أعلام وتراث

بين شريعة موسى وشريعة حمورابي

إذن فقد نزح فريق من البابليين إلى الجنوب طلباً للحياة الهادئة أو فراراً من قسوة المغيرين التي كثيراً ما كانت تأخذ شكلاً وحشياً عند الفاتحين في العصور القديمة، إستقر فريق من هؤلاء البابليين في بلاد الحجاز، وإستمر فريق آخر يوالي السير حتى وصل إلى بلاد اليمن، وفي كلتا البيئتين قد تكونت جالية عظيمة من هؤلاء المهاجرين الذين أطلق عليهم في بعض الأحيان “عمالقة العراق”، ونحن لا نستطيع أن نتصور هجرة من هذا النوع، يقوم بها أناس تلك مكانتهم من الثقافة والمعرفة، ثم يستقرون مدة طويلة في بيئة أخرى أقل ثقافة وعلماً دون أن يتركوا فيها طابعاً قوياً وأثراً عميقاً، فقد عرف عند العرب قديماً قانون “النفس بالنفس”، وكذلك عرف عنهم في كثير من الأحيان مبدأ التحكيم الإلهي وقد أشار إليه القرآن الكريم كما تقدم الكلام على ذلك، ولا نزال نرى آثار هذا المبدأ في طبائع البدو المنعزلين الذين يعيشون عيشة لا تكاد تختلف في شيء عن حياة البادية في عهودها الأولى، وإن العقل ليدهش أمام بعض النتائج التي تبدو للعيان من وراء هذا المبدأ، ومن جراء ذلك التحكيم، وإن العلم ليقف حائراً في تعليل هذه النتائج التي لا تمد لها المقدمات.

أما معرفة العبرانيين بقانون حمورابي فقد كان عن طريق جالية بابلية أخرى قد إستقرت في منطقة مدين الواقعة في الشرق من بلاد الشام، ويقال إن هذه الجالية قد جاءت من عمالقة العراق في اليمن عن طريق التجار اليمنيين الذين ينقلون تجارتهم إلى بلاد الشام، وإستقرت في هذه البيئة بعد أن وجدت فيها الشروط المواتية للحياة وللعمل والإستقرار.

الكاهن (يثرو رعوئيل)

وعرف من بين هؤلاء البابليين فيما بعد كاهن إشتهر بإسم “بثرو رعوئيل” إستمر هذا الكاهن يمثل بقية من حضارة البابليين في هذه المنطقة الصحراوية التي كانت في شبه عزلة إجتماعية حتى وفد إليه موسى من مصر.

وهنا يحدثنا القرآن الكريم عن نشأة موسى في مصر، وما كان بينه وبين المصريين من خصومة دفعته إلى أن ينتصر لواحد من شيعته ويقضي على خصمه المصري، ولم ير موسى أبداً بعد الذي صنع من أن يفر من مصر وهكذا يستمر في سيره حتى يصل إلى منطقة مدين، وهناك يجد بنات “يثرو رعوئيل” يقمن برعاية غنم الحرم فيظهر من القوة والمروءة والأمانة وما يجب فيه الكاهن وبناته، ثم ينتهي الأمر بأن يتزوج صغرى بنات هذا الشيخ الكبير وكانت تسمى (صبوره).

تعاليم موسى وشريعته

ومن تلك اللحظة ينشأ موسى نشأة خاصة في أحضان تلك البيئة المقدسة وفي رعاية ذلك الكاهن الذي كان يقيم شعائر دينه على نظام البابليين، ولقد كان لهذه النشأة بلا شك أثرها فيما عرف من تعاليم موسى، كقصة الخلق الأولى، قصة الطوفان، وما جاء في مزامير التوراة من حكم، ومعارف، وأناشيد، ثم ما جاء في أحكامه من قانون النفس بالنفس، والعين بالعين، والسن بالسن.

