اخترنا لكم

جريمة الصدريين: الطريق إلى حكم العراق

يبدو أن التيار الصدري اختار أن تمرّ مساعيه الهادفة لتمهيد الطريق أمامه للوصول إلى الحكم، على دماء وأجساد المحتجين العراقيين. وقد كلف نفسه منذ أول من أمس العمل على وأد الاحتجاجات العراقية قبل الانتخابات المبكرة المرتقبة في يونيو/حزيران المقبل، وسط ضوء أخضر ضمني من حكومة مصطفى الكاظمي، دعمته مؤشرات عدة ليس أقلها اكتفاء القوات الأمنية بمراقبة اعتداءات الصدريين على المحتجين وإحراق الخيام على مدى أكثر من 12 ساعة، يضاف إليها محاولة تزييف الحقائق والحديث عن “صدامات بين المحتجين” وعدم التطرق إلى حدوث اعتداءات بحقهم. وينظر التيار الصدري، كما باقي القوى الحزبية العراقية، إلى ساحات الاحتجاج بوصفها مصدر خطر عليهم، مع اقتراب موعد الانتخابات، خصوصاً أنها لا تزال قادرة على تمثيل مطالب العراقيين ورفع صوتهم.
وحشد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أنصاره، أول من أمس، لإحراق الساحات، بذريعة إقامة تظاهرات وصلاة موحدة لتأييد إعلانه سعيه للحصول على الأغلبية البرلمانية في الانتخابات المبكرة المقبلة، وتشكيل الحكومة الجديدة. وبالفعل ما إن انتهت هذه الصلاة، حتى بدأ أنصار الصدر مهاجمة عدد من ساحات الاعتصام والتظاهر جنوبي العراق، والتي قاومت الشهر الماضي مساعي الحكومة لفضها، على غرار ما حدث في ساحة التحرير ببغداد. وأسفر هجومان في مدينتي الناصرية والرفاعي، امتدا من أولى ساعات مساء الجمعة الماضي وحتى قرابة الساعة الخامسة من فجر أمس السبت، عن مقتل سبعة متظاهرين، وجرح نحو 90 آخرين، في حصيلة قابلة للارتفاع على خلفية مهاجمة مسلحين من أنصار الصدر الساحات التي يحتشد المتظاهرون فيها، وفتح النار من أسلحة خفيفة. وجاء هذا وسط حالة من التفرج التام اتخذتها قوات الأمن العراقية التي كانت تحيط بالساحات، مع تسجيل ثلاث هجمات طاولت ناشطين في الكوت مركز محافظة واسط، والعمارة المجاورة، بواسطة عبوات ناسفة استهدفت منازلهم.

كسر مئات المتظاهرين حظر التجوال وعادوا إلى ساحة الحبوبي

وتزامن الاعتداء الجديد على المتظاهرين في الناصرية، العاصمة المحلية لمحافظة ذي قار، مع الاستعدادات لإحياء الذكرى الأولى لمجزرة الناصرية التي نفذت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني العام 2019، وأدت إلى مقتل وجرح العشرات من المتظاهرين إبان حكومة عادل عبد المهدي. وكان المتظاهرون يحشدون للمطالبة بالكشف عن قتلة المتظاهرين وإلزام حكومة الكاظمي الإيفاء بوعود تقديمهم للقضاء.
إحراق خيم المعتصمين
وأحرق أنصار الصدر، أول من أمس، كل خيم المعتصمين في ساحة الحبوبي وسط الناصرية، التي اعتبرت خلال الأسابيع الماضية الساحة البديلة للمتظاهرين عن بغداد. وصدرت بيانات من لجان تنسيقية تعلن انتقال نواة الاحتجاجات العراقية للناصرية مؤقتاً بعد إنهاء الحكومة العراقية الاحتجاجات في ساحة التحرير في بغداد. وتناقل متظاهرون مقاطع مصورة، بثت على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر خلو الساحة من الخيم، بعد أن ظلت لعام كامل مصدر احتجاج ورفض.تقارير عربية

