اخترنا لكم

حكومة علاوي لن تقرب بغداد من واشنطن

أظهر الكشف عن فحوى الحديث الهاتفي الذي دار بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ورئيس الوزراء العراقي المكلف محمد توفيق علاوي، حجم التباين في المواقف بين واشنطن وبغداد، ومدى القلق الذي ينتاب الولايات المتحدة من استمرار لعبة الكراسي الموسيقية في الحكم عبر تبديل رؤساء الوزارة والوزراء من دون أي بارقة أمل في تغيير حقيقي في السياسات العراقية، ما سيؤثر بشكل مباشر في مصالح الولايات المتحدة. بينما يرى محللون سياسيون في العاصمة الأميركية أن علاوي يعد بمثابة طريق مسدودة لكل من العراق والولايات المتحدة على حد سواء، حيث لا تتوفر لديه إمكانية حل أكبر أزمتين في بغداد، وهما انهيار شرعية الطبقة السياسية التي تشكلت بعد 2003، وخضوع العراق بشكل متزايد ومستمر لنفوذ إيران ووكلائها داخل البلاد.

مضمون مكالمة بومبيو، الذي أكد رغبة الولايات المتحدة في دعم عراق قوي وسيادي، ومطالبته حماية الجنود الأميركيين وتلبية مطالب المحتجين الذين يتظاهرون منذ أشهر، كانت تعني استياءً أميركياً من النهج السياسي العراقي، وإدراكاً بأن لا شيء سوف يتغير في المستقبل القريب، على الرغم من اختيار علاوي كمرشح توافقي وتعهده بحماية المتظاهرين السلميين.

الابتعاد عن علاوي

مراكز التفكير والدراسات في واشنطن عكست في تقارير أخيرة التوجه الرسمي الأميركي نفسه، من حيث التشاؤم حيال إمكانية إحداث تغيير يذكر في سياسات الحكومة العراقية الجديدة، بل إنها نصحت إدارة الرئيس دونالد ترمب بالابتعاد عن دعم علاوي وتركيز طاقتها في مساندة حركة الاحتجاجات القوية التي تدعو إلى السيادة الوطنية العراقية بعيداً من نفوذ إيران، ما يمثل أفضل بارقة أمل، ليس لإنقاذ العراق من معاناته فحسب، بل لأن ذلك يعد بمستقبل أفضل للعلاقات الأميركية – العراقية أيضاً.

ويقول جون حنا، مستشار الأمن القومي السابق لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، إن تعيين علاوي رئيساً لوزراء العراق يسير عكس ما أراده المحتجون، الذين طالبوا بسلطة انتقالية تتألف من أشخاص يتمتعون بقدر واسع من الاحترام والتقدير، ولا تربطهم صلة بالنخبة السياسية الحاكمة في البلاد من أجل العمل على جدول زمني لتنفيذ إجراءات، تمهد الطريق أمام عقد انتخابات حرة ونزيهة بالتنسيق مع الأمم المتحدة، مع حظر النخبة الفاسدة والأحزاب الإسلامية التوجه والأحزاب المدعومة إيرانياً من المنافسة على الانتخابات.

من النظام وإليه

غير أن رئيس الوزراء الجديد، وإن كان يميل إلى التيار الإسلامي وعضو سابق في البرلمان ووزير الاتصالات في حكومة عادل عبد المهدي، وهو مثله بيروقراطي لا يدعي أي انتماء حزبي ويفتقر إلى قاعدة شعبية، إلا أنه مثل سلفه كان جزءاً من نظام ما بعد 2003، ولهذا رفض المتظاهرون تعيينه. ذلك أن ترشيحه خرج من اتفاق هادي العامري ومقتضى الصدر، وهما من أركان النظام العراقي غير الفاعل، بحسب قول المسؤول الأميركي السابق.

فمن ناحية، قاتل العامري من أجل إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، ويرأس فصيلاً رئيساً في البرلمان العراقي. كما يتزعم منظمة بدر المدعومة من الحرس الثوري الإيراني، التي سيطرت على وزارة الداخلية العراقية لسنوات ولعبت دوراً قيادياً في قمع الاحتجاجات الحالية.

أما الصدر، زعيم التيار الصدري، فهو رجل دين شعبوي مناهض للولايات المتحدة، وأصبح عنصراً أساسياً في المعادلة العراقية بعد عام 2003، على الرغم من كونه شخصية زئبقية، حيث كان يبتز الوزارات الحكومية لتعزيز ثروات وسلطة حركته السياسية.

