اخترنا لكم

تاريخ تهريب النفط في العراق

العراق بلد يعتمد على النفط. وقد عانت هذه الصناعة لعقود من مشاكل بسبب الحروب والعقوبات الدولية. إحدى القضايا الطويلة الأمد هي سرقة النفط. وقد بدأ ذلك على نطاق واسع في التسعينات عندما استخدمت الحكومة البعثية التهريب لكسر عقوبات الأمم المتحدة. ولم يزداد عدد الأفراد والجماعات المشاركة في هذه الأنشطة إلا بعد الغزو الأمريكي، حيث كان هناك انهيار عام في النظام. ولا تزال سرقة النفط اليوم مشكلة رئيسية بالنسبة لمورد العراق الأهم.
في التسعينات نظم صدام حسين عصابات إجرامية لتهريب النفط في سبيل كسر عقوبات الأمم المتحدة. تم تكييف الطرق التجارية التقليدية في جميع أنحاء الخليج الفارسي والشرق الأوسط لهذه العمليات. واستخدمت الشاحنات المرسلة إلى تركيا والأردن وسوريا والكويت والمملكة العربية السعودية والقوارب التي تمر عبر الخليج الفارسي لشحن النفط الخام لتحقيق إيرادات غير مشروعة للحكومة البعثية. وكان الشيخ أبو ريشة، الذي سيشكل لاحقا صحوة الأنبار في عام 2006 وقبيلته، حلقة تهريب النفط إلى الأردن خلال هذه الفترة ..
بعد الغزو الأمريكي في عام 2003 لم تستمر هذه الأنشطة فحسب، بل توسعت أيضا. وادى انهيار الدولة والاقتصاد والفوضى العامة بعد سقوط صدام الى خلق حوافز قوية في المجتمع العراقي لتحويل الجريمة إلى طريقة لكسب العيش. وانتشر الفساد أيضا في جميع أنحاء البلد. ونتيجة لذلك، فإن المجرمين والمسؤولين الحكوميين والقبائل والميليشيات والمتمردين والبعثيين السابقين، واللاعبين الجدد جميعا شاركوا في سرقة النفط والمنتجات النفطية المكررة.
احد العوامل التي سهلت التهريب هو احتكار الدولة للنفط. في عام 1972 قامت الحكومة بتأميم المشاريع النفطية. وفي عام 1987 أعاد صدام تنظيم هذه الصناعة. قبل أن تكون كلها تحت سيطرة وزارة النفط. وبعد ذلك تم إنشاء شركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب والشركة الحكومية للمشاريع النفطية وشركة تسويق النفط الحكومية لمناطق وقطاعات مختلفة في قطاع البترول. ولكل منها استقلالية واسعة النطاق، ولا يوجد تنسيق يذكر بين الأجزاء المختلفة. فعلى سبيل المثال، أصدر المفتش العام لوزارة النفط تقريرا يقول فيه إن هناك نقص في الإدارة والرقابة والإشراف. وتاثير الأحزاب السياسية أيضا على أجزاء من النظام. كل هذه فتحت فرص السرقة والتخريب والتسلل والفساد.

سرقة النفط اليوم تأخذ أشكالا مختلفة. احدها هو خلط النفط المسروق في مع النفط المشروع. وتصدير شحنة النفط الخام العادية مع النفط الإضافي الذي يتم تحصيل ثمنه بشكل منفصل. أما الشكل الآخر فهو ينطوي على ملء قوارب أو شاحنات بنفط مسروق يتم تسليمه بعد ذلك إلى صهاريج في الخليج الفارسي. وفي عام 2006، كشفت وزارة النفط عن وجود 166 قاربا بدائيا في الأنهار في البصرة تنتظر الإبحار للقاء قوارب أكبر في الخليج. اماالثالث فهو ملء الشاحنات الناقلة بالنفط غير المشروع وقيادتها إلى الدول المجاورة مثل إيران وسوريا وتركيا.
الاستفادة من خطوط الأنابيب هو شكل آخر شائع من أشكال السرقة. حيث يتم ثقب خط الانابيب ، ثم يتم سحب الزيت الخام إلى شاحنات أو سفن. في أواخر عام 2007 كان هناك ما يقدر ب 25 ثقب في خط أنابيب الشمال إلى تركيا. بعض قوات الأمن التي كان منوط بها حماية هذه الخطوط تواطأت في هذه الأنشطة أو كانوا هم انفسهم الجناة. وفي عام 2004، استأجرت وزارة الدفاع قبيلة الجبوري للدفاع عن خط الأنابيب التركي في مقاطعتي صلاح الدين وتميم.وكانت هذه القبيلة قد شاركت بالفعل في تهريب النفط منذ فترة صدام، ووسعت أنشطتها تحت غطاءها الرسمي الجديد. ووجد تحقيق أجرته وزارة النفط في عام 2009 أن وحدات الجيش تشارك في سرقة النفط من نفس الخط. وظل معظم هذا النفط الخام داخل العراق حيث ان العصابات كان لديها محطات تكرير متنقلة، في حين كان يتم بيع بعضه لتزويد مصانع الوقود ومحطات الطاقة.

