأن الشعوب البدائية قبل أن تدخل في دور التكوين السياسي والرقي المادي والأدبي، ولم تخل هذه الحركة من صراع بين القبائل، وتنافس بين الرؤساء على السيادة في الحكم، وبرز في هذا الصراع بين القبائل قبيلتان.

وإنتهت هذه الحركة بإلتفاف عدد كبير من الإغريق حول قبيلة منهما معروفة بإسم “الدوريان”، وبهذا قد فهم مقدما إتجاه الشعب في وضع زمام الأمور، ولم يبق أمام العدد القليل من الإغريق إلا أحد أمرين: إما الإستسلام، وأما مغادرة البلاد.

وعلى حساب هذا التكتل إضطرت القبيلة الأغريقية الأخرى المعروفة بإسم “يونيان” إلى مغادرة شبه الجزيرة والإلتجاء إلى آسيا الصغرى والجزر الصغيرة القريبة منها في بحر إيجه، وهناك قد إنضم أفراد هذه القبيلة إلى من كان قد هاجر قبلهم من الإغريق إلى هذه المواطن وكونوا أمة لها وحدتها، ونشاطها في كل مظاهر الحياة الإجتماعية ما عدا الناحية السياسية، إذ أنها كانت تخضع لملوك آسيا الذين يسيطرون على هذه الجهات وحياة اليونانيين في هذه البيئة وبهذه الصورة قد وجدت في بيئات أخرى وفي داخل ممالك منظمة وحكومات قوية مثل اليونانيين أو الإغريق الذين إستقروا في مرسيليا يوم أن كانت تحت حكم الغاليين وبعد أن إستولى عليها الروم، ومثل اليونانيين أو الإغريق الذين عمروا مدينة الإسكندرية وإستمروا بها حتى بعد الفتح الروماني، فجأة اليونانيين أو الإغريق في خارج بلادهم كانت كما نرى صورة واحدة متكررة فلم يكن غريباً إذن على أفراد قبيلة – يونيان – أن يتخذوا من آسيا الصغرى موطناً له كل صفات الوطن الأصلي دون أن يشغلوا بالناحية السياسية.

ومن آثار ذلك أن سميت المنطقة التي يقيمون فيها من آسيا الصغرى بإسم “يونى – Jonie”، نسبة إليهم، ومنذ إحتلالهم لها وإستقرارهم فيها أصبحت تلك المنطقة ملتقى هاماً لعقليتين متميزتين: عقلية شرقية وأخرى غربية، ومن التفاعل بين هاتين العقليتين تولدت الحضارة اليونانية.

ومن هنا ندرك الفرق بين كلمة يوناني، وأغريقي وإن كنا فيما بعد نرى هذا الخلط في المعنى بين هذين الإصطلاحين، إذ أننا كثيراً ما نجد كلمة اليونانيين تطلق على كل الشعب الإغريقي، وكلمة الإغريقيين تطلق على كل من ينتمي إلى شبه الجزيرة أو من نزح منها إلى جهات أخرى، ولقد لاحظنا هذا الخلط عند بعض الكتاب المحدثين في الغرب ولا يزال يسايرهم كثير من المعاصرين.

ولعل القدماء كانوا أدق منا الآن في إستعمال هذين الإصطلاحين فكانوا إذا إستعملوا كلمة يونانيين، قصدوا من ذلك أولئك الذين كانوا على صلة بآسيا الصغرى منذ عهود الهجرات القديمة، وإذا إستعملوا كلمة – إغريق – قصدوا منها سكان شبه الجزيرة اليونانية بوجه عام.

