أعلام وتراث

ثقافتنا اللغوية في عصر المغول (1)

هذا البحث هو عبارة عن دراسة تلحظ أثر عصر المغول في العراق، وأنه عصر عصيب لم يجد العراقيون بدّاً فيه من درس بعض اللغات الأعجمية التي إستخدمها الفاتحون في الدواوين وكانوا يتراسلون بها أو يتحدثون ، وأشهر هذه اللغات ثلاث (الفارسية والتركية والمغولية).

 

القسم الأول

فى سنة 1258م استولى المغول على العراق وأزالوا الدولة العباسية من الوجود وذلك بعد إستيلائهم على المشرق وفارس حيث قامت لهم دولة معروفة تسمى “الإيلخانية”وقد تسمى “الإيلية” إختزالاً، وأول من أطلق عليها هذا الإسم المختزل مؤرخ العراق إبن الفوطي، والمغول في الأصل قبائل بدوية جافة مواطنها الأصلية معروفة في الشرق الأقصى، ثم بدأت تزحف وتجتاح مراكز الحضارة الإسلامية منذ مستهل المائة السابعة، ولم يكن لحكامهم بدَّ من الإستعانة في إدارة شؤون هذا الملك العظيم بطبقة ممتازة من أهل البلاد فرساً وأتراكاً وعرباً إلى عناصر أقوام آخرين.

لم يمنع المغول من الأخذ بمقومات الحضارة الإسلامية ولم يعترضوا على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية، ولهذه العلة أخذت بطانة المغول من هؤلاء المسلمين غالباً بصنيع المؤلفين في اللغتين الفارسية والتركية مضافاً إلى العربية وشاع إستعمال لغة المغول نفسها في البلاد التي خفقت عليها رايات الدولة الجديدة وإضطر إلى التخاطب بها عدد غير قليل من العراقيين والناس على دين ملوكهم ولا مناص للمغلوب من تقليد الغالب.

عنيت هذه الطبقة من العراقيين بدرس اللغات الثلاث المذكورة وهي اللغات التي عرفت في العراق على ذلك العهد ولم يقفوا على هذا الحد بل شرعوا بالكتابة والتأليف فيها ومن الطريف أن بعضهم وضع رسائل وكتباً عن فنون اللغات الثلاث وألف آخرون فيها بعض المعجمات.

عرف إثنان من علماء العراق بحذق هذه اللغات الشرقية والتأليف فيها أولهم الأخباري المصنف جمال الدين مهنا، والثاني مؤرخ العراق الفيلسوف المصنف كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد المعروف بإبن الفوطي.

 

جمال الدين بن مهنا

جمال الدين أحمد بن علي بن حسين بن مهنا الحلي العبيدلي المؤرخ المصنف الأديب من أعلام أواخر المائة السابعة في العراق ومن جل مشايخ المؤرخ إبن الفوطي نقل عنه وعن مصنفاته كثيراً في كتابه “تلخيص مجمع الآداب” وبالغ في الثناء عليه والتنويه بذكره ويلقبه “العلامة” وإبن مهنا لهذا ممن عنينا كثيراً بدراستهم والبحث عن سيرتهم وجمع أخبارهم والتنقيب عن مصنفاتهم بين أعلام العراق في الفترة المذكورة وهو جدير بذلك لأنه مصنف مجوّد عُني بتاريخ بلاده في عصر عصيب هو عصر الدولة المغولية، وقد سمى له إبن الفوطي الكتب الآتية:

“وزراء الزوراء” لطائف المعاني في شعراء “زماني” المشجر في الأنساب” وهذه الكتب الثلاثة من مصادر إبن الفوطي في معجماته التاريخية.

 

جلية الإنسان وحلية اللسان

ضاعت جل مؤلفات إبن مهنا ومن جملتها هذه الكتب فلم نظفر بواحد منها حتى اليوم إذا إستثنينا كتاباً لغوياً له وقفنا عليه في الآونة الأخيرة سماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” ويلاحظ أن جمال الدين إبن مهنا من جملة أعلام العراق الذين إختلطوا برجال الدولة المغولية الإيلخانية وإتصلوا بمختلف طبقاتها وأنه تمكن من تلك اللغات التي شاعت في العراق على عهده حتى إستطاع أن يؤلف فيها كتابه المذكور، وفي الكتاب فصول مفيدة عن خصائص اللغات المذكورة ونوادرها وقواعدها ونحوها وصرفها إلى بحوث مقارنة بين العربية وهذه اللغات من النواحي المذكورة.