وقد أصبحت سرقة المنتجات النفطية المكررة أيضا من الأعمال التجارية الكبيرة بعد الغزو الأمريكي. وارتفع الطلب على الوقود والديزل، وما إلى ذلك بعد عام 2003 بسبب تزايد عدد السيارات ومولدات الطاقة. غير أن العرض بقي محدودا لأن مصافي العراق تفتقر إلى القدرات. وكانت الحكومة أيضا تدعم الغاز والوقود، مع إبقاء الأسعار منخفضة بشكل مصطنع. وقامت العصابات والمليشيات والمتمردين بشراء أو سرقة الغاز من العراق، وبيعها في البلدان المجاورة حيث تكون الأسعار أعلى بكثير. وفي أحيان أخرى، يتم بيع الوقود المسروق للعراقيين في السوق السوداء. وقد خضعت مصفاة بيجي الدين السيئة السمعة في صلاح الدين لسيطرة المتمردين. الذين قاموا بسرقة حوالي واحد إلى ثلثي إنتاجها. وتشكل سوق ضخم غير قانوني حول المصفاة الذي ضم الى جانب القوات الأمنية الذين طالبوا بأخذ الاموال من الشاحنات المغادرة والداخلة إلى المصفاة والمارة عبر نقاط التفتيش المحيطة بها .وقد قام مسؤولي النفط الفاسدين والأحزاب السياسية بإنشاء محطات وقود في المنطقة حتى يتمكنوا من الحصول على الوقود من الحكومة، وبيعه بعد ذلك في السوق السوداء.