والذي يهمنا أن نعرفه الآن هو أن هؤلاء اليونانيين بعد أن هجروا بلادهم الأولى قد إستقروا في بيئة كان يتردد فيها صدى الحضارة البابلية والأشورية دون إبطاء، بل أنها كانت تعتبر بحق إمتداداً طبيعياً لنفوذ بابل وآشور سياسياً وعلمياً وأدبياً وفنياً، وقد أبان التاريخ، دلت الآثار المكتشفة في آسيا الصغرى على أن مظاهر حضارة بابل وأشور كان لها نفوذ عظيم عند سكان هذه المنطقة، سواء أكان هذا قبل أن يفد غليها المهاجرون من اليونانيين أم بعد ذلك، على أن حضارة اليونانيين نفسها التي نبتت أول ما نبتت في هذه البيئة دليل واضح على إمتداد الحضارة البابلية الآشورية.

وفي خلال الفترة المحصورة بين القرن الثاني عشر والقرن الثامن قبل الميلاد ينشط هؤلاء اليونانيين في تكوين نهضة علمية أدبية تعتبر بحق النواة الأولى للحضارة اليونانية بمعناها العام، وإذا كان علماء الغرب ومؤرخو الآداب يقررون بأن حضارة الإغريق مدينة إلى حد كبير بالنسبة لأولياتها ولكثير من مظاهرها إلى اليونانيين الذين كانوا يقيمون في آسيا الصغرى وفي جزر بحر إيجه، فإننا نستطيع أن نقرر من جانبنا بأن حضارة هؤلاء اليونانيين المقيمين في آسيا الصغرى مدينة بدورها إلى حد كبير إلى حضارة الشرق التي نبتت في وادي الرافدين.

ومنذ قليل رأينا كيف نشأ فيها الشعر القصصي على يد هوميروس، الذي نشأ في منطقة يونى ونظم شعره في أزميرن، ورأينا كذلك كيف نشأ الشعر التعليمي على يد هيزيود الذي نشأ بدوره أيضاً في منطقة يونى وتتلمذ على شاعر قصاص من يوناني آسيا، الذين نشأوا فيها وأنتجوا على نمط ما كان موجوداً في الحضارة البابلية – الأشورية، وهكذا بفضل هؤلاء وأولئك تكونت حضارة يونانية في منطقة آسيا الصغرى إستتبعت نهضة في كل نواحي المعرفة، ثم إستمرت هذه النهضة في تقدم حتى بعد أن نشأت في أتينا نهضة مماثلة بعد القرن الثامن قبل الميلاد، وبقي يونانيو آسيا يعملون على إنتشار حضارتها من ناحية، وعلى نقل آثارها إلى أثينا من ناحية أخرى حتى تكونت بفضلهم تلك الحضارة الأغريقية العظيمة التي ورثها عنهم العالم الغربي الحديث، وبقيت هذه الحضارة تدرس عند الغربيين وكأنها وليدة البيئات اليونانية الخالصة وليس بينها وبين الحضارات الشرقية صلة، ولكن في العصور الحديثة وعلى ضوء الأبحاث التاريخية

والإكتشافات الأركيولوجية إتجه الباحثون إلى دراسة تاريخ هذه الحضارة، ومع هذا فلم يحاول واحد من علمائهم حتى اليوم محاولة جديدة عميقة في أن يبحث عن تاريخ وسر نشأة هذه الحضارة، ويحللها تحليلاً شاملاً، ثم يرد عناصرها إلى أصولها الأولى ومواطنها التي نشأت فيها وإنتقلت منها، وإنما كل ما رأيناه وقرأناه في هذا الميدان لا يعدو أن يكون محاولات بسيطة أو أبحاثاً جزئية كتاريخ الشعراء اليونانيين أو تحليل شخصياتهم، وتاريخ الفلسفة اليونانية وحياة الفلاسفة وفي خلال تلك المحاولات نجد هنا وهناك بعض إشارات تفيد أن هذا الشاعر أو ذلك الفيلسوف قد نشأ في الشق أو سافر إليه أو تتلمذ على أساتذة شرقيين.