ويبدو لنا من تضاعيف الكتاب أن إبن منها عُني قبل إستيلاء المغول على العراق بدراسة لغات عدة عدا لغته العربية وأنه تضلع في الدراسات المذكورة حتى جارى أو فاق الحذاق البارعين فيها من أبنائها كما يستفاد من دراسة كتابه المذكور، ومما لا شك فيه أن الفارسية ومن بعدها التركية نالت حظاً من عناية العراقيين في عصر الديالمة ومن بعدهم السلاجقة وسبق ذلك عصر الإنتعاش المعروف في آداب اللغة الفارسية في خراسان وفارس على عهد السامانيين وآل سبكتكين.

لم توجد من هذا الكتاب نسخة في العراق وطن المؤلف وإنما وجدت بعض نسخة في بعض مكتبات الآستانة ودور التحف في الغرب، وعني بعض المستشرقين الروس بنشر بعض أقسامه بين سنة 1900 و1903، وعني بعد ذلك بعض علماء الترك بإقتناء نسخ خطية عدة من الكتاب ومقابلتها، ونشر الكتاب بعد ذلك بإشراف وزارة المعارف التركية وليس في هذه النسخ جميعها ما يدل على إسم الناسخ وتاريخ النسخة، وعلى كل حال لم يظفر هؤلاء بنسخة الأصل من هذا الكتاب لأن المؤلف عني بنسخته وعلّم على مواضع منها بالحمرة كما أشار إلى ذلك (ص 74 من المطبوع) وقد خلط المستشرقون الغربيون وغيرهم في محاولة الإهتداء إلى إسم المؤلف وعصره وتوهم بعضهم أنه من تأليف مهنا بن عيسى أحد أمراء البادية لمجرد الإشتراك في التسمية.

 

محتويات الكتاب

والكتاب يحتوي على ثلاثة أقسام: القسم الأول في اللغة الفارسية الثاني في التركية والثالث في المغولية والغالب أن المؤلف إعتمد على بعض المراجع والكتب المعتبرة المؤلفة في هذه اللغات وهناك كتب أربعة ورد ذكرها فيها، الغالب أنها هي المقصودة بكلمة المؤلف التي ستطلع عليها في المقدمة وهذه أسماء الكتب المذكورة:

1- نادر الدهر على لغة ملك العصر.

2- الكتاب الذي ألفه محمد بن قيس لجلال الدين خوارزم شاه ملك خراسان نقل عنه مرتين.

3- كتاب حلى الملك.

4- كتاب تحفة الملك.

5- كتاب طبائع الحيوان الذي صنفه شرف الزمان الطبيب المرزوي ذكر فيه نواحي الصين والترك للسلطان محمود سنة 418 ويلاحظ أن هذه الكتب الخمسة كلها ذكرت في قسم اللغة التركية من الكتاب.

هذه هي الكتب التي ذكرها المؤلف ويلاحظ أنها من جملة الكتب التي فاتت صاحب كشف الظنون ورد ذكرها في الكتاب وأشار إليها في مقدمته ويقول إبن مهنا في ديباجة كتابه ما يلي: وبعد فقد كنت أستهجن للحافظ المحصل والتاجر المتوصل أن يعري كل منهم نفسه في حال حفظه ودروسه أو حفظه وأنه من تعلم لغة يستعين بها في تغربه وسفره وتطلبه ومتجره. إما لجلب نفعه أو لدفع ضرره أو تحصيلاً لمزية الكمال أو رفعاً لهمته عن العجز والإغفال أو رجاحة على أترابه فإنضاف إلى ذلك تملك قبيلي الترك والعجم قرن الله الفوز والخير بدولتهم لهذه البلاد فتأكدت الضرورة إذ هم حكام البلاد والعباد وسلاطين الحاضر والباد ووضح معنى المثل المسلوك من قولهم؟ الناس على دين ملوكهم فعطفت حينئذٍ على وضع من اللغات قريب الإلتماس بعيد الإلتباس محتوٍ على ثلاثة أقسام متحرياً من كل لغة أكثرها إستعمالاً وأشهرها مقالاً وفي كل أخذاً من الألسنة الفصيحة والكتب الصحيحة.