التحقق من مستوى الوقود في شاحنة صهريج لمعرفة ما إذا كان مطابقا للسجلات

وكان يتعين على العراق أيضا شراء منتجات مكررة من إيران وتركيا والكويت لأنه لا يستطيع تلبية الطلب المحلي. وكان الفساد يطال هذه العملية أيضا. حبث كان يتم تسجيل استلام كميات وهمية لا وجود لها بالفعل ودفع ثمنها كاملا. وكان سائقو الشاحنات يبيعون المنتجات في بلدان أخرى قبل أن يصلوا إلى العراق. وكانت ناقلات النفط تقوم بتسليم شحنات جزئية من الوقود وتبقي الباقي حتى يتمكنوا من بيعها في السوق السوداء. كما ان بعض السائقين كانوا يقومون بسرقة الوقود، ومن ثم ملء الشاحنة من الوقود المحلي الرخيص . وقد تم تجهيز بعض الشاحنات بخزانين، واحد في الجزء العلوي من شأنه أن يحمل كمية صغيرة من الوقود، في حين أن الخزان الثاني الأكبر سيحمل المياه.
أفاد المفتش العام لوزارة النفط أنه من سبتمبر 2004 إلى فبراير 2005 تم تسجيل 1551شاحنة تحمل 56 مليون لتر من المنتجات النفطية المستوردة بسعر28 مليون دولار لم تصل ابدا. وتم تغريم شركات النقل بمبلغ 4 ملايين دولار نتيجة لذلك، ولكن يعتقد أنها اختلست24 مليون دولار في هذه العملية، ولذلك واصلت أنشطتها غير القانونية.
وكما تظهر الأمثلة، فإن جميع هذه العمليات تشمل مسؤولين فاسدين شركات نقل وأحزاب سياسية وقوات أمن عراقية. ويقول سائق شاحنة متورط في التهريب إن الأحزاب السياسية تتأكد من أن أتباعها هم الذين يعملون في المضخات عندمايريدون سرقة النفط وملء شاحناتهم. كما يقدم مسؤولو وزارة النفط وثائق مزيفة لتغطية السرقة. في البصرة، وفر حزب الفضيلة والصدرريون حماية لعشيرة عاشور بعد الغزو الأمريكي مقابل 30٪ من أرباحهم من سرقة النفط. وقيل إن العشيرة تجني 5 ملايين دولار شهريا من أنشطتها. كما كان لحزب الفضيلة عمليات إجرامية خاصة به. ففي كانون الثاني / يناير 2005 فاز الحزب بالسيطرة على الحاكمية في البصرة، وشغل الحزب بعد ذلك وزارة النفط تحت رئاسة رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري. كما قام بتشغيل قوة حماية المرافق النفطية ووحدة الدعم التكتيكي في شرطة البصرة وميناء أبو الخصيب في تلك المحافظة. ونتيجة لذلك أصبح شقيق محافظ محافظ البصرة اسماعيل الوائلي أحد أكبر مهربي النفط في العراق الذي تحميه قوات الأمن المحلية وحزب الفضيلة.وحاول رئيس الوزراء نوري المالكي 2008 التصدي لاعمال حزب الفضيلة، ولكن استمرت أنشطتة غير القانونية.
كما تواطأ المجرمون وشركات الشحن والأحزاب السياسية مع إيران. فعلى سبيل المثال، فإن العصابات والناقلات في جنوب العراق التي لم تتمكن من الحصول على أوراق رسمية لتغطية تهريبها للنفط ستدفع رشاوى لبحرية الحرس الثوري الإيراني للسماح لها برفع العلم إلايراني أو الإبحار تحت حمايتها في المياه الإيرانية. ويقوم الأكراد بإرسال النفط والمنتجات المكررة إلى إيران منذ التسعينات، ويستمر حتى يومنا هذا.
البترول هو أكبر وأهم الأعمال في العراق. وهو يوفر تقريبا جميع إيرادات الحكومة، وهذا بدوره يستخدم لدفع تكاليف الخدمات والوظائف وتنمية البلد. ويكسب العراق عدة مليارات دولار شهريا من هذه الصناعة، ولكن ما لا يقل عن مليار سرقت أيضا. وتسرق أيضا المنتجات البترولية المكررة، التي تعاني من نقص في المعروض.
بدأ كل ذلك كامتداد للدولة عندما حاول صدام استخدام المهربين لكسر عقوبات الامم المتحدة. بعد الغزو الأمريكي، أصبحت حرة للجميع عندما تم القضاء على جميع القيود وحيث انحدرت الأمة إلى حالة من الفوضى. وحتى مع تحسن الأمن، لا تزال العصابات والأحزاب السياسية الضالعة في الجريمة تعمل دون عقاب. إن البلد في حاجة ماسة لموارده إلى أنه لا يستطيع تحصيلها جميعا وخاصة أموال النفط . ومع ذلك فإن العديد من الجهات الفاعلة تشارك في العمليات غير القانونية، وأنه من غير المرجح أن تنتهي في أي وقت قريب.

 

SOURCES

Dagher, Sam, “Basra strike against Shiite militias also about oil,” Christian Science Monitor, 4/9/08
– “Smugglers in Iraq Blunt Sanctions Against Tehran,” New York Times, 7/8/10

Eisenstadt, Lieutenant Colonel Michael, “Iraq Tribal engagement Lessons Learned,” Military Review, September-October 2007

Kamal, Fatima, “Iraq army personnel involved in oil smuggling,” Azzaman, 1/13/10

Katulis, Brian, Juul, Peter, and Moss, Ian, “Awakening to New Dangers in Iraq,” Center for American Progress, February 2008

Oppel, Richard, “Iraq’s Insurgency Runs on Stolen Oil Profits,” New York Times, 3/16/08

Salaheddin, Sinan, “Iraq oil refinery expands by 10K barrels,” Associated Press, 3/15/08

Williams, Phil, “Criminals, Militias, And Insurgents: Organized Crime In Iraq,” Strategic Studies Institute, June 2009

 

السابق
سلمان يلتقي الصدر: السعودية تبحث عن شيعي عراقي قومي
التالي
تجارة النفط بين تركيا وداعش

اترك تعليقاً