ولعل أهم من أشار إلى ذلك وكتب في هذا الموضوع هو الأستاذ “ول ديورانت” صاحب كتاب قصة الحضارة، ومع ذلك فكل ما كتبه لا يعدو أن يكون مجرد إشارات مجملة عابرة يسوقها عرضاً في ثنايا موضوعات أخرى ومن ذلك ما كتبه :”على أن بابل هي التي أنشأت ذلك القصص الساحر الجميل الذي أصبح بفضل براعة اليهود الأدبية الفنية جزءاً لا يتجزأ من قصص أوروبا الديني، ومن بابل لا من مصر جاء اليونان الجوالون إلى دويلات مدنهم بالقواعد الساسية لعلوم الرياضة، والفلك والطب والنحو، وفقه اللغة، وعلم الآثار، والتاريخ والفلسفة.

ومن دويلات المدن اليونانية إنتقلت هذه العلوم إلى رومه ومنها إلى الأوروبيين والأمريكيين، وليست الأسماء التي وضعها اليونان للمعادن، وأبراج النجوم، والموازين والمقاييس، وللآلات الموسيقية، ولكثير من العقاقير، ليست كلها إلا تراجم لأسمائهم البابلية، بل أنها في بعض الأحيان لا تعدو أن تكون تبديلاً لحروفها من الأحرف البابلية إلى اليونانية، وبينما إستمد فن العمارة اليونانية أشكاله وإلهامه من مصر وكريت، فإن العمارة البابلية هي التي أوحت عن طريق الزجورات بقباب المساجد الإسلامية وبالمنارات والأبراج في العصر الوسيط، وبطراز المباني المرتدة في أمريكا في هذه الأيام، وأضحت قوانين حمورابي تراثاً للمجتمعات القديمة كلها لا يقل في شأنه عما ورثه العالم من رومه من نظام الحكم وأساليبه، ولقد إنتقلت حضارة أرض النهرين من مهدها وأصبحت عنصراً من التراث الثقافي للجنس البشري بفضل سلسلة طويلة من الأحداث التاريخية الخطيرة.

فقد فتحت أشور بابل وإستحوذت على تراث هذه المدينة القديمة، ونشرته في جميع أنحاء إمبراطوريتها الواسعة، وتلا ذلك أسر اليهود الطويل وما كان للحياة وللأفكار البابلية فيهم من أثر عظيم، وأعقب هذا وذاك الفتحان الفارسي واليوناني اللذان فتحا جميع طرق التجارة والمواصلات بين بابل والمدن الناشئة في أيونيا وآسيا الصغرى واليونان، فتحا لم يشهد العالم من قبل له نظيراً في كماله وحريته، إن شيئاً ما لا يضيع من العالم آخر الأمر بل إن كل حادثة تترك فيه أثرها خالداً إلى أبد الدهر، خيراً كان ذلك الآثر أو شراً.

من هذه الفقرات القصيرة والإشارات الخاطفة نرى كيف كانت حضارة أرض النهرين أساساً للحضارة الأغريقية ثم كيف كان السبيل في إنتقالها إلى الغرب، ولولا ما إلتزمناه أول الأمر من قصر بحثنا على أثر الحضارة البابلية – الأشورية في الحضارة اليونانية لإستطعنا أن نبين كذلك إلى حد ما أثر الحضارة المصرية القديمة في العقلية اليونانية وعلى الخصوص من الناحية الدينية والناحية الفلسفية، وأن ترسم من حياة أولئك اليونانيين الجوالين صورة توضح معالمها كيف كان هؤلاء اليونانيون تلامذة لفلاسفة مصر وعلماء الرياضة والكهنوت فيها كما كانوا تلامذة كذلك لأصحاب الحضارة البابلية – الأشورية، والآن نكتفي بهذه العبارات المجملة في تلك الصفحة القصيرة التي كتبها صاحب قصة الحضارة، غير أننا نعتقد أن إنتقال تلك الحضارة الشرقية إلى الغرب، وعلى الخصوص إلى بلاد اليونان القديمة قد تحقق قبل تلك العصور التي يشير إليها الأستاذ (ول ديورانت)، إذ أن صلة اليونانيين بالشرقيين كانت أقدم من عهد الحروب والفتوح، فقبل أن يفتح الفرس بلاد اليونان، وقبل أن يصل الإسكندر في غزواته إلى بلاد الفرس، بل وقبل أن يحدث الأسر اليهودي وتفتح آشور بابل نقول قبل هذا أو ذاك كان اليونانيون على صلة بالشرق وأنظمته ومعارفه، وقد أوضحنا هذا فيما مضى.