ولقد تصدى لتحليل تلك التعاليم ومبلغ أثر القوانين البابلية فيها كثير من علماء الغرب، ولم يجدوا كبير عناء في إبراز ذلك الأثر بعد أن إكتشف قانون حمورابي في أوائل القرن العشرين الميلادي، وعقدت الصلة بين حضارة الدولة البابلية وتاريخ موسى من حيث النشأة، والتربية، والتعاليم.

إنتشرت شريعة موسى وتعاليمه بسرعة في كل البيئة الكنعانية التي كانت تشتمل إذ ذاك على سوريا، وفينيقيا، وفلسطين وما جاور ذلك شرعاً وجنوباً من البيئات الآهلة بالسكان في وسط الصحراء الممتدة في تلك الجهات.

إنتقال أثر قانون حمورابي إلى اليونان

وإذا كان من المسلم به أن اليونان كانوا في تلك الأثناء على صلة مستمرة ببلاد الكنعانيين، سواء بواسطة الفينيقيين الذين يجوبون موانئ البحر الأبيض المتوسط  من أقصاه إلى أقصاه ناقلين بضاعتهم، ومستبدلين بها بعض المواد الأولية من أوروبا وأفريقيا، أو بواسطة التجار اليونانيين أنفسهم الذين كانوا يجيئون إلى بلاد الكنعانيين يوزعون في أسواقهم ما يحملونه معهم من مواد أولية، ثم يتزودون بما كان في تلك الأسواق من مصنوعات ومنتجات، نقول إذا كان هذا من المسلم به فلا غرابة إذن أن تصل تعاليم موسى إلى بيئة اليونان عن طريق أولئك التجار، الذين كانوا ينقلون ضمن ما ينقلون من بضائع كثيراً من المعارف، والأساطير وكثيراً من الأخلاق والعادات، وكثيراً من الديانات والمعتقدات.

وها نحن أولاً حتى الآن لا نزال نرى أن التبادل التجاري يصحبه دائماً تبادل في المعارف والأفكار، ثم في الأنظمة والقوانين، حتى أن كثيراً من الباحثين ليذهب إلى القول بأن التبادل التجاري أهم وسيلة للتبادل الثقافي قديماً، إذ به يتم الإتصال المباشر، والإقامة الطويلة، والإختلاط الكامل.

ويمكننا على ضوء التاريخ وما أثبته الكشف الحديث في الشرق الأدنى أن نؤكد أن اليونان عن طريق صلتهم بالفينيقيين والعبرانيين قد إعتمدوا إلى حد بعيد على تعاليم الشرق، وقوانين الشرق في تأسيس حضارتهم الأولى إذ لم يكن عن طريق المصادفة أن تنشأ الحضارة اليونانية أول ما تنشأ في خلال القرن الحادي عشر والقرن العاشر قبل الميلاد، وذلك بعد أن تأسست شريعة موسى وتكونت حضارة العبرانيين بنحو ثلاثة قرون، حينما كانت صلة اليونان بالفينيقيين والعبرانيين على أشدها، وينبغي ألا يغيب عنا أيضاً أن العناصر اليونانية الأولى، التي مهدت لتلك الحضارة اليونانية الواسعة كانت إما عناصر يونانية قد هجرت شبه الجزيرة الإغريقية وأقامت في آسيا وإما عناصر قد إتصلت على الأقل بتلك البيئات الأسيوية التي كانت مهداً للمعارف والثقافات الشرقية، وسنرى بعد قليل مدى أثر تلك المعارف الشرقية عند أوائل العلماء، والأدباء، والشعراء والمشرعين من رجال اليونان وذلك بفضل الدراسات التاريخية والمقارنة التي تناولت هذه الحضارات القديمة في نشأتها، وفي تطورها، وفي مظاهرها.

(العراق وما توالى عليه من حضارات)…الدكتور حسن عون

السابق
“انقسام حاد” بين الزعامات والقيادات السنية وترجيح بروز ثلاث قوائم انتخابية
التالي
واشنطن تحمل الاكراد مسؤولية عرقلة الحوار بين بغداد واربيل

اترك تعليقاً