أعلام وتراث

ثقافتنا اللغوية في عصر المغول (2)

القسم الثاني

كانت الفارسية إحدى اللغات التي عولوا عليها في الدواوين وفي كتابة الرسائل وألفت فيها كتب غير قليلة في الفترة المذكورة بيد أنها لم تلحق شأو العربية في ذلك، وجاءت التركية بعد الفارسية وكثر إستعمال المغول وغيرهم لها في الأحاديث والمخاطبات لكثرة عدد الألفاظ التركية الواردة في كلام المغول، أما المغولية فكانت لغة رجال الجيش والقادة وفريق من ذوي المناصب والغالب أن المغول من هذه الطبقات كانوا حريصين حرصاً شديداً على الإحتفاظ بلغتهم في الحديث والمخاطبات فإنها لغة تلك القبائل البدوية الغازية التي إجتاحت الشرق من بخارى وتركستان فيما وراء النهر ثم عبرت في موجات جارفة إلى بلاد خراسان وفارس وأذربيجان والروم والعراق إلى إقليم حلب والشام ولم تكن هذه اللغة صالحة للكتابة والتأليف كما هو الحال في الفارسية والتركية وإن كانوا يكتبون أحياناً بها في ذلك العهد ولكن الضرورة لجأت فريقاً من أبناء العراق إلى تعلم اللغة المغولية المذكورة كما ألجأت أخرى إلى حذف الفارسية والتركية.

إشتهر إثنان من إعلام العراق الذين وصلت إلينا تآليفهم بحذف هذه اللغات.

أولها: إبن مهنا وقد مضى التعريف به وبكتابه النفيس الذي أسماه “حلية الإنسان وحلية اللسان”وهو في جملته بحث مقارن دقيق في هذه اللغات يدل على حذق ومهارة وإحاطة تامة بفنون اللغات المذكورة.

أما العالم الثاني من علماء العراق الذين دلت مصنفاتهم على تبحرهم وحذقهم لهذه اللغات الثلاث فهو مؤرخ العراق كما الدين عبد الرزاق أحمد بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بإن الفوطي وقد أفردت لترجمته والبحث في سيرته والتعريف بصفاته كتاباً يقع في ثلاثة أجزاء هذا ولم يكن إبن الفوطي مختاراً في تعلم تلك اللغات إلى حد الإحاطة بهذا وبلهجتها وخصائصها وآدابها وإنما تعلمها بعد وقوعه أسيراً بأيدي المغول في واقعة بغداد فأبعد عن العراق وخافط المغول فصار يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ويعيش في معسكراتهم أو ثكناتهم ومعنى الأسر في تلك العصور لا يعدو الإستعباد ومعنى الأسير المستعبد المكدود.

هكذا بقي إبن الفوطي الأسير فترة من الزمان تعلم فيها المغولية والتركية. وكان قبل ذلك عارفاً بالفارسية والظاهر أن المسلمين من رجال الديوان في الدولة الإيلخانية المغولية فظنوا إلى عناء الأسرى العراقيين المستعبدين في معسكرات المغول فعنوا بإنقاذهم أو بإنقاذ من تمكنوا من إنقاذه منهم وكان إبن الفوطي في جملتهم وحينما توسموا فيه الذكاء النادر والإجتهاد البالغ ألحقوه بمعاهدهم العلمية وكان لنصير الدين الطوسي اليد الطولى في تعليمه وتخريجه في العلوم والفنون الرياضية والفلسفية وإكبابه على التصنيف وإنقطاعه للبحث والدراسة حتى خرج عنه عدد لا يستهان به من أنفس المؤلفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية وأشهر مصنفاته كتابه الذي سماه “مجمع الآداب” لخصه في نحو ستة أجزاء من أصل خمسين مجلداً وقع إلينا منها جزآن نادران بخط المؤلف نفسه.

على ما وقع إلينا من أجزاء هذا الكتاب عولنا في دراسة عصر المغول في العراق ومميزات العصر المذكور فإن إبن الفوطي رسم لنا صورة حية من تاريخ العراق وأحواله الإجتماعية والثقافية والسياسية.