والفضل في ذلك يرجح أولاً إلى اليونانيين الذين إستوطنوا جزءاً كبيراً من آسيا الصغرى وجزر بحر إيجه، وثانياً إلى الشرقيين أنفسهم المشتغلين بالتجارة والمتنقلين في شواطئ شبه الجزيرة اليونانية وفي جزر اليونانيين المنتشرة في حوض البحر الأبيض الشرقي.

أما فتوح الفرس واليونان فقد جاءت بعد أن تأسست الحضارة اليونانية وتعددت مظاهرها، وأخذت لنفسها طابعاً غربياً خاصاً يميزها تماماً عن الحضارة الشرقية، بل أننا نستطيع أن نقرر أن تلك الحضارة اليونانية كانت أيام فتح الإسكندر الأكبر للشرق من النضوج والإزدهار بدرجة تسمح لها بأن تدخل في صراع مع الحضارات الشرقية وتفرض سلطانها على كثير من البيئات في الشرق، وهذا هو ما حدث بعد فتوح الإسكندر مباشرة سواء أكان في آسيا الصغرى أم في بيئة الشام أم في مصر، فقد رأينا في البيئة الأولى مدينة برجام، وفي الثانية مدينة أنطاكية، وفي الثالثة مدينة الإسكندرية، وكل مدينة من هذه المدن الثلاث قد لعبت في بيئتها دوراً ثقافياً يشبه إلى حد كبير الدور الذي كانت تلعبه أثينا في الغرب.

إذ أنه لم يكد ينتهي القرن الرابع قبل الميلاد حتى كان العالم القديم يرى اليونانيين قد إستكملوا جميع عناصر حضارتهم: شعر بأنواعه المختلفة كالقصص والتعليمي والغنائي والمسرحي، ونثر بألوانه المتباينة كالخطابة، والبيان والتاريخ، والجغرافيا والطب، والسياسة والقانون، واللغة وفلسفة بعلومها العديد كالمنطق، والرياضيات، والألهيات، والطبيعيات، ويضاف إلى ذلك أيضاً كثير من مظاهر الفن الراقي كالهندسة المعمارية، والرسم والزخرفة، والتمثيل، وهذه العناصر قد تجمعت وتآلفت حتى بدت كوحدة في المنهج وفي التفكير وفي الأهداف.

