اخترنا لكم

حرب الخليج الثالثة؟ وهم واشنطن بتغيير النظام الإيراني هو عودة للثمانينيات

يسبب الخطاب العدائي لإدارة ترامب تجاه إيران عدم ارتياح إلا أن قراءة اكثر دقة لتصاعد الحرب الكلامية بين أمريكا والجمهورية الإسلامية تبين أن ما يجري ليس خروجا جذريا عن القاعدة
تقوم الولايات المتحدة بشكل منهجي بتصعيد الضغط على إيران سواء على المستوى الخطابي أو العملي. في آخر تحرك عدائي من قبل الولايات المتحدة، تم فرض عقوبات على 18 جماعة وأفراد إيرانيين في قضايا لا علاقة لها بخطة العمل الشاملة المشتركة، أي الاتفاق النووي التاريخي في تموز (يوليو) 2015.
على المستوى الخطابي، يبدو أن إدارة ترامب تبنت حكاية إدارة جورج دبليو بوش بتغيير النظام ، حيث اقترح وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أن السياسة الأميركية تجاه إيران سوف تتجه جزئيا إلى التغيير “السلمي” للنظام.
مع حشد الكونجرس الأمريكي ووسائل الإعلام بشكل كامل ضد إيران، تواجه إدارة ترامب معارضة داخلية صغيرة لتصعيد حربها الكلامية مع الجمهورية الإسلامية. السؤال الرئيسي هو ما هي العواقب العملية لتكثيف الضغط على إيران؟
إن حكاية تغيير النظام قدعفا عليها الزمن وأصبحت أكثر من خيالية، لا تملك الولايات المتحدة أي أمل في إزالة الجمهورية الإسلامية، إلا إذا قامت بشن غزو شامل لإيران .ولكن حتى ولو كان ذلك أقل بكثير من هذا الهدف الأقصى ، فإن الخيارات الأمريكية الحربية محدودة.

وخلافا لما يقوله بعض المحللين، فإن الولايات المتحدة وإيران ليستا على طريق الحرب ومن المؤكد هناك تدهور حاد في العلاقات ولكن كله مضمون، ولكن حتى لو انهار الاتفاق النووي التاريخي بسبب استفزازات إدارة ترامب، هناك الفروق الدقيقة الكافية في العلاقات بين الولايات الامريكيه وإيران – فضلا عن كتلة حاسمة من اصحاب الرؤوس الباردة – لمنع الصراع العسكري الشامل.

العداء الدائم
أكثر من أي شيء آخر فإن اصرار النظام الأمريكي على “تغيير النظام” في إيران يؤكد صحة اعتقاد قادة إيران بمعاداة الولايات المتحدة . وهناك سبب لقيام الجمهورية الإسلامية وأنصارها بترديد “الموت لأمريكا” منذ ما يقرب من أربعة عقود. الموقف الأمريكي المتطرف يؤكد صحة اعتقاد الإيرانيين بأن أمريكا لم تتقبل التداعيات الكاملة للثورة الإيرانية، التي غيرت بشكل جذري وجه ايران الجيوسياسي من أحد الحلفاء التابعين للولايات المتحدة إلى قوة إقليمية مستقلة.
ولهذا السبب حذر الزعيم الإيراني آية الله علي الخامنئي باستمرار وعلى مدى ربع قرن الحكومات الإيرانية المتعاقبة من اظهار اي ثقة تجاه الولايات المتحدة.
كانت آخر مرة تعاونت فيها حكومة إيرانية مع الولايات المتحدة عندما تعاونت الإدارة الإصلاحية للرئيس السابق محمد خاتمي بشكل جزئي مع الولايات المتحدة في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان في خريف عام 2001. وكان الرد الأمريكي المباشر وصف جورج دبليو بوش لإيران بأنها جزء من “محور الشر” فى خطاب الاتحاد فى اواخر يناير عام 2002.
ولكي نقدر تماما تطرف خطاب “تغيير النظام” فيما يتعلق بإيران، من المفيد أن نلاحظ أن الولايات المتحدة قد ذكرت صراحة أنها لا تسعى لتغيير النظام في كوريا الشمالية، وهو نظام على عكس إيران يشكل تهديدا مباشرا على أمن الولايات المتحدة.
وسيستغل المتشددون الايرانيون والمعارضون لتحسين العلاقات مع الغرب بشكل عام الاعلان الاميركي الاخير حول كوريا الشمالية من اجل ضرب خطة العمل المشتركة التي تمنع ايران من تطويرقوة ردع لأي عدوان أميركي محتمل في المستقبل المنظورعلى الاقل.
وسوف يلفت منتقدو الاتفاق النووي من الايرانيين الانتباه إلى أنه على خلاف إيران، تمتلك كوريا الشمالية أسلحة نووية وتعمل بشكل مطرد على تطوير القدرة على ايصالها إلى عمق الأراضي الأمريكية عبر الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
بغض النظر عن الخطاب، فإن الحديث عن تغيير النظام يعكس سوء فهم عميق في الولايات المتحدة فيما يتعلق بطبيعة وصلابة النظام السياسي الإيراني. إن سخافة الموقف تخفف بشدة من دعوة تيلرسون إلى تغيير “سلمي” للنظام والذي يبدو غافلا عن حقيقة أن إيران قد نجحت في إجراء الانتخابات الأكثر أهمية في المنطقة.