واتهمت اللجان التنسيقية لمتظاهري ساحة الحبوبي في الناصرية، في بيان أمس السبت، قوات الأمن بالتواطؤ مع أنصار الصدر في الهجوم على الساحة وقمع المحتجين. وطالبت الكاظمي بالاستقالة، ومرجعية النجف والأمم المتحدة التدخل لحمايتهم. وأضافت “حدثت هذه المجزرة أمام أنظار القوات الأمنية بكل صنوفها، ولم تقدم أي حماية لساحة الحبوبي، وكأنما الأمر تم باتفاق بين الطرفين. هذه المليشيات سيطرت سيطرة مطلقة على مركز المحافظة بأسلحتها، واستطاعت إسقاط المدينة بيدها، والقوات الأمنية والحكومة المركزية والمحلية بوضع تفرج غريب”. واستطاع مئات المتظاهرين كسر حظر التجوال الذي أعلنته الحكومة في الناصرية، وعادوا إلى ساحة الحبوبي. كما قام متظاهرون بقطع جسر الحضارات، وتقاطع بهو الإدارة المحلية، بالإطارات المحترقة احتجاجاً على قتل المتظاهرين.
تحضير لعودة الاحتجاجات
في هذه الأثناء، أكد ناشطون جنوبي العراق، أن حراكاً واسعاً بدأ فعلاً بين لجان تنسيق في عدة مدن بغية التنسيق لاستئناف التظاهر وإعادة الحياة لساحات الاحتجاج رداً على ما وصفوه بـ”غزوة التيار الصدري”. وأشار الناشط أحمد الناشي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى استعداد اللجان التنسيقية في كربلاء والنجف والبصرة لعودة الاحتجاجات، تنديداً بجريمة قمع متظاهري الناصرية. وأضاف أن “الأوضاع ملتبسة في بغداد، وساحة التحرير تحت سيطرة مليشيات وأنصار الصدر، لذا نأمل أن يعود الحراك للجنوب أولاً رداً على القمع المليشياوي”، وفقاً لقوله. وانتشرت قوات عراقية بشكل مكثف في محيط ساحة اعتصام الكوت في محافظة واسط، التي اقتحمتها قوات عراقية ليل الجمعة – السبت وأزالت خيم المعتصمين فيها، خشية من تجدد الاحتجاجات، فيما توفي، أمس السبت، متظاهر أضرم النار بنفسه في الكوت.
وأكد حساب “صالح محمد العراقي”، الذي يقدمه التيار الصدري على أنه “وزير الصدر”، الهجوم على ساحة الحبوبي، مضيفاً عبارة “تنظيف ساحة الحبوبي”. وقال، في خطاب موجه إلى عناصر التيار الصدري، “الآن أيها الشجعان استمروا بالتنظيف، لإرجاع الحياة الطبيعية وإرجاع هيبة الدولة”. وتكمن أهمية الناصرية، التي تعرف محلياً على أنها عاصمة الشيوعيين في الجنوب العراقي والمدينة التي أثرت العراق بشخصيات ثقافية وأدبية وسياسية مهمة على مدى العقود الماضية، في كونها محركاً لباقي مدن الجنوب العراقي في الاحتجاجات الأخيرة وانتزعت الصدارة من بغداد والبصرة. وأيضاً كونها مدينة في محافظة ذات كثافة سكانية عالية، وهي محط تنافس الأحزاب في كل انتخابات منذ العام 2003 ولغاية الآن.