وكل ما إستطاعت أن تستفيده حضارة اليونان من الشرق بعد فتوح الإسكندر الأكبر على الخصوص، هو إتساع دائرة التفكير اليوناني، وتصحيح بعض المعارف القديمة التي وصلت إليهم عن الشرق بطريق الرواية وتنمية الإنتاج العلمي والأدبي والفني وأما أسسها وأغراضها فقد وضعت وحددت من قبل، وقد جاء الإسكندر إلى الشرق لا لينتقم من الفرس فحسب، ولا ليكسب إنتصارات حربية فقط، وإنما جاء ليفتح آفاقاً جديدة للثقافة اليونانية أيضاً، ولهذا فقد جاء اليونانيون إلى الشرق جماعات لا أفراداً ومستوطنين لا رحالين، وتخيروا المواقع لإنشان المدن، وحاولوا جهدهم أن يلفتوا أنظار الشعوب المفتوحة إلى نشاطهم ويجتذبوهم إلى مظاهر حضارتهم، فإستدعوا الكثير من علمائهم، وسهلوا لهم سبيل الإقامة، وأجروا عليهم الأرزاق، وقد إستلزم ذلك منهم أيضاً أن يفتحوا طرق الدراسة، ويمهدوا لرواد المعرفة، ويعملوا على تنمية العقل بجانب تنمية الجسم فبنوا المسارح والملاعب، وأسسوا المتاحف والمعابد، وأنشئوا المدارس والمعاهد، وإشتغلوا بالبحوث العلمية وبالتدوين، ولم يمض على وجودهم في الشرق زمن طويل حتى رأينا لديهم دوراً للكتب تضم عشرات الآلاف من المجلدات، وجامعات تآوى الآلاف من الطلاب وهكذا عُدت عواصمهم في الشرق مدناً جامعية بجانب الور السياسي الذي كانت تنهض به في إدارة شؤون البلاد، وأخذ تنافسهم على النهوض بالعلم وجلب العلماء يشتد فيما بينهم حتى وصل إلى درجة لم تعهد من قبل عند القدماء، وليس من هدفنا في هذا الفصل أن نمضي في تحليل النشاط العلمي عند اليونانيين في الشرق ولا أن نبين مبلغ ذلك التنافس على إقتناء الكتب وجلب العلماء وإنما عرضنا لذلك بالإجمال لنوضح موقفنا من صاحب قصة الحضارة الذي زعم فيما زعم أن الحروب بين الفرس واليونانيين هي التي فتحت الطريق للحضارات الشرقية كي تنتقل إلى اليونان ثم تزدهر وتثمر عندهم، وحقيقة الأمر فيما نعتقد، وكما وضحنا من قبل، هي أن حضارات الشرق، وعلى الخصوص الحضارة البابلية – الأشورية، قد وصلت إلى اليونانيين وأنتجت ثمارها قبل تلك الحروب، ولا أدل على ذلك من مجيء اليونانيين إلى الشرق وهم على تلك الحالة، التي وضحناها منذ قليل، من العلم والفن والأدب، وهم مشبعون كذلك بتلك الرغبة في نشر ثقافتهم والعمل على أن تسود في كل البلاد التي غزوها ولو كان ذلك على حساب الحضارات القديمة في تلك

البلاد المفتوحة، وسنرى بعد قليل حينما نتحدث عن أثر الحضارة اليونانية في وادي دجلة والفرات كيف نجحوا في هذا المنهج الذي رسموه لأنفسهم وإلى أي مدى تحققت لهم تلك الرغبة.

والآن فلنعد إلى البيئة العراقية لنرى ماذا حدث فيها بعد أن أسقط الفرس سلطان الساميين وأقاموا على إنقاض دولتهم دولة فارسية واسعة وأسسوا لهم حضارة هي مزيج من تراث الحضارة الميدية، والحضارة البابلية – الأشورية.

وقبل أن نبدأ الحديث عن ذلك نعيد إلى ذاكرة القارئ ما أشرنا إليه في مناسبات مختلفة، وهو أن الحضارة التي نبتت وأزهرت في وادي الرافدين لم تمت ولم يقضى عليها بواسطة الحروب أو الفتوح أو التغير السياسي، وإنما بقيت بالرغم من تعرضها لهزات سياسية عنيفة، وإستمرت محافظة على أصولها بالرغم من ذلك المدد الأجنبي الذي يفد إليها من وقت لآخر مع عقليات الفاتحين ورجال الحكم، فالقضاء على الدولة وعلى رجال السياسة ليس معناه القضاء على الأمة وعلى إنتاجها العقلي لأن ذلك لم يعد ملكاً للأفراد وإنما هو ملك وتراث للمجتمع، وقد تزول الأفراد ولكن قلما يزول المجتمع.

 

العراق وما توالى عليه من حضارات-الدكتور حسن عون

السابق
تربية ديالى: ضغوط قاهرة تهمين على ملف تعيين المحاضرين
التالي
الكتل الكردية ترحب بارسال بغداد لـ رواتب موظفي الاقليم وتكشف: هكذا سيتم استكمالها

اترك تعليقاً