هذا بعض ما قاله جمال الدين إبن مهنا في مقدمة كتابه وقد قسم المؤلف قسم اللغة الفارسية على ثمانية وعشرين باباً تتخللها فصول: أولها أسماء الله تعالى إلى فصول في قواعد هذه اللغة وفي شواذ الألفاظ والأمثال الفارسية ذكر قواعد الجمع والتصغير والنسب والنفي والسلب والمفاضلة والتنكير والتعريف والإضافات وعقد الفصل الثاني عشر في الحروف الزائدة جاء فيه “أعلم أن في اللغة الفارسية حروفاً لا يؤمن على متعلمها من الكتاب أن يخفف مثقلها أو يثقل مخففها وأجدر بالعربي ذلك لأنها ليست في كلام العرب فإن أخلت بضبطها بُعد المعنى بل فسد وتلك الحروف: خمسة الجيم والزاي والفاء والياء والكاف” ورسم المؤلف تحت كل من هذه الحروف ثلاث نقط للتفريق بين صورها وصور الحروف العربية كما عقد فصلاً عن الحروف الناقصة في الفارسية قال فيه: أعلم أن حروف اللغة الفارسية تنقص عن حروف اللغة العربية سبعة أحرف لا توجد في كلام العجم أربعة منها مضطردة متجانسة وهي الصاد والضاد والطاء والظاء وثلاثة منفردة وهي “العين والثاء والقاف”.

 

قسم اللغة التركية

وهو يتلو قسم اللغة الفارسية وفي هذا القسم أبواب وفي كل باب فصول وفيه بحوث في هجاء اللغة المذكورة وفي نواقص – حروفها عن حروف هجاء العربية وفي إنفراد التركية عن العرية بزيادة خمسة أحرف لا توجد في العربية وهي “ب ج ر ف لُ” وعلامة هذه الحروف ثلاث نقط مثناة رسم تحت الحرف بشكل نقط التاء ثم أشار المؤلف إلى صور النطق لهذه الحروف فقال “والنطق بحروف الكاف التركية كما ينطق البدوي بعقد القاف” وفي آخر هذا الفصل قال إبن مهنا “أعلم أن اللغة التركية منشأها بالأصالة عن أهل تركستان كما العربية عن أهل الحجاز وشأن النطق بها سرعة التكلم وإنطلاق النطق وإختلاف الحروف وقلة المد وكثرة الهمز وأعلم أنك لا تجد في اللغات لغة أكثر إبدالاً للحروف المتقاربة المخارج من لغة الترك ولا أكثر إمالة وإشماماً للحركات” قال إبن مهنا ذلك وإنتقل بعده إلى إيراد شواهد وأمثلة من هذا الباب تدل على تبحره في فنون اللغة المذكورة.

 

قسم اللغة المغولية

وهذا القسم يشتمل على خمسة وعشرين باباً تتخلله فصول وهو أبسط الأقسام والبحوث في القواعد العامة في هذا القسم قليلة إذا إستثنينا نتفاً في أحوال الأفعال والضمائر في اللغة المغولية ومعظم القسم المذكور مخصص لذكر الأسماء والأفعال في اللغة المذكورة قال إبن مهنا في آخر هذا القسم وهو خاتمة الكتاب “أعلم أن الأعاجم تأخذ ألفاظاً كثيرة عن العرب تستعملها في لغتها والترك تأخذ عن الأعاجم ما تدخل في ألفاظها أو ما لا يكون له مسمى عندهم أو متعذر الوجود ولسان المغول يتداخله كثير من الألفاظ التركية وكذلك حال الأرمن والكرج في أخذهم ألفاظاً كثيرة من الروسية وجميع ذلك أو يناسبه إنما هو لقرب المجاورة وكثرة المحاورة وإجتذاب الأقل من الأكثر طلباً للتمام والكمال”.

(الشيخ محمد رضا الشبيبي عضو المجامع العلمية في بغداد والقاهرة ودمشق)

بحث ألقي في دورة المجمع اللغوي الرابعة والعشرين عن مجلة العرفان اللبنانية الصادرة سنة 1959م- المجلد السابع والمجلد السابع والأربعون.

السابق
توقع نهاية حكم مسعود برازاني غدا
التالي
ثقافتنا اللغوية في عصر المغول (2)

اترك تعليقاً