عقب انتهاء تصفية المحتجين في الناصرية، أثنى الصدر على أتباعه  

ويسعى الصدر لاستهداف تظاهرات ذي قار، وإنهاء الوجود الاحتجاجي فيها، كونها الأسخن. وقد انطلقت منها أولى حملات الرفض للصدر والتيار الصدري، من خلال الهتافات الساخرة، ومنها ما وصف الصدر بـ”صقر فويلح”، وهو لقب مأخوذ من مثل عراقي عن الشخصية المتقلبة بالمواقف. كما أن هتافات أزعجت الصدر كثيراً خلال الأشهر الماضية، كان مصدرها المتظاهرين في مدينة الناصرية، مثل هتاف “شلع قلع والقالها وياهم”، بمعنى أن الصدر صاحب مقولة “شلع قلع”، هو مشمول أيضاً بالترحيل من العمل السياسي.
الصدر يثني على أتباعه
وعقب انتهاء عملية تصفية المحتجين في الناصرية، أثنى الصدر على أتباعه. وكتب، في تغريدة وجهها لهم، “لقد أثبتم أن العراق عراق المرجعية، عراق الصدرين، عراق يطاع فيه الله تعالى، عراق لا يتحكم فيه من خالف الحدود، وعراق لا تتحكم به ثلة من الفاسدين والمنحرفين”. وأضاف “اليوم اعتراني الأمل بأن تكون الانتخابات القادمة بيد الصالحين، ليُخلصوا العراق من كل المسيئين من الداخل والخارج. فلا احتلال ولا إرهاب ولا تطبيع، ولا فقر ولا ترهيب، بل دولة قوية وشعب أبي”.
وفي السياق، قال الناشط البارز من مدينة الناصرية علي الغزي، لـ”العربي الجديد”، إن “الصدريين تعمدوا الإساءة إلى المتظاهرين والمعتصمين في ساحة الحبوبي. وصاروا يهتفون ضدهم، ضمن ممهدات الاستفزاز قبل أن يقوموا بالهجوم بزجاجات حارقة أتت على الخيام. وعند محاولة منعهم كانت عملية فتح النار على الممانعين لعملية حرق الخيام”. ولفت إلى أن “الصدر خلال الأشهر الماضية سعى كثيراً إلى إنهاء الاحتجاجات في ذي قار على طريقة إنهاء التظاهرات في مدينة النجف، لأن الناصرية هي الأكثر سخونة، ومنها انطلقت أكثر الحركات الاحتجاجية الغاضبة”. وأوضح أن “الصدر يستعد للانتخابات على حساب دماء العراقيين، ويحتمي برئيس الحكومة مصطفى الكاظمي الذي لم يتمكن من حماية المحتجين، وبالتالي سقطا معاً في جبّ الظلم والقتل والاغتيال، ولن يتمكنا من الحصول على ثقة العراقيين، وتحديداً في جنوب العراق، بعد سلسلة الجرائم التي ارتكبتها الحكومة بالشراكة مع التيار الصدري”.
وفي الرفاعي المجاورة للناصرية، سجلت دائرة صحة المدينة إصابة 23 متظاهراً جراء هجوم مماثل لأنصار الصدر على ساحة الاعتصام أمس الأول. وقال الناشط حيدر نومان، لـ”العربي الجديد”، إنه تم إحراق الخيام في الساحة وتم تجريف الصور والمنصة والإنارة بالجرافة من قبل أنصار الصدر. وبين أن قوات الأمن لم تتحرك، واكتفت بالتفرج، في خطوة لا يمكن تفسيرها غير أنها خوف أو تأييد لما قام به أتباع مقتدى الصدر.
هجوم بأبعاد انتخابية