يترجم إبن الفوطي في معجمه لعدد من حذقة اللغات الأعجمية الثلاث منوهاً ببراعتهم وحذقهم فيها وأكثرهم من كبار رجال الديوان والأعمال في عصره وممن أسندت إليهم المناصب العليا في الدولة من علمية وإدارية وسياسية وفيهم جماعة من العراقيين أو نزلاء العراق من جوالي الترك والفرس والمغول.

وكان إبن الفوطي نفسه يجيد التحدث والكتابة في اللغات الأعجمية المذكورة وخاصة اللغة الفارسية بل كان يعاني النظم في اللغة المذكورة وفي معجمه أمثلة من نظمه في تلك اللغة وما من شك في أنه كان يحسن التحدث باللغتين التركية والمغولية وشأنه في ذلك شأن أستاذه إبن مهنا إن لم نزد عليه وفي معجمه ما يدل على أن خبرته تناولت معرفة اللهجات المغولية والتركية على إختلافها وتعددها ومعنى ذلك أنه مارس المغول وإندمج في بيئتهم ولولا أنه وهب دقة الملاحظة ولطف النظر لما رأينا له تلك الخبرة في اللهجات اللغوية والأمثلة على ذلك غير قليلة في معجمه من ذلك ما قاله في ترجمة غزال عراقي يتكلم المغولية وهذا نصه:

“جمال الدين أبو المحاسن أحمد يعرف بإبن الشديدي له نظم حسن وكان يلبس القميص والقباء” ومعنى قوله هذا أن زيهم في مراغة وأذربيجان كان زي المغول هو السراويل والصدريات المتخذة من اللباد والفراء والصوف فلا قميص ولا قباء في بلاء المغول ومعنى ذلك أيضاً أن إبن الشديدي المذكور كان محافظاً على زيه القومي في ديار العجم. وقال إبن الفوطي بعد ذلك عن إبن الشديدي ما هذا نصه: “وكان يتكلم المغولية بدون تفخيم الألفاظ من غير معرفة بها” ومعنى هذا القول أن منطق المغول يتميز بتفخيم الألفاظ ولا يلاحظ ذلك إلا من كانت له خبرة بلهجة المغول وفي آخر هذه الترجمة يقول إبن الفوطي “ذكرته في التاريخ” وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة 675.

ويقول أيضاً في ترجمة مظفر الدين فتلغ إبن إبراهيم يعرف بشحنة حربي نزيل بغداد التركي الأمير الترجمان “شاب كيس وهو من أولاد الأمراء وهو الترجمان في الديوان يترجم الكلام التركي والإيغوري والفارسي باللغة العربية الفصيحة والعبارات المترجمة الصحيحة رأيته وهو دمث الأخلاق”.

 

كفايات نادرة

وفي ترجمة فخر الدين محمود بن محمد الخوارزمي يقول إبن الفوطي كان من أعيان وزراء جنكيز خان وعليه مدار الملك في المشرق وإليه تدبير ممالك تركستان وبلاد الخطا، “وقد تكتب الخناء بالقاء” وما وراء النهر وخوارزم وكان مع هذا الدعاء كاتباً سديداً يكتب بالمغولية والخوارزمية والتركية والفارسية الخطائية، (لهجة من لهجات تركستان) والهندية والعربية وكان غاية في الفهم والذكاء والمعرفة وبتدبيره السديد إنتظم للمغول ملكهم، وختم إبن الفوطي ترجمة هذا الوزير بالإشارة إلى ذكر والده برهان الدين.

 

إبن الفوطي وآداب اللغة الفارسية

للعراقيين إلمام باللغة الفارسية أكثر من أي لغة شرقية أخرى، وإلى رابطة الجواز وغيرها من الصلات التجارية والإقتصادية مرد عناية من عني منهم باللغة المذكورة والواقع أن درس الفارسية في العراق قديم يرجع إلى عصر الفتوح الإسلامية بل إلى أبعد من ذلك أي إلى عهد الساسانيين في العراق قبل الإسلام وفي تاريخ المناذرة ملوك الحيرة وصلاتهم بالفرس شواهد كثيرة على ذلك ومن هذه الناحية نلاحظ أن عدد الألفاظ الفارسية المعربة تربو على عدد الألفاظ المعربة من الهندية والإغريقية والسريانية والعبرية والحبشية.