لا إصلاح

ولهذا يدرك المحتجون تماماً أن تعيين علاوي لا يهدف إلى إصلاح النظام، إنما إنقاذه من الانهيار. وهو ما تكشف سريعاً أمام المحتجين في 1 فبراير (شباط) أي في اليوم نفسه الذي رشح فيه علاوي. فبينما كان الأخير يمتدح المتظاهرين ويتعهد بمحاسبة جلاديهم، كان الصدر يرسل قواته لمهاجمة المتظاهرين ومحاصرتهم وقتلهم في بغداد ومراكز الاحتجاج الأخرى.

وبعد يوم دموي، في 5 فبراير، دعا علاوي الحكومة المؤقتة لعبد المهدي إلى حماية الاحتجاجات إلى حين تشكيل حكومة جديدة تحقق مطالب الشعب. ومع ذلك، لم يتفوه علاوي بكلمة واحدة ضد الصدريين الذين ارتكبوا انتهاكات وفظائع. كما لم يتحدث بأي كلمة تطالب الصدر بوقف اعتداءاته وتسليم المسؤولين عن الفوضى من أتباعه إلى السلطات لمعاقبتهم.

طبقة سياسية منعزلة

لم تكن عمليات القمع الوحشية التي تعرض لها المحتجون من الصدريين سوى حلقة من حلقات القمع والقتل التي استخدمتها الحكومة السابقة المنتمية للطبقة السياسية الحاكمة والمنعزلة والبعيدة من المساءلة، والمتهمة بنهب ثروات العراق. إذ اختارت هذه الطبقة التعامل بقسوة مع مواطنيها على مدى أربعة أشهر، لقي فيها المئات مصرعهم، واختفى آخرون بينما أصيب 20 ألف شخص، في حين لم يقدم أي مسؤول استقالته، ولم يحدد أحدهم أسماء القتلة، ولم ينضم أحد منهم إلى صفوف المتظاهرين وغالبيتهم من الشيعة الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكان البلاد.

ومن خلال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني (الذي قتلته الولايات المتحدة عبر طائرة مسيرة) ووكيله العراقي أبو مهدي المهندس وقوات الحشد الشعبي، كان واضحاً ذلك التحالف القائم بين الطبقة الحاكمة والنظام الإيراني، الذي استغرق بناؤه سنوات.

ومع القرار الذي اتخذته الحكومة العراقية بالقتل بدلاً من الإصلاح، والاستسلام لمؤامرات إيران وأنصارها لسحق حركة شعبية ترتكز على القومية العراقية، أصبح الأمر الآن منتهياً من دون رجعة، حيث لم يعد ممكناً للطبقة السياسية التراجع بعد إزهاق كثير من الأرواح وتسييل دماء بريئة.

وسواء كان الدافع المحرك للطبقة السياسية هو الترهيب أو الرشى أو الدواعي الأيديولوجية، فإنها ترتبط في النهاية وبشكل مباشر بالنظام الإيراني.

لكن إخفاقات النظام السياسي العراقي، وعدم تمكنه من تقديم الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة للحكم وتخليه عن حماية السيادة الوطنية العراقية، جعل المحتجين يرفضون النظام والطبقة السياسية بشكل جماعي ويؤمنون بأنه لا حل للأزمة الحالية طالما أن الطبقة السياسية الحالية هي نفسها المسؤولة عن إصلاح النظام.  

ليس شريكاً حيوياً

وتشير مجلة “فورين بوليسي” في تقرير لها إلى أن إدارة ترمب تحتاج إلى التعرف على الواقع الصعب المتمثل في أن النظام السياسي الحاكم في العراق بصيغته الحالية، ليس شريكاً حيوياً لتعزيز المصالح الأميركية. فقد تحطمت شرعية الحكومة في نظر الشعب العراقي بشكل لا يمكن إصلاحه، وأصبحت جهودها للإبقاء على استمرارها في السلطة بأي ثمن، وعبر حرب استنزاف دموية ضد المحتجين، وصفة لعدم الاستقرار والصراع المزمنين.

وتضيف المجلة الأميركية، أن التهديد المباشر للمصالح الأميركية ظل يتمثل في خضوع واستسلام الحكومة العراقية لجارتها الشرقية إيران، حيث كان الدور المهيمن لطهران وميليشياتها في توجيه وتنفيذ أعمال العنف ضد الاحتجاجات مزعجاً للغاية، فضلاً عن اقتران ذلك برضا وصمت حكومة بغداد على حملة إيران ضد الوجود العسكري والدبلوماسي الأميركي في العراق. إذ ظلت الحكومة العراقية سلبية تماماً حتى في أحلك اللحظات سواداً، وخلال أكثر السيناريوهات كارثية، وهو اقتحام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء يوم 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وهو ما عكس مدى تغلغل النظام الإيراني واختراقه للنخبة الحاكمة العراقية.

استثمار أقل

ويقترح حنا نقطة انطلاق جديدة للسياسات الأميركية مع العراق، تبدأ باستثمار أقل في الحكومة العراقية واستثمار أكبر في حركة الاحتجاج، بعدما أثبتت لعبة الكراسي الموسيقية في بغداد أنها اقتراح خاسر بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وأن تعيين علاوي وأي مجلس وزراء تسمح إيران له ولأنصاره بالتوافق معاً لن يغير المسار، وعلى الولايات المتحدة أن تتصرف وفقاً لذلك.

في المقابل، تمثل حركة الاحتجاج تحدياً تاريخياً لكل ما ارتكبته إيران في العراق. صحيح أن المتظاهرين لا تربطهم علاقة حب وود مع أميركا، التي يحملونها مسؤولية ما حدث بعد 2003 من احتلال أخرق ونظام سياسي فاشل، إلا أن مشاهد التظاهرات كشفت أن صور ترمب لم تكن تداس بالأقدام، وإنما صور سليماني والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. كما لم يحرق المتظاهرون المنشآت الدبلوماسية الأميركية والبريطانية في المناطق الشيعية الرئيسة، بل كانت القنصليات الإيرانية ومقار حلفاء إيران هي التي حرقها المتظاهرون.

والحقيقة المؤكدة أن الاحتجاجات في جوهرها، بالإضافة إلى كونها انتفاضة ضد الحكم الفاسد المعدوم الكفاءة، هي حركة جماهيرية وقودها القومية العراقية التي تستهدف التدخلات الإيرانية الخبيثة وليس التدخلات الأميركية.

تحدٍ صعب

ويشير باحثون في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، إلى أن الانخراط في حركة الاحتجاج ودعمها يمثل تحدياً صعباً. لكن هذا هو المكان الذي يجب أن تتجه إليه اهتمامات صناع السياسة في الولايات المتحدة، بهدف إبقاء أعين العالم مفتوحة على الاحتجاجات والهجمات التي تدعمها إيران، وأنه ينبغي على واشنطن بالتعاون مع الحكومات الحليفة رعاية البيانات والقرارات في مجلس الأمن الدولي والمحافل الدولية للتعبير عن التضامن والاهتمام بالشعب العراقي والبحث عن وسائل لمساعدة المنظمات العراقية والدولية غير الحكومية التي تعمل بتكتم مع المحتجين، لتوجيه حركتهم وتحويلها إلى برنامج سياسي عملي، فضلاً عن مساعدة المحتجين على الوصول إلى تقنيات الاتصال الآمنة لتجاوز إغلاق الحكومة العراقية لشبكة الإنترنت، بالإضافة إلى تسريع معاقبة الذين يقومون بقمع المتظاهرين، بما في ذلك قادة الميليشيات وكبار السياسيين مثل العامري والصدر ومساعديهما، ومواجهة انتهاكات حقوق الإنسان ومن يسهلون النفوذ الإيراني.

ويضيف هؤلاء أنه يجب على حكومة الولايات المتحدة التعاون مع أكثر شركائها الموثوق فيهم بالعراق، للعمل على إعادة انتشار القوات الأميركية في البلاد، للحد من تعرضها لهجمات خلال الاضطرابات الحالية، مع الحفاظ على أقصى قدر من المرونة للوفاء بمهام مكافحة الإرهاب والرد بقوة على الاستفزازات الإيرانية.

السابق
لحماية نفوذها في العراق.. هكذا أغرت إيران الصدر للتخلي عن الانتفاضة الشعبية
التالي
الفتح: علاوي رشح أسماء رفض تمريرها بحكومة عبد المهدي!

اترك تعليقاً