من جانبه، اعتبر السياسي العراقي غيث التميمي، في حديث لـ”العربي الجديد”، هجوم الصدريين على ساحة الحبوبي في الناصرية بأنه ذو أبعاد انتخابية، لأن الصدر يدرك بأن التظاهرات عقبة أمام مشروعه، كونها مدنية وتريد إحداث تغيير فعلي. وأشار إلى أن “عملية فض الصدر للاحتجاجات في الناصرية كانت على طريقة المليشيات الولائية، التي استهدفت المتظاهرين في بغداد عبر القنص والقنابل الدخانية والاختطاف والاغتيالات”. وأكد أن “تبريكات الصدر للجرائم وقتل الناشطين والمتظاهرين، جعلته يخسر أكثر مما يربح خلال اليومين الماضيين، فقد كان يظن أن الصلاة الموحدة ستوحد أنصاره، إلا أن كثيراً من أنصاره انسحبوا من التيار بسبب الدموية في تغريدات الصدر وتعطشه للدماء، وكذلك كتابات المدعو صالح محمد العراقي”.
وكالعادة، لم يكن أمام الحكومة العراقية غير اتخاذ نفس الإجراءات الروتينية في التعامل مع المشاكل والجرائم. وأمر الكاظمي بتشكيل لجنة تحقيقية بالأحداث الأخيرة في الناصرية، وإعلان حظر تجول في المدينة، وإقالة قائد الشرطة اللواء حازم الحازم. إلا أن الاحتجاجات لم تتراجع، وعادت من جديد صباح أمس، من دون وجود للتيار الصدري، وكثافة في التواجد الأمني لقوات الجيش والشرطة. وقال زياد جاسم اللامي، أحد جرحى حادثة الاعتداء على ساحة الحبوبي في اتصال هاتفي من مستشفى الحبوبي العام مع “العربي الجديد”، إنهم لم يكونوا يتوقعون فتح النار عليهم. وأضاف اللامي، الذي أصيب برصاصة في فخذه، أنهم كانوا يحاولون منع حرق خيمتهم عندما بدأ إطلاق الرصاص عليهم بشكل أفقي، مع شعارات دينية وأخرى خاصة بالتيار الصدري يرددونها دوماً. وبين أن الشرطة اكتفت بنقل الجرحى للمستشفى بسياراتها ولم تحاول منعهم من الهجوم.
في المقابل، رأى مرصد “أفاد” الحقوقي العراقي في الهجوم الجديد على المتظاهرين واحدة من أبرز وجوه التواطؤ الحكومي مع قوى سياسية فاعلة في البلاد، ويمكن أن تندرج ضمن مساعي انتخابية مبكرة لاجهاض أي مسعى لحراك سياسي شبابي مدني في البلاد. وطالب، في بيان، “رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بالتخلي عن مسرحيات اللجان التحقيقية الوهمية، التي امتازت بها حكومته وباتت غطاءً للقتلة والمجرمين، وأن يلتزم بتعهداته في حماية المتظاهرين والإعلان عن ملابسات إزهاق أرواح المدنيين العزل على يد مليشيات مسلحة تتجول تحت غطاء الدولة والنظام السياسي في البلاد”.
وتواصلت “العربي الجديد”، مع نائب من تحالف “سائرون” في البرلمان العراقي، والمدعوم من الصدر. وقال إن “الصلاة الموحدة كان هدفها تجميع التيار الصدري، ومعرفة مستوى الانضباط والحضور الجماهيري للصدريين، بعد أن شككت بعض الكتل والتيارات السياسية بتراجعه، وهي غاية انتخابية على الأكثر”. وبين أن “الدعاية تحوّلت إلى معركة بين المتظاهرين وأنصار الصدر. وما حصل في الناصرية قادته العواطف ولم تقده الحكمة. هناك أخطاء سجلها التيار الصدري، خلال اليومين الماضيين، على نفسه، وسيعمل على تحقيقها لإعادة الثقة بين الناشطين والصدريين. وهذا لا يعني أن المتظاهرين لم يستفزوا التيار الصدري بهتافاتهم ضد جهة جماهيرية ودينية لشريحة كبيرة من العراقيين، وهو الصدر”.

العربي الجديد

السابق
الكاظمي يرسل قوات إلى ذي قار لـ”فرض القانون وحماية المتظاهرين السلميين”
التالي
مقتل العالم الإيراني ومخاوف العراق من “أسابيع ترامب الأخيرة”

اترك تعليقاً