صراع لا مفر منه؟
وعلى الرغم من العداء السياسي والإيديولوجي العميق بين النظامين السياسيين في البلدين، فإن العلاقات الإيرانية الأمريكية معقدة، وتدل الفروق الدقيقة على أن القوتين لا تتجهان بالضرورة إلى مواجهة عسكرية شاملة. والواقع أن تاريخ العلاقة المتوترة بين هاتين القوتين على مدى العقود الأربعة الماضية يؤكد صحة هذا الاعتقاد.
بعبارة أصح، كانت المواقف الإيرانية والأمريكية أكثر تضاربا في أواخر الثمانينيات مما هي عليه الآن، وفق ما بينت الخلافات العميقة حول حصيلة الحرب الإيرانية العراقية، حرية الملاحة في الخليج الفارسي ومصير الرهائن الأمريكيين في لبنان . ولكن حتى في تلك الفترة المتوترة جدا، تمكن الجانبان من تجنب مواجهة عسكرية قاسية، على الرغم من عملية فرس النبي المصلِّي (Praying Mantis) في عام 1988، عندما هاجمت الولايات المتحدة سفن القوات البحرية الإيرانية في الخليج الفارسي.

وبالنظر إلى هذا التاريخ، وقدرة الدولتان واستعدادهما لممارسة ضبط النفس حتى في خضم التوتر الشديد، فإن المحللين معرضون لخطر تصوير حكاية في غاية التبسيط والاختزال لا تأخذ بعين الاعتبارالمخزون الكافي من الفروق الدقيقة في العلاقات الثنائية .
لا شك في أن الولايات المتحدة تعمل على تضييق الخناق على إيران، كما يتضح من مشروع قانون مجلس النواب الأخير ضد إيران، الذي يفرض عقوبات على الحرس الثوري الإسلامي الحاكم، ويوجه الحكومة الأمريكية لوضع استراتيجيات لكبح جماح إيران في المنطقة وخارجها.
وعلاوة على ذلك، من المتوقع أن يشتد تركيز الولايات المتحدة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ولكن من غير المحتمل أن يردع هذا الامر الحرس الثوري الإسلامي، الذي يرى أن قدرة إيران في هذا المجال تشكل الردع الوحيد الموثوق به ضد القوى المعادية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي الواقع، تفيد التقارير بأن الحرس الثوري قام ببناء مصنع سري ثالث لإنتاج الصواريخ البالستية للتأكيد على إصراره وعزمه.
ولكن حتى في سياق التوترات المتزايدة باطراد، لا تزال المواجهة العسكرية الشاملة بعيدة الاحتمال. باستثناء سوء الفهم والاشتباكات البحرية المحدودة نسبيا في الخليج الفارسي، فإن لدى كلا القوتين أسباب كثيرة لتجنب اندلاع حرب كبرى. وعلى الرغم من هاجس النظام السياسي الأمريكي ضد إيران، لا يبدو أن البنتاغون أو جهاز الاستخبارات الأمريكي يظهران موقفا مناهضا لإيران.
وكما يدرك الخبراء الأمريكيون تماما، فإن الحرب مع إيران تنطوي على مخاطر هائلة، ليس أقلها هيبة القوات المسلحة الأمريكية، التي من المرجح أن تتكبد خسائر لم يسبق لها مثيل منذ حرب فيتنام. وفي التحليل النهائي، حتى في حالة حدوث أزمة كاملة، مثل انهيار خطة العمل الشاملة المشتركة ، فإن إيران وأمريكا لديها ما يكفي من العزم والبصيرة الاستراتيجية لتجنب الحرب.

ماهان عابدين
الاثنين 14 أغسطس 2017
ميدل إيست آي

– ماهان عابدين محلل للسياسة الإيرانية. وهو مدير مجموعة الأبحاث ديسارت للاستشارات.

السابق
صور من مرحلة سقوط نظام صدام حسين
التالي
هل ستعودالقاعدة؟

اترك تعليقاً