أبحاث ودراسات

ترامب يخرّب عمليه السلام الخاصة به فقط…

كان قرار الرئيس دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل تمهيدا لنقل السفارة الامريكية الى هناك قد أظهر أن عملية السلام تحتضر بالفعل، ويمكن ان يعني أيضا نهاية الجهود الامريكيه للتوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين..

وعلى الرغم من المعارضة العالمية شبه الإجماعية من القادة العرب والأوروبيين وغيرهم من قادة العالم، فقد حذر جميعهم من أن مثل هذا التحرك قد يكون له عواقب وخيمة، فإن قرار ترامب يلغي 70 عاما من السياسة الأمريكية مع تقويض المعايير الدولية الأساسية التي عرقلت عملية السلام لعقود.

وقد أدانت القيادة الفلسطينية هذه الخطوة التي قالت انها لا تؤهل الولايات المتحدة بشكل فعال للقيام بدور وسيط السلام وحذرت من انها ستلقي بمنطقه مضطربة بالفعل في حاله من الفوضى.

وبصرف النظر عن الوفاء بتعهده اثناءالحملة الانتخابية الذي قدمه إلى العناصر المحافظة في قاعدته الانتخابية، لم يوضح ترامب سبب ضرورة اتخاذ مثل هذه الخطوة في مواجهة هذه المخاطر. لكن من المحير هو توقيت الاعلان الذى يأتي فى الوقت الذى تستعد فيه ادارة ترامب لطرح مبادرة سلام اسرائيلية فلسطينية جديدة فى الاسابيع القادمة.

ويشير هذا إلى أن ترامب إما انه يعتقد أن هذه الخطوة لن تضر بشكل خطير بمصداقية الولايات المتحدة كوسيط للسلام، أو أنه على استعداد للتضحية بهذا من أجل تسجيل نقاط لكسب قاعدته السياسية في أميركا. في حين أن هذه ليست المرة الأولى التي يختار فيها الرئيس الأمريكي التضحية بأهداف عملية السلام على مذبح السياسة الداخلية النتصلة بالعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنه قد يكون أخطر انعكاس في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ ان سيطرت الولايات المتحدة على عملية السلام فى التسعينات.

ولا تزال القدس أحدى القضايا الشائكة في الصراع الذي دام قرنا بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، فضلا عن انها رمز سياسي وديني قوي لمليارات الناس في جميع انحاء العالم. وبينما تدعي إسرائيل ان القدس عاصمتها “الابديه وغير المجزأه” ، فان الفلسطينيين يعتبرون الجزء الشرقي من المدينة ، الذي تحتله إسرائيل منذ 1967 ، عاصمه لدولتهم المستقبلية. ومهما كانت كلمه الرئيس ، فان إعلان اليوم سيفسر في الشرق الأوسط وما بعده بأنه محاولة امريكيه لتحديد مركزها مسبقا-أو حتى تسليمها ، برمتها ، إلى إسرائيل-التي من المقدر ان تكون له تداعيات دائمة في المنطقة.

وعلى المدى القصير والمتوسط، هناك احتمال قوي جدا ام تندلع احداث العنف في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وتحضيرا لرد الفعل المحتمل، حذرت وزارة الخارجية سفاراتها وقنصلياتها في الخارج لتشديد الإجراءات الأمنية قبل إعلان اليوم. ومن المحتمل ان تستغل الجماعات بما فيها تنظيم الدولة الاسلامية والقاعدة وغيرهم من المتطرفين الدينيين حول العالم الاسلامى هذا القرار كدليل على ان الولايات المتحدة واسرائيل تشن حربا ضد الاسلام.

في الوقت نفسه،وعلى المدى الطويل، يمكن أن يعني قرار ترامب نهاية عملية السلام بقيادة الولايات المتحدة. ولن يكون هناك بيان رسمى من مقر البيت الابيض او مقر الامم المتحدة فى نيويورك يعلن عن مثل هذه النتيجة بالطبع. ولكن, ولجميع الأغراض العملية، من المرجح ان يكون دور واشنطن بوصفها الراعي الرئيسي والوسيط الوحيد للمفاوضات الاسرائيليه-الفلسطينية قد انتهي. وحتى قبل ان ياتي ترامب إلى منصبه، فان ما يقرب من 25 عاما من جهود السلام الفاشلة قد أضرت بمصداقية واشنطن كوسيط للسلام ، وليس اقلها بين العرب والفلسطينيين. والاعتراف بالسيادة الاسرائيليه علي القدس يمكن ان يكون القشة التي قسمت ظهر البعير.

ومن المرجح ان يكون الرئيس محمود عباس ، وهو أيضا الطرف الأضعف في هذا المزيج، أكبر خاسر تتكشف عنه هذه الأحداث. وقد راينا بالفعل كيف ان الإيماءات الرمزية في القدس يمكن ان تثير القلاقل والعنف-واهمها زيارة ارييل شارون المشؤومة في أيلول/سبتمبر 2000 إلى الموقع المعروف لليهود باسم جبل الهيكل، والي المسلمين بوصفه الحرم الشريف الذي أشعلت انتفاضه، ومؤخرا خلال الصيف الماضي كارثة تركيب كاشفات المعادن في المسجد الأقصى، ادت إلى عدة أيام من الاحتجاجات والاعتصامات ، والمصادمات. وعندما أشعل الغضب الشعبي غالبا ما أعيد توجيهه إلى قيادة عباس،  التي يرى العديد من الفلسطينيين أنها تستوعب بشكل مفرط إسرائيل والولايات المتحدة.

وداخل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، يبقى عباس واحدا من اقوى المدافعين عن عملية السلام بقيادة الولايات المتحدة. لكن الرئيس الفلسطيني يواجه الآن معضلة سياسية هائلة نتيجة الخسارة المحتملة للولايات المتحدة، فهي حجر الزاوية في استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية لتحقيق دولة مستقلة لأكثر من ثلاثة عقود. وبعد أن ربط عباس مصيره السياسي بالسفينة الغارقة لعملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، ترك نفسه بدون خطة ب. وإذا نفّذ عباس تهديده بالسير بعيدا عن عملية السلام التي تقودها الولايات المتحدة نتيجة لقرار جعل القدس عاصمة اسرائيل، فسوف يواجه رد فعل غاضب من إدارة ترامب مع عدم وجود استراتيجية بديلة للتراجع. ومن ناحية أخرى، إذا ما تراجع عن التهديد، فإن الرئيس الذي لا يحظى بشعبية كبيرة قد يخاطر بمصداقيته تماما في نظر شعبه.

ومن المسلم به ان موت عمليه سلام ترعاها الولايات الامريكيه من الصعب ان يفهمه المرء، ولا سيما في واشنطن، ليس فقط لأنها عمليه السلام الوحيدة التي عرفناها علي الإطلاق، ولكن لأنه يكاد يستحيل تصور اي بديل قابل للاستمرار. فعلي مدى عقود ، كان الافتراض هو ان الولايات المتحدة وحدها، بوصفها قوه عظمي عالميه وأقرب حليف لإسرائيل، كانت قادره علي التوسط للتوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني. وكما قال هارون دافيد ميلر الدبلوماسى الامريكى السابق والمخضرم فى عملية السلام فى ظل العديد من الرؤساء الامريكيين: “الولايات المتحدة قد لا نكون وسيطا نزيها ولكننا نستطيع ان نكون وسيطا فعالا”.

ولكن إذا كان ربع قرن من الفشل لم يكن كافيا لتبديد هذه الفكرة من أذهان الناس، فان قرار ترامب حول القدس سيبددها دون شك، وهو الذي قلب عقودا من السياسة الأمريكية، وتخلى عن ما تبقى من احتمال ولو ضئيل لاتفاق سلام مقبول وموثوق.

 

خالد الجندي (معهد بروكينغز)

 

السابق
إستجابة لأمر المرجعية: «قوات أبي الفضل العباس» تعلن النصر وتحلّ نفسها…
التالي
لماذا يكره العرب السعودية ؟

اترك تعليقاً