فلا عيب إذا شاع إستعمال الفارسية أكثر من غيرها في عصر المغول وغيره من العصور ولا بدع إذا ظهر من العراقيين نقلة وتراجمة حذاق من هذه اللغة إلى العربية وبالعكس وهكذا قل في اللغتين التركية والمغولية في عصر المغول.

حذق إبن الفوطي لغة الفرس حذقاً تاماً وإطلع على آدابها نظماً ونثراً كما يبدو لنا ذلك واضحاً من مواضيع كثيرة في معجمه فهو يذكر شعراء الفرس وأدباءهم مشيراً إلى مميزات كل واحد منهم وخصائص أدبه ويترجم لهم ويذكر أيضاً مفاوضته ومذكرته لهم بالفارسية والأمثلة على ذلك كثيرة فيما وصل إلينا من أجزاء معجمه المسمى (تلخيص مجمع الآداب) من ذلك ما كتبه في المعجم عن هبة الله بن همكر الوزير الشيرازي قائلاً “رأيته بحضرة مولانا نصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي وهو – يعني هبة الله الشيرازي – مليح الهيئة حسن الشكل خدم في ديوان أتابك صاحب شيراز وله ديوان حسن في جميع الفنون كتبت عنه بالرمد سنة 670 وسألته هل نظم شعراً بالعربية؟ فقال لا. ومعنى هذا أن ديوان إبن همكر الذي إطلع عليه، نظم باللغة الفارسية وأن إبن الفوطي فاوض صاحبه باللغة المذكورة .

قرأ إبن الفوطي أضخم مجموعة شعرية من دواوين شعراء العجم المعروفة في عصره ورسائل المترسلين بالفارسية قلما قرأها غيره ولا نستثني من ذلك كله أدباء الفرس أنفسهم وفي جملة هذه المجموعة الشعرية الصخمة دواوين لأشهر شعرائهم في عصور الساسانيين والسلاجقة وعصور المغول بعد ذلك وهو يعني بذكر هذه الدواوين ديواناً وكتاباً كتاباً.

وما أكثر الأمثلة على ذلك في كتابه فهو يقول في ترجمة كريم الدين إبن إبراهيم السروري من رؤساء أذربيجان ما يأتي “رأيته بسراو وكان قد حصل لي بخدمته أنس وحمل إلى مدة إقامتي بسراو دواوين العجم كديوان (المعزى) من شعراء مالك شاه السلجوقي وعدد أبياته خمسة عشر ألف بيت (اللامعي) إلى غير ذلك وهي دواوين ومجامع شعرية معروفة في تاريخ آداب اللغة الفارسية أكب إبن الفوطي على قراءتها لما كان نزيل (سراو) من بلاد أذربيجان.

والخلاصة جاءت بحوث إبن الفوطي عن أولئك الشعراء وعن الأدب الفارسي بشكل عام متميزة بالدقة موسومة بالعمق والتحقيق فلا نبالغ إذا قلنا إن صاحبنا كان إماماً يرجع إلى رأيه في آداب اللغة الفارسية.

هذا قليل من كثير في الشواهد الواردة في معجم إبن الفوطي على تضلعه في آداب تلك اللغات الأعجمية وفي وسعنا مضاعفة الشواهد المذكورة ولكنا نكتفي بهذا المقدار الآن والسلام عليكم ورحمة الله.

(القسم الثاني من بحث للشيخ محمد رضا الشبيبي عضو المجامع العلمية في بغداد والقاهرة ودمشق ألقي في دورة المجمع اللغوي الرابعة والعشرين. عن مجلة العرفان اللبنانية الصادرة سنة 1959م- المجلد السابع والمجلد السابع والأربعون.)

 

 

السابق
ثقافتنا اللغوية في عصر المغول (1)
التالي
بنود مسودة بارزاني المرسلة الى برلمان كردستان:ابقاء الصلاحيات الكبرى عند عائلة البرازاني

اترك تعليقاً