اخترنا لكم

توقيت هجوم بغداد يثير المخاوف من التقصير الأمني وتصفية الحسابات

يتزايد الجدل في بغداد منذ صباحها الدامي، الخميس 21 يناير (كانون الثاني)، في شأن دلالات توقيت التفجيرين الإرهابيين في ساحة الطيران، فضلاً عن التساؤلات عن الإخفاقات الأمنية.

وأعادت العملية المزدوجة إلى أذهان العراقيين حقبة دموية أسهمت بشكل كبير في تحفيز الخطابات الطائفية وصعود التيارات المتطرفة التي تتبنى تلك الخطابات.

ارتباك الرواية الحكومية

منذ الساعات الأولى للتفجير بدت الرواية الحكومية مرتبكة. وعزز هذا كثيراً من الشكوك والأسئلة عن الحادثة، إذ سارع الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة يحيى رسول إلى إطلاق تصريح قال فيه، إن “القوات العراقية كانت تلاحق انتحاريين فجرا نفسيهما في ساحة الطيران”.

وفي وقت لاحق، فندت وزارة الداخلية تلك الرواية، وقال الناطق باسمها سعد معن، إن القوات الأمنية لم تكن تملك أي معلومات عن الانتحاريين.

أجواء التساؤل والتباين تلك، ألقت بظلالها على الشارع العراقي والباحثين على حد سواء. فعلى الرغم من إعلان تنظيم “داعش” تبنيه التفجير، ما زال هناك من يشكك في إمكانية التنظيم للقيام بتلك التفجيرات من دون تراخي بعض الأطراف الفاعلة”.

وفي ساعة مبكرة من فجر الجمعة 22 يناير (كانون الثاني)، أعلن تنظيم “داعش” مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري المزدوج، الذي استهدف سوقاً شعبية وسط العاصمة العراقية. فيما كشف عبر بيانات على صلة بالتنظيم الإرهابي عن هويتي الانتحاريين اللذين نفذا الهجوم.

وبلغت حصيلة الضحايا، بحسب وزير الصحة العراقي، 32 قتيلاً و110 جريحاً.

وتتزايد المخاوف في الأوساط العراقية من احتمال عودة سيناريو التدهور الأمني والهجمات الإرهابية، التي كانت العاصمة بغداد قد تعرضت لها على مدى سنوات، قبل أن يختفي هذا النوع من العمليات خلال السنوات الثلاث الماضية.

ساحة الطيران والانتخابات

ساحة الطيران ليست جديدة على التفجيرات، فالساحة التي شهدت واحدة من أكبر تصدٍّ لانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) العراقية، التي نفذها مسلحون وقوات حكومية ضد المتظاهرين، كانت قد شهدت بشكل مستمر تفجيرات إرهابية يلمح البعض أن لها طابعاً سياسياً.

وقد استُعيدت في الأيام الماضية، تغريدة للخبير الأمني الراحل هشام الهاشمي، كان قد ألمح فيها إلى علاقة الانتخابات بتفجيرات ساحة الطيران تحديداً.

وكتب الهاشمي تغريدة في 15 يناير 2018، قال فيها، إن التفجيرات الإرهابية في ساحة الطيران خلال الفترات السابقة للانتخابات أو مفاوضات تشكيل الحكومة من 2011 إلى 2018، كان عددها 9 تفجيرات مشيراً إلى أن عدد القتلى أكثر من 158، والجرحى أكثر من 800، وأكد “مع هذا لا تدابير استباقية استخبارية ولا حذراً أمنياً ذكياً”.

ويأتي هذا التفجير بعد ساعات من تحديد موعد للانتخابات المقبلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وهي قضية تثير استياء كثير من الأطراف، التي يرجح مراقبون أن يكون لها ارتباط بعودة العمليات الإرهابية، خصوصاً مع الاتهامات الشعبية بسعي عديد من الأطراف إلى استعادة الأجواء الطائفية قبيل الانتخابات.

تعهدات الكاظمي

في غضون ذلك، تعهد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الجمعة 22 يناير، بعدم السماح بتكرار سيناريو هجوم ساحة الطيران، مؤكداً أنه “سيشرف شخصياً” على معالجة الأجهزة الاستخبارية.

وحمّل الكاظمي خلال الجلسة الاستثنائية للمجلس الوزاري للأمن الوطني القيادات الأمنية مسؤولية الخرق الأمني، مؤكداً “لن نسمح بخضوع المؤسسة الأمنية إلى صراعات بين أطراف سياسية… يجب أن نتعلم الدرس ونتعامل بمهنية عالية في المجال الأمني”.

وأكد أن الأجهزة الأمنية تمكنت خلال الأشهر الماضية من إحباط محاولات يومية لتنظيم “داعش” للوصول إلى بغداد من خلال عمليات استباقية، مضيفاً “لن نسمح بتكرار الخروقات الأمنية”.

وعلى بعد يوم واحد من الهجمات الإرهابية، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب، في بيان، انطلاق عملية بتوجيه من الكاظمي، وإشراف مباشر من جانب رئيس الجهاز عبد الوهاب الساعدي.

وأشار البيان إلى تمكن الجهاز “من الإطاحة بعدد من الإرهابيين في كل من محافظة بغداد في منطقة باب المعظم، ومحافظة الأنبار في عامرية الفلوجة، ومحافظة كركوك في منطقة دور الفيلق”، فيما لفت البيان إلى أن المعتقلين “لهم صلة بشبكات عصابات داعـش المتطرفة ويمتلكون معلومات جيدة عن قادة هذه الشبكات الإرهابية”.

رسائل التوقيت

ويقول المتخصص في الشؤون الأمنية أحمد الشريفي، إن “إمكانية حدوث خروقات وتعطيل الجهد الأمني في تلك المنطقة صعب جداً”، مضيفاً أن “تنظيم داعش متقهقر، ولا يملك القدرة على تنفيذ اختراقات أمنية من هذا النوع من دون وجود تراخٍ من أطراف فاعلة”.

ويشير إلى أن توقيت العمليات الإرهابية يحمل عدداً من الرسائل، أبرزها “أنه يأتي بعد يوم واحد من وصول الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن إلى البيت الأبيض، الأمر الذي يحمل إيحاءً واضحاً بأن الصراع في التوازنات الإقليمية والدولية ما زال حاضراً في العراق”.

وبالإضافة إلى الرسائل الخارجية من التفجير، يلفت الشريفي إلى أن “الرغبة في إضعاف الكاظمي تبدو واضحة، إذ ترغب أطراف عدة في ألا يكون على رأس السلطة خلال الانتخابات المقبلة”. ويتوقع الشريفي أن تشهد المرحلة المقبلة “مزيداً من التراجع الأمني لإسقاط حكومة الكاظمي”.

وعلى الرغم من تبني تنظيم “داعش” التفجيرين، يعتبر الشريفي الدوافع خلفهما “سياسية بحتة”، مردفاً “البحث عن المنتفعين من تلك التفجيرات يعطي انطباعاً عن ضلوع أطراف سياسية في هذا الاختراق الأمني، إذ يشير مكان التفجيرين وتوقيتهما إلى ذلك”.

ويتابع، “بعض اللاعبين الإقليميين في العراق، ربما يستغلون الإشكالات الأمنية للحصول على تسويات مع الإدارة الجديدة في واشنطن”.

ويشدد على ضرورة “الربط بين قانون الانتخابات وتقاسم المناطق طائفياً فيه مع تلك التفجيرات”، لافتاً إلى أنه “عندما يكون التقاسم على مستوى قانون الانتخابات طائفياً، لا بد من تحريك الجوانب الطائفية من أجل إحداث نوع من التعبئة”.

وفي شأن التغييرات الأمنية التي قامت بها الحكومة العراقية، يرى أنها “غير مجدية وخاضعة للمحاصصة”، مشيراً إلى أن الأمن في العراق “قرار سياسي وليس أمنياً”.

ويعبر الشريفي عن اعتقاده أن “منسوب العمليات سيكون مرتفعاً في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي سيزيد من الضغط والحرج بالنسبة إلى حكومة الكاظمي”.

ثغرات أمنية واتهامات متبادلة

في المقابل، يرى مراقبون أن انشغال القوات الأمنية بملف الفصائل المسلحة شغل الحكومة عن التهديد الإرهابي، الأمر الذي أتاح ربما لتنظيم “داعش” استغلال الفراغ الأمني لتنفيذ عملية كبيرة وسط بغداد.

وكانت العاصمة العراقية قد شهدت في الفترات الماضية عديداً من الخروقات في ما يتعلق بالملاحقات التي يتعرض لها ناشطون في الحراك الاحتجاجي، فضلاً عن سلسلة تفجيرات طاولت متاجر الكحول والنوادي الليلية.

في السياق، يرى الكاتب هشام محمد أن “تراكمات الوضع السياسي الذي انعكس على العسكر، إضافة إلى التراخي في قضية ضبط الأمن، أسهما بشكل واضح في تحفيز التنظيم الإرهابي على القيام بعملياته وسط العاصمة”.

ولعل انشغال الفصائل المسلحة في ملاحقات ناشطي الحركة الاحتجاجية، بحسب محمد، ربما يكون قد أسهم إلى حد ما “في إحداث تلك الثغرات الأمنية التي يفترض بتلك الفصائل أن تكون فاعلة في الحد منها”.

وفي شأن المخاوف من عودة الخطاب الطائفي في العراق، يشير محمد إلى أن هذا الخطاب “موجه بالدرجة الأولى بالضد من متبنيات انتفاضة أكتوبر”، ويهدف إلى “العودة للشرعية الفصائلية”، مبيناً أن “الفصائل استغلت هذا التفجير في محاولة لإعادة تشكيل خطوط الفصل والالتقاء اجتماعياً، الأمر الذي ربما يعيدها إلى الواجهة بقوة مرة أخرى”.

اتهامات لطهران

في سياق متصل، سارع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى اعتبار أن تفجير بغداد مخطط لاستهداف طهران. وقال في تغريدة على “تويتر” إن التفجيرات التي حصلت في بغداد تصب في هدف واحد هو “الإيقاع برئيس أميركي آخر في الفخ لإزهاق أرواح الأميركيين وأموالهم بهدف مواجهة إيران”.

لكن الكاتب العراقي يعتبر أن “طهران مستفيدة من استعادة الخطاب الطائفي الذي يعيد تفعيل أوراقها في العراق”، مبيناً أن “أوراق طهران بدأت بالأفول في الفترة الماضية، وفقدت كثيراً من قدرتها على المناورة”.

ويتابع، “إن استعادة الخطاب الطائفي في العراق ستمكن طهران من إعادة تفعيل دور الفصائل الموالية لها وعدم تقويض قوتها، خصوصاً مع تصاعد المطالبات التي وصلت إلى حدود حل هيئة الحشد الشعبي”.

ويختم، “إيران عازمة على فتح حوار مع أميركا يكون مرتكزه العراق، وقد يمثل ضرب الاستقرار في البلاد تحفيزاً لواشنطن للجلوس إلى طاولة التفاوض بشكل سريع”.

ولعل الحديث المتكرر عن العلاقة بين طهران وتنظيم “القاعدة”، عزز الاتهامات لها بالضلوع في التفجير الأخير، إذ كان وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، قد استعرض في 12 يناير 2021، جملة من “الأدلة”، قال إنها تشير إلى علاقة “وثيقة بين إيران وتنظيم القاعدة”.

وقال بومبيو في مؤتمر صحافي إن “متشددي القاعدة كانوا ينشطون في جبال أفغانستان النائية، بينما ينالون رعاية رسمية في طهران”.

وأضاف، “إيران قدمت دعماً لوجستياً سخياً لإرهابيي القاعدة، فأتاحت لهم الحصول على جوازات سفر، وفتحت المجال أمامهم لجمع الأموال للإنفاق على مخططاتهم”.

وأشار بومبيو إلى أن” متشددي القاعدة أصبحوا يستطيعون التنقل في البلاد بشكل سلس ومن دون قيود، منذ عام 2015، أي بالتزامن مع الاتفاق النووي الذي انسحبت منه واشنطن في 2018″.

ووفقاً للتصريحات الأميركية، فإن الدعم الإيراني لا يرتبط بفترات سابقة فحسب، بل ما زال مستمراً. ورصدت الولايات المتحدة مكافأة بحسب بومبيو “لمن يدلي بمعلومات تساعد على الوصول إلى قيادات إرهابية بارزة من القاعدة، مثل المتشدد المعروف بأبي عبد الرحمن المغربي”.

ويبقى الحد من تلك العمليات الإرهابية رهناً بمدى قدرة الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية في ضبط الأوضاع في البلاد، فيما تستمر التحقيقات في الحوادث المشابهة رهينة اللجان.

السابق
صواريخ تضرب مطار بغداد.. والجيش الأمريكي يتصدى لها
التالي
بايدن وطهران ..المهمة أشدّ تعقيداً

اترك